السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: تنويع مسارات التصدير خفّض التعرض لنقاط الاختناق 40 %

عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)
عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)
TT

السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات

عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)
عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)

في وقت تتعرض فيه سلاسل الإمداد العالمية لاختبارات غير مسبوقة، وتعطّل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، وهو مضيق «هرمز»، كشفت السعودية عن تفوق منظومتها للنقل التي تحولت إلى رئة بديلة وشريان حياة يضمن استدامة تدفق التجارة العالمية. وبفضل الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجيستية التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عام 2021، نجحت الرياض في تفعيل هندسة ربط عابرة للقارات، محولةً التحديات الجيوسياسية الراهنة إلى برهان ميداني على جاهزية بنيتها التحتية، مع معدلات نجاح تشغيلية تجاوزت 97 في المائة في إدارة الأزمات والعمليات الإجلائية.

هذه المنظومة التي وُضعت لبنتها الأولى لترسيخ مكانة المملكة مركزاً عالمياً يربط القارات الثلاث، دخلت حيز الاختبار الفعلي عبر تطوير مناطق لوجيستية بالشراكة مع كبرى الشركات العالمية، وتسريع إجراءات التصدير والتوريد في المجالات الجوية والبرية والبحرية كافة. وهو ما مكّن الحكومة من ضمان استمرارية تدفق السلع والخدمات والطاقة، محققةً مستهدفات التحول من مجرد مطور للبنية التحتية إلى فاعل رئيسي في استقرار الاقتصاد العالمي وقت الأزمات».

الاستجابة الجوية

لم تقتصر هذه الجاهزية على الجانب التجاري فحسب، بل امتدت لتشمل الكفاءة في إدارة الأزمات الإنسانية. وفي هذا السياق، قال الخبير اللوجيستي حسن آل هليل، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن النقل الجوي بات يمثل المحرك الأساسي للاستجابة الطارئة، حيث يستحوذ على ما بين 70 و80 في المائة من عمليات الإجلاء السريعة، فيما يُستخدم النقل البحري للعمليات الجماعية التي تشمل ما بين 500 و2000 شخص، مع زمن استجابة يتراوح بين 24 و72 ساعة، مما يعكس جاهزية تشغيلية عالية وبنية تحتية متقدمة.

وأكد أن هذه العمليات تتم عبر تنسيق مؤسسي متكامل وبروتوكولات سلامة صارمة تشمل الفحص الطبي والرعاية في أثناء النقل، رغم تحديات ازدحام الممرات الجوية وارتفاع زمن الرحلات بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة، إضافةً إلى اختلاف الأنظمة الدولية، وتأخيرات قد تصل إلى 48 ساعة، وضعف البنية التحتية في مناطق الأزمات بما قد يخفض الكفاءة إلى 40 في المائة.

وأضاف أن المملكة، بفضل مرونتها التشغيلية وخطط الطوارئ المدروسة، تحافظ على معدل نجاح يتجاوز 97 في المائة، مشيراً إلى أن هذه المنظومة لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تمثل نموذجاً استراتيجياً يضمن استمرارية تدفق السلع والخدمات والطاقة داخلياً وخارجياً.

ميناء ينبع

وبالتوازي مع التفوق الجوي، تصدّر النقل البحري المشهد بوصفه بديلاً جيوسياسياً، حيث تحولت مواني البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء ينبع، إلى شريان استراتيجي فعال للشحنات التي كانت تمر عبر مضيق هرمز. ومع تكامل هذه المواني مع خط أنابيب «شرق - غرب»، أصبحت المملكة قادرة على إعادة توجيه صادراتها بعيداً عن مناطق التوتر دون الإخلال بالإمدادات.

وفي دلالة واضحة على هذه المرونة، بلغ متوسط شحنات النفط الخام المخصصة للتصدير من محطتي ينبع الجنوبية وينبع الشمالية 4.4 مليون برميل يومياً خلال الأيام الخمسة (حتى يوم الثلاثاء)، في وقت تسعى المملكة إلى زيادة شحنات التصدير من موانيها على البحر الأحمر إلى 5 ملايين برميل يومياً، وهو هدف بات في متناول اليد.

في المقابل، تراجعت تكاليف النقل بنسبة 58 في المائة نتيجة تمركز السفن بالقرب من المواني السعودية، واستقبال شحنات استثنائية ضخمة مثل توربينات الرياح التي حُوّل مسارها من الجبيل إلى ينبع لضمان سرعة التنفيذ.

مسارات التصدير

وأشار آل هليل إلى أن هذا «التنويع الذكي» في مسارات التصدير خفّض التعرض لنقاط الاختناق بنسبة تصل إلى 40 في المائة، وهو ما ساعد على امتصاص قفزات تكاليف الشحن العالمي التي بلغت 50 في المائة خلال فترات التصعيد، وفرض رسوم مخاطر جيوسياسية تتراوح بين 0.05 و0.25 في المائة من قيمة الشحنة، أو زيادة في التأمين تتراوح بين 10 و25 في المائة. ورغم زيادة زمن الإبحار وتأخر الشحنات عالمياً بين 3 و10 أيام، فإن كفاءة المواني السعودية ومنح الاستثنـاءات المؤقتة للسفن أسهمتا في تقليل زمن التوقف بنسبة 25 في المائة، وخفض تقلبات أسعار الشحن.

تكامل المنظومة

وعلى الأرض، لم يكن النقل البري بمعزل عن هذا الحراك، إذ تحولت المملكة إلى ممر رئيسي لإعادة توزيع البضائع نحو دول الخليج، مدعومةً بأسطول يتجاوز 500 ألف شاحنة، ورفع طاقة قطارات «سار» لنقل أكثر من 2500 حاوية يومياً. ونُقلت بالفعل آلاف شاحنات السلع إلى الكويت والبحرين، في مشهد يعكس تحوّل المملكة إلى محور توزيع إقليمي فعّال.

هذا التكامل اللوجيستي لم يضمن تدفق البضائع فحسب، بل عزز الروابط الإقليمية عبر نقل المواطنين الكويتيين براً من الرياض، واستقبال رحلات جوية عراقية في مطار عرعر.

أحد قطارات نقل الركاب التابعة للخطوط الحديدية السعودية (واس)

إعادة ربط الخليج

لم يتوقف هذا التحول عند الحدود البرية، بل امتد لتعزيز الربط البحري داخل الخليج بوصفه خياراً استراتيجياً موازياً؛ حيث أطلقت الهيئة العامة للمواني (موانئ) جسراً تجارياً جديداً يربط الدمام بإمارة الشارقة عبر شراكة استراتيجية مع شركة «غلف تينر»، لتوفير حلول نقل متعددة الوسائط تُسهم في تسريع حركة الشحن. كما تعزز الربط مع البحرين عبر خدمة «غولف شوتل» التي تربط ميناء الملك عبد العزيز بالدمام بميناء خليفة بن سلمان، مستفيدةً من البنية التحتية الضخمة للميناء الذي يضم 43 رصيفاً بطاقة تصل إلى 105 ملايين طن سنوياً، مما يجعله لاعباً رئيسياً في ربط المملكة بالاقتصادات العالمية رغم تحديات الممرات المائية.

من جهتها، أطلقت الخطوط الحديدية السعودية «سار» ممراً لوجيستياً دولياً عبر قطارات البضائع، يربط مواني المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة، في خطوة تستهدف تعزيز الربط مع الأردن والدول شمال المملكة ودعم حركة التجارة الإقليمية.

تسهيل حركة الركاب

وبعيداً عن لغة الأرقام التجارية، برزت كفاءة المنظومة في أبعادها الإنسانية والإقليمية، حيث لعبت دوراً محورياً في تسهيل حركة الركاب ونقل العالقين؛ وتجسد ذلك في نقل مواطنين كويتيين براً من الرياض إلى الكويت في خطوة تعكس عمق الروابط الخليجية. وفي قطاع النقل الجوي، استقبل مطار عرعر الدولي رحلات قادمة من العراق لدعم حركة المسافرين، مع الحفاظ على معدل نجاح تشغيلي يتجاوز 97 في المائة، مما يؤكد أن الجاهزية اللوجيستية السعودية صُممت لتكون مرنة وشاملة للظروف كافة.

إدارة ذكية للأزمات

وفي المسار التنظيمي، تبنت الجهات المختصة نهجاً مرناً عبر منح استثناءات مؤقتة للسفن، مما أسهم في تقليل زمن التوقف بنسبة تصل إلى 25 في المائة، وخفض التكاليف التشغيلية دون الإخلال بمعايير السلامة. وساعدت هذه المرونة في خفض تكاليف النقل البحري بنسبة تتراوح بين 8 و18 في المائة، وتقليل تقلبات أسعار الشحن بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة، مما حدّ من تأثير التضخم العالمي على السوق المحلية.

الأمن الغذائي

امتدت هذه الكفاءة لتشكل صمام أمان للأمن الغذائي الإقليمي، حيث ضمنت المنافذ البرية، وعلى رأسها منفذ أبو سمرة، تدفق السلع إلى الأسواق القطرية واستقرارها. وأكد آل هليل أن المملكة طوّرت نموذجاً متكاملاً يقوم على تنويع مصادر الاستيراد من أكثر من 25 دولة، إلى جانب الحفاظ على مخزون استراتيجي يصل إلى 12 شهراً لبعض السلع، مع توفر يتجاوز 95 في المائة.

«الشحن المكوكية»من ناحيته، أوضح المختص في الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، نشمي الحربي، لـ«الشرق الأوسط» أن الربط السككي لم يعد مجرد خيار تكميلي، بل أصبح شريان الحياة الآمن والملاذ الاستراتيجي الموثوق في ظل اضطرابات الممرات البحرية، مشيراً إلى إطلاق مسار لوجيستي دولي جديد يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة البري عبر قطارات شحن بسعة تتجاوز 400 حاوية للقطار الواحد، مما يخفض مدة الشحن إلى النصف.كما لفت الحربي إلى أن الخطوة الأبرز في فبراير (شباط) 2026 تمثلت في موافقة مجلس الوزراء السعودي على اتفاقية القطار السريع الذي يربط الرياض بالدوحة، ما يختصر الرحلة إلى ساعتين ويضمن تدفق السلع الأساسية بين دول المجلس دون انقطاع.وبيّن الحربي أن خدمات «الشحن المكوكية» هي بمثابة «الشرايين» التي تربط القلب بالأطراف في منظومة الشحن العالمية، حيث تعتمد على سفن أصغر حجماً تتنقل بترددات عالية وسريعة بين الموانئ المحورية والإقليمية. وطبقًا للحربي، فإن هذا النموذج يمثل تحولاً جذرياً في هيكلة التكاليف وسلاسل الإمداد، حيث تم بناء جسر بحري موازي يخفف الضغط البري عن جسر الملك فهد (الذي شهد عبور 4.7 مليون مركبة في 2025) ويوفر بديلاً استراتيجياً مرناً يدعم حجم التجارة البينية التي قاربت المليار دولار في 2025.

وفيما يخص المراكز اللوجيستية المتكاملة، فإن المملكة تشهد تحولاً استراتيجياً نحو تقريب سلاسل الإمداد، حيث أصبحت الوجهة المفضلة إقليمياً للشركات العالمية هرباً من مخاطر سلاسل الإمداد، مستشهداً باستثمار شركة «دي اتش إل» اللوجيستية بقيمة 130 مليون يورو (150 مليون دولار) لإنشاء مركز توزيع إقليمي في «المنطقة اللوجيستية المتكاملة الخاصة» بالرياض، وافتتاح «ميرسك» الدنماركية لمستودع جمركي جديد. بحسب الحربيوأضاف أن هذه الجهود قفزت بالمملكة 17 مرتبة في مؤشر الأداء اللوجيستي للبنك الدولي لتصل للمركز 38 عالمياً، مما يرسخ مكانتها كمركز ثقل لوجيستي يضمن استمرارية الأعمال للشركات العالمية

في الختام، فإن كل هذه الإجراءات تثبت أن المملكة لم تكتفِ بالاستجابة لأزمة عابرة، بل عززت موقعها الاستراتيجي ضمن خريطة التجارة العالمية. ومع تكامل المواني، وتطور البنية التحتية، ومرونة الأنظمة التشغيلية، باتت تمتلك منظومة قادرة على إعادة توجيه تدفقات التجارة والطاقة بكفاءة، وتحويل التحديات إلى فرص تعزز مكانتها كمركز لوجيستي يربط بين القارات.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«الأونكتاد»: السعودية تصعد للمرتبة الـ13 عالمياً في جذب الاستثمار الأجنبي في 2025

الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«الأونكتاد»: السعودية تصعد للمرتبة الـ13 عالمياً في جذب الاستثمار الأجنبي في 2025

أظهر تقرير الاستثمار العالمي لعام 2026، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تحقيق السعودية تقدماً ملحوظاً في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مركز الملك عبد الله المالي (صندوق الاستثمارات العامة)

خاص البنوك السعودية تحافظ على متانتها... ونمو الائتمان يعوّض ضغوط الفائدة

أثبت القطاع المصرفي السعودي مجدداً امتلاكه أساسيات مالية متينة وقدرة عالية على التكيف مع التحديات الجيوسياسية والتقلبات العالمية، مدعوماً بزخم قوي في التمويل.

هلا صغبيني (الرياض)
خاص ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي من المشروعات التجريبية إلى التشغيل الفعلي في المباني والمصانع والشبكات (شاترستوك)

خاص «سيمنس السعودية» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تعيد صياغة نموذج اقتصاد المستقبل الرقمي

ترى «سيمنس» أن الشرق الأوسط يسرّع تحديث بنيته التحتية مع تحديات في الشبكات والمهارات والقياس والتمويل وتكامل البيانات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص طائرة «بوينغ 787» في منشأة «بوينغ» بمدينة سياتل الأميركية (إكس)

خاص «بوينغ» لـ«الشرق الأوسط»: شراكتنا مع «طيران الرياض» فصل جديد في العلاقة بالسعودية

تراهن شركة «بوينغ» الأميركية على أنَّ السعودية ستكون واحدةً من أسرع أسواق الطيران نمواً خلال السنوات المقبلة، مدفوعة باستثمارات ضخمة.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد المقر الرئيس لـ«أكوا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

السعودية تمنح «أكوا» الحق الحصري لتصدير الهيدروجين الأخضر

مُنحت شركة «أكوا» رسمياً الحق الحصري لتصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته من السعودية إلى الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

قلق تقييمات الذكاء الاصطناعي يهبط بعقود «ناسداك» الآجلة

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

قلق تقييمات الذكاء الاصطناعي يهبط بعقود «ناسداك» الآجلة

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تراجعت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر «ناسداك»، الذي يضم كبرى شركات التكنولوجيا، يوم الثلاثاء، متأثرةً بانخفاض أسهم شركات الرقائق وسط تصاعد المخاوف بشأن استدامة موجة الصعود التي قادها الذكاء الاصطناعي، رغم النتائج القوية التي أعلنتها شركة «سامسونغ». وفي الوقت نفسه، تراجعت أسهم «سبيس إكس» قبيل إدراجها في مؤشر «ناسداك 100».

وكان من المقرر أن تبدأ شركة «سبيس إكس»، التابعة لإيلون ماسك، التداول ضمن مؤشر «ناسداك 100» يوم الثلاثاء، بالتزامن مع بدء عدد من شركات الوساطة تغطية السهم بعد انتهاء فترة الصمت الإلزامية المفروضة على المحللين عقب الاكتتاب العام. وانخفض سهم الشركة بنسبة 1.7 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، وفق «رويترز».

وتصدّرت أسهم شركات الرقائق قائمة الخاسرين، إذ تراجعت أسهم شركات تصنيع رقائق الذاكرة، حيث انخفض سهم «مايكرون تكنولوجي» بنسبة 5.6 في المائة، و«ويسترن ديجيتال» بنسبة 6.2 في المائة، و«سانديسك» بنسبة 5.2 في المائة.

كما تراجعت أسهم «سامسونغ إلكترونيكس» الكورية الجنوبية، رغم إعلان الشركة ارتفاع أرباحها التشغيلية خلال الربع الثاني بنحو 19 ضعفاً، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزة إجمالي أرباحها التشغيلية المسجلة خلال السنوات الثلاث السابقة.

وقال رئيس قسم الأسواق في شركة «إنترأكتيف إنفستور»، ريتشارد هانتر: «تكمن القضية الأوسع في معرفة ما إذا كان هذا يمثّل تحولاً جديداً في توجهات المستثمرين، لا يرتبط بضعف الطلب أو الربحية الحالية، بل بمدى قدرة الأرباح المستقبلية على تبرير تريليونات الدولارات التي استثمرتها شركات الحوسبة السحابية الكبرى في تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وكانت أسهم شركات تصنيع الرقائق من بين أبرز المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي هذا العام، مدفوعةً بتوقعات ارتفاع الطلب على تقنيات الحوسبة المتقدمة، إلا أن المخاوف من المبالغة في تقييمات القطاع وعمليات جني الأرباح الأخيرة أثارت موجات من التقلبات.

وتراجعت أسهم شركات أخرى مرتبطة بصناعة الرقائق؛ إذ انخفض سهم «إنتل» بنسبة 4 في المائة، في حين تراجع سهم «مارفيل تكنولوجي» بنسبة 4.5 في المائة، وخسر سهم «كوالكوم» 2.4 في المائة وسط ضغوط عامة على القطاع.

ويترقب المستثمرون اختباراً جديداً لشهية السوق تجاه أسهم شركات أشباه الموصلات في وقت لاحق من هذا الأسبوع، مع بدء تداول أسهم شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية العملاقة في بورصة «ناسداك» الأميركية.

وبحلول الساعة 4:56 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 86 نقطة، أو 0.16 في المائة، في حين تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 11.75 نقطة، أو 0.15 في المائة، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 270.75 نقطة، أو 0.9 في المائة.

وخالف مؤشر «داو جونز» الاتجاه العام، مدعوماً بارتفاع أسهم شركات البرمجيات الكبرى مثل «مايكروسوفت» و«سيلزفورس» و«آي بي إم»، بعدما تجاوز المؤشر مستوى 53 ألف نقطة للمرة الأولى يوم الاثنين.

وسجل المؤشر خامس إغلاق له فوق حاجز الألف نقطة خلال العام الحالي، بدعم من انخفاض أسعار النفط مع تراجع حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط.

وأشارت «مورغان ستانلي»، في مذكرة صادرة يوم الاثنين، إلى أن التراجع الأخير في أسهم شركات أشباه الموصلات الأميركية قد يكون مؤشراً على اتساع نطاق مكاسب السوق، مع احتمال توجه المستثمرين نحو الشركات الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وارتفعت معظم أسهم الشركات العملاقة وأسهم النمو، باستثناء «تسلا» و«إنفيديا» اللتَين تراجعت أسهمهما بنحو 1 في المائة لكل منهما.

وصعد سهم «فيسيرف» بنسبة 7.1 في المائة، بعد تقارير إعلامية أفادت بأن شركة المدفوعات أجرت محادثات مع عدد من البنوك الأميركية، من بينها «جي بي مورغان» و«بنك أوف أميركا»، بشأن بيع وحدة البنية التحتية للمدفوعات التابعة لها والمتخصصة في معاملات بطاقات الخصم.

في المقابل، تراجع سهم «ريفيان» بنسبة 7.6 في المائة، بعدما أعلنت شركة السيارات الكهربائية طرح 75 مليون سهم للبيع، رغم توقعها تحقيق إيرادات خلال الربع الثاني تتجاوز تقديرات المحللين.

وفي سياق آخر، يترقب المستثمرون صدور محضر الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يوم الأربعاء، الذي سيكون الأول في عهد الرئيس الجديد للبنك المركزي كيفين وارش، للحصول على مؤشرات حول توجهات السياسة النقدية المقبلة.

ويتوقع المتداولون حالياً أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل بمقدار 25 نقطة أساس خلال العام الحالي، وفقاً لبيانات جمعتها بورصة لندن للأوراق المالية.


تحركات طفيفة في عوائد سندات اليورو مع ترقب آفاق الاقتراض طويلة الأجل

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

تحركات طفيفة في عوائد سندات اليورو مع ترقب آفاق الاقتراض طويلة الأجل

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفعت عوائد سندات منطقة اليورو بشكل طفيف يوم الثلاثاء، مع تقييم المستثمرين التوقعات طويلة الأجل لأسواق الاقتراض، في ظل تركيز متصاعد على المخاطر السياسية المحتملة في فرنسا، إلى جانب تطورات الموازنة والسياسة المالية في ألمانيا.

وسجل عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، الذي يُعدّ المؤشر المرجعي لسوق السندات في منطقة اليورو، ارتفاعاً بنحو 3 نقاط أساس ليصل إلى 2.9737 في المائة، بعدما لامس في وقت سابق أعلى مستوى له منذ 19 يونيو (حزيران) الماضي، وفق «رويترز».

ويمثل هذا الارتفاع الجلسة الـ7 على التوالي من المكاسب، بعد أن سجل العائد ارتفاعاً الأسبوع الماضي مدفوعاً بصعود عوائد السندات الأميركية واليابانية، وسط ترقب المستثمرين أي تحولات محتملة في اتجاهات أسواق الاقتراض العالمية.

وكانت عوائد السندات قد بدأت التراجع عقب الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، الذي أدى إلى انخفاض أسعار النفط وخفف المخاوف بشأن تداعيات الحرب على التضخم والنمو الاقتصادي ومسار أسعار الفائدة لدى البنوك المركزية.

إلا إن إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة «البنك المركزي الأوروبي»، أكدت يوم الاثنين أن اقتصاد منطقة اليورو لم يعد بعدُ إلى مستويات ما قبل الحرب الإيرانية، رغم تراجع أسعار النفط، مشيرة إلى استمرار ارتفاع التضخم الأساسي وبقاء ضغوط الأسعار قائمة.

وأعادت تصريحات شنابل فتح الباب أمام احتمال إقدام «البنك المركزي الأوروبي» على رفع إضافي لأسعار الفائدة؛ إذ «تسعّر» الأسواق المالية حالياً احتمال تنفيذ زيادة جديدة في أسعار الفائدة خلال العام الحالي.

وارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الأكبر تأثراً بتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 2.9 نقطة أساس ليصل إلى 2.5707 في المائة.

وفي الوقت نفسه، ركز المتداولون هذا الأسبوع على التطورات السياسية في أوروبا، بعدما وافق مجلس الوزراء الألماني يوم الاثنين على المسودة الأولى لموازنة عام 2027.

وتعتزم ألمانيا تخصيص إنفاق إجمالي بقيمة 555.4 مليار يورو (634.16 مليار دولار)، مع اقتراض إجمالي يبلغ 203.6 مليار يورو، في إطار مساعيها لتعزيز الاستثمار وزيادة الإنفاق الدفاعي، ودعم أكبر اقتصاد أوروبي في مواجهة تداعيات صدمات الطاقة المرتبطة بالحرب وسنوات من ضعف الاستثمار.

وفي تطور سياسي آخر بأوروبا، تصدر محكمة باريس يوم الثلاثاء حكمها في استئناف زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، مارين لوبان، ضد قرار منعها من الترشح للانتخابات على خلفية اتهامات تتعلق بإساءة استخدام أموال أوروبية.

وسيحدد الحكم ما إذا كانت لوبان ستكون قادرة على خوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، في وقت تتجدد فيه المخاوف بشأن المخاطر السياسية في فرنسا مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي.


مسؤول في «المركزي الأوروبي»: التوقعات الاقتصادية لمطقة اليورو لا تزال هشة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

مسؤول في «المركزي الأوروبي»: التوقعات الاقتصادية لمطقة اليورو لا تزال هشة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

قال فابيو بانيتا، أحد كبار صانعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي، يوم الثلاثاء، إن التوقعات الاقتصادية لمنطقة اليورو لا تزال هشة، داعياً إلى اختبار قرارات السياسة النقدية في ضوء مجموعة واسعة من السيناريوهات، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وقال بانيتا، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، محافظ بنك إيطاليا، خلال مؤتمر بحثي عُقد في روما حول تحديات انتقال السياسة النقدية: «لقد دخل العالم فيما يمكن وصفه بـ(إعادة تشكيل كبرى)».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد أصبح في يونيو (حزيران) أول بنك مركزي رئيسي في العالم يرفع أسعار الفائدة استجابةً لصدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية، فيما يناقش صانعو السياسات حالياً ما إذا كانت هناك حاجة إلى اتخاذ خطوة إضافية لاحتواء الضغوط التضخمية.

وأضاف بانيتا أن البنك المركزي الأوروبي، عند تحديد مسار سياسته النقدية، يجب أن يوازن بين خطأَين محتملَين، موضحاً: «لا ينبغي التقليل من شأن الصدمة واعتبارها مؤقتة فقط، كما لا ينبغي التعامل معها كما لو أن الاقتصاد يمر بالظروف نفسها التي كان عليها قبل أربع سنوات»، في إشارة إلى أزمة الطاقة عام 2022.

وتابع قائلاً: «هذه ليست تكراراً لأزمة 2022، فالطلب أصبح أضعف، وأسعار الفائدة الحقيقية أعلى»، مشيراً إلى أن منطقة اليورو أصبحت أقل تعرضاً لتداعيات صدمات الطاقة مقارنة بالسابق.

وأوضح بانيتا أن المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران قد تؤدي إلى انخفاض أسعار الطاقة إلى مستويات أدنى من تلك التي بُنيت عليها توقعات البنك المركزي الأوروبي في يونيو.

لكنه حذّر قائلاً: «مع ذلك، لا تزال التوقعات هشة؛ إذ تبقى مخاطر ارتفاع التضخم قائمة بالتوازي مع مخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي».

وأضاف: «يتطلب ذلك متابعة مستمرة للتطورات الجيوسياسية، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأجور، وتوقعات التضخم. كما يتطلب من السياسة النقدية تجنب الالتزام بمسار محدد مسبقاً».

وأشار بانيتا إلى أن قرار البنك المركزي الأوروبي بشأن أسعار الفائدة في يونيو «وُصف بأنه قرار متين في مواجهة مجموعة من السيناريوهات المحتملة»، مضيفاً أن ذلك يعكس «مبدأً أساسياً في صناعة السياسات خلال فترات عدم اليقين».

وقال إن صدمة الطاقة الأخيرة جاءت في سياق تحول عالمي أوسع تقوده عوامل عدة، من بينها التفكك الجيوسياسي، والذكاء الاصطناعي، والتمويل الرقمي، وشيخوخة السكان، والتغير المناخي.

وأضاف بانيتا: «في مثل هذه الظروف، تصبح القدرة على الصمود أكثر أهمية من أي وقت مضى».