سوريا.. صدّرت نصف أزمات العالم الاقتصادية في 2015

الموازنات الدولية تعاني من اللاجئين وكلفة الأمن الداخلي والعمليات العسكرية

طفل سوري يعاين آثار حريق خلفته إحدى القنابل في إدلب (رويترز)
طفل سوري يعاين آثار حريق خلفته إحدى القنابل في إدلب (رويترز)
TT

سوريا.. صدّرت نصف أزمات العالم الاقتصادية في 2015

طفل سوري يعاين آثار حريق خلفته إحدى القنابل في إدلب (رويترز)
طفل سوري يعاين آثار حريق خلفته إحدى القنابل في إدلب (رويترز)

استحوذت أزمة اللاجئين وتكلفة الحرب على الإرهاب على النصيب الأكبر من موازنات الدول في عام 2015، الأمر الذي أثر بالعجز تارة والاستدانة تارة أخرى لتغطية هذا البند المستجد في اقتصادات الدول. ومثلت سوريا، التي تعاني منذ خمس سنوات من عدم استقرار، المنبع الرئيسي لتلك الأزمات التي تعتبر أكثر من نصف المشاكل الاقتصادية حول العالم.
ومن كلفة دعم اللاجئين التي تحملتها كثير من الدول، إلى كلفة العمليات العسكرية، وتخصيص ملايين الدولارات لمواجهة عمليات الإرهاب التي يقوم بها تنظيم داعش وحلفاؤه، مرورا بتهريب النفط الذي يربك موازنات العديد من الدول، إضافة إلى المشكلات الناشبة بين أطراف دولية على هامش الأزمة مثلما حدث بين روسيا وتركيا مؤخرًا؛ تعددت الضغوط الاقتصادية على كاهل العالم بأكمله خلال عام 2015.
وناقش زعماء العالم، وما زالوا، كيفية التغلب على الأزمات والمشاكل التي تصدرها سوريا، إلا أنهم لم يتفقوا على حل جذري حتى الآن. وعلى قدر سهولة الأزمة، على قدر صعوبتها، نظرًا لتداخل أطراف دولية. ورغم نفي وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون كيري أن الأمر يقع في إطار «الحرب بالوكالة»، فإن كلفة الحرب ترتفع وتزداد تعقيدًا بزيادة اللاجئين.
وفي ما يبدو أنه نتيجة حتمية للتوتر الدولي بسبب سوريا، تسببت واقعة إسقاط تركيا لمقاتلة روسية في تصعيد هو الأخطر من نوعه بين حليفين اقتصاديين تقليديين. وبحسب تصريح لمحمد شيمشك، نائب رئيس الوزراء التركي، فإن خسائر تركيا بسبب التوتر مع روسيا ستبلغ 9 مليارات دولار.. فيما قدرت الخسائر المشتركة بأضعاف ذلك المبلغ.
وقبل أسابيع من نهاية العام، أعلنت أوروبا عن دعمها أنقرة بمبلغ يقدر بنحو 3 مليارات يورو، في محاولة لإبقاء اللاجئين في الأراضي التركية، بعد تدفق آلاف منهم إلى أوروبا خلال عام 2015، مما تسبب في ارتباك اقتصادي وأمني في كثير من دول أوروبا.
وأنشأ الاتحاد الأوروبي صندوقًا لنقل المساعدات إلى اللاجئين السوريين في تركيا، وقال نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرانس تيمرمانز: «هذا المال يهدف إلى تقديم الدعم لمواصلة تحسين الحياة اليومية والظروف الاجتماعية والاقتصادية للسوريين الذين يلجأون إلى تركيا».
وتداخلت الخيوط في كثير من العواصم الأوروبية بين الامتناع عن استقبال اللاجئين تخوفا من ضغوط على الموازنة خاصة في دول محدودة الموارد مثل المجر والتشيك، إلى دول حاولت التنصل في البداية مثل النمسا، وصولا إلى دول استقبلتهم على غرار ألمانيا.. لكن كل تلك الدول واجهت أزمات داخلية سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي.
ولم يقتصر الأمر عند وجود «آلاف من اللاجئين في الشوارع من دون مأوى»، والذي صار مشهدا معتادًا في أوروبا عام 2015، في ما أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب العالمية الثانية.. لكن امتداد عمليات الإرهاب التي تبناها تنظيم داعش إلى شتى بقاع الأرض كان من التبعات الاقتصادية القاصمة، حيث سقط في شوارع باريس أبرياء تعدوا 130 شخصًا، وفي صحراء سيناء المصرية تعدوا 240 شخصًا، ونحو 60 قتيلا في تونس؛ وزاد المشهد انتشارًا بعملياته في تركيا وأميركا ولبنان والكويت ولندن والسعودية والعراق.
وعلى أثر تصاعد النذر بمواجهة مزيد من العمليات، خصصت كثير من دول العالم موازنات إضافية لتحقيق الأمن، وكان من أبرز مشاهدها عشرات الآلاف من رجال الأمن في شوارع باريس خلال انعقاد قمة المناخ الأخيرة.
وكانت الكلفة الأمنية (عدد أفراد الأمن ومستلزماتهم وأسلحتهم) حول العالم قد انخفضت بعد الأزمة المالية العالمية، ليستغلها «داعش» ورفاقه في بسط لونهم المفضل الأحمر (لون الدم) في ميادين الدول، وهو ما أعاد النظر مرة أخرى من الحكومات الأوروبية في موازنات البوليس المحلي. ونتج عن ذلك إنشاء صندوق بين ألمانيا وفرنسا بـ10 مليارات يورو لمواجهة هذا الخطر.
ويتصل طرف الأزمة في سوريا بنهايته ليشكل دائرة، توقع كثيرون اللف داخلها وحولها لسنوات، فالتقاتل الداخلي في المحافظات السورية ولّد أزمة اقتصادية، تسببت في تهجير الآلاف، استوعبتهم الدول المجاورة والأوروبية في البداية، لكن سرعان ما أدارت ظهرها لهم، بعد تفاقم أزمتهم الاقتصادية؛ حيث تواجه قارة أوروبا أكبر تدفق للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، حيث وصلها قرابة 900 ألف مهاجر وطالب لجوء هذا العام، إذ إن بنود موازنات الدول لا تحتوي على بند «تغطية الأزمة السورية»، أو بالأحرى فشل العالم في إيجاد حل سريع؛ قد يعفي العالم من تكاليف باهظة كان الأولى توجيهها نحو تقليل معدلات الفقر ومواجهة خطر التغير المناخي، إلا أن العالم كان له رأي آخر، بعد انتشار ظاهرة «داعش».
يحاول العالم حل جزء منبثق من الأزمة السورية، وليس جذورها، وتم تخصيص ملايين الدولارات لمواجهة «داعش» ورفاقه.
وترفض روسيا الإفصاح عن تكلفة الضربات التي تقوم بها في سوريا، حيث أكد رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف أن «هذا سر»، موضحا مطلع الشهر الماضي أن نفقات استخدام القوات المسلحة الروسية لا تتخطى نفقات موازنة وزارة الدفاع، والتي لم تطلب زيادة في الإنفاق.
لكن وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن قال إن تكلفة توسعة الضربات الجوية ضد «داعش» لتشمل سوريا ستكون «بضع عشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية.. والأموال ستأتي من الاحتياطي الخاص الذي خصصناه لمثل هذه العمليات العسكرية»، موضحا أن التكلفة الحالية للضربات الجوية ضد التنظيم في العراق ودعما للمعارضة السورية المعتدلة أعلى بقليل من 200 مليون جنيه إسترليني (301 مليون دولار) سنويا.
لكن الرقم الأكثر بروزا كان على لسان وزير الدفاع الأميركي السابق تشاك هيغل، الذي أكد العام الماضي أن تكلفة الضربات الجوية على معاقل «داعش» تكلف الولايات المتحدة «ما بين سبعة وعشرة ملايين دولار يوميا»، متوقعا آنذاك أن ترتفع الكلفة بالنسبة إلى واشنطن إلى أكثر من مليار دولار شهريا.
على الجانب الآخر من المعركة، فإن التنظيم الإرهابي، الذي يحتاج إلى تمويل مستمر يقدر بملايين الدولارات من أجل التسليح والتدريب والإعاشة، استغل ثغرات في النظام المالي العالمي وقام باختراقها، وهو الأمر الذي تنبهت له مؤخرًا مجموعات عمل في مجال مكافحة الفساد بالمملكة المتحدة، وقالت إن نظام بريطانيا «غير الملائم» لمكافحة غسل الأموال ترك البلاد عرضة لتدفق تمويلات الفساد والإرهاب، وإن هذا النظام بحاجة لتعديل جذري.
وقال تقرير لفرع منظمة الشفافية الدولية في المملكة المتحدة، إنه في كل عام تتدفق مليارات من الجنيهات الإسترلينية من الأموال القذرة عبر بريطانيا، لكن نظام تحديد هذه الأموال مفكك ولا يعول عليه، مما يجعله غير فعال. ووفقًا لنيك ماكسويل، مدير قسم الدعم والأبحاث في فرع المنظمة بالمملكة المتحدة، فإن «نظام الإشراف البريطاني الذي ينبغي أن يحمي البلاد من تمويل المجرمين والإرهابيين لا يصلح لهذا الغرض. لذلك فإننا يجب أن نتوقع بل ننتظر المزيد من العمليات الإرهابية والانتشار (الداعشي) حول العالم خلال العام المقبل». ويبدو أن الثغرة التي يخترق بها التمويل الإرهابي الاقتصاد العالمي هي التقاؤه مع الفساد، لتقنين عملية إخفاء أصول الأموال التي تأتي من الجريمة والفساد داخل أنشطة اقتصادية مشروعة في ما يسمى بـ«غسل الأموال».
وفي الإطار نفسه، ناقش مجلس الأمن الدولي في اجتماع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سبل تجفيف مصادر التمويل للتنظيم المتطرف، بدعوة الولايات المتحدة التي تتولى الرئاسة الدورية للمجلس. وقال وزير الخزانة الأميركي جاكوب لو إن «تشكيل جبهة دولية موحدة أمر جوهري لبلوغ الهدف» القاضي بعزل تنظيم داعش عن النظام المالي الدولي «وإعاقة تمويله».
مقابل الضائقة المالية للقارة الأوروبية يحقق تنظيم داعش دخلا يصل إلى 80 مليون دولار شهريًا خاصة من الضرائب ومصادرة الممتلكات، إذ يفرض التنظيم ضريبة 20 في المائة على جميع الخدمات، فضلا عن نحو 50 مليون دولار شهريًا من بيع النفط المهرب، وفقًا لدراسة حديثة أجراها معهد «آي إتش إس» لمراقبة النزاعات. وأوضح المعهد أن نحو 43 في المائة من الموارد تأتي من بيع النفط، والباقي من تهريب المخدرات ومن بيع الكهرباء والتبرعات.
وتخشى قارة أفريقيا من عودة ما بين ثلاثة آلاف وستة آلاف شاب ذهبوا للقتال في صفوف الجماعات الإرهابية بالشرق الأوسط، بحسب إسماعيل شرقي مفوض السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، الذي قال للإذاعة الجزائرية إن «احتمال عودة ما بين ثلاثة آلاف وستة آلاف شاب أفريقي ذهبوا للقتال مع الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط يشكل اليوم تهديدا حقيقيا للدول الأفريقية»، لافتًا إلى أن كل بلدان المنطقة ليست بمنأى عن العمليات الإرهابية.
وتمثل العمليات الإرهابية إرهاقًا لموازنات الدول، التي تتآكل رويدًا رويدًا، ليزداد معدل الفقر حول العالم، وتتراجع معدلات التنمية، إذ تستنزف الكثير من تلك الدول جانبا كبيرا من موازناتها في الاهتمام بتطوير أسلحتها لمحاربة هذا الإرهاب الناتج عن الأزمة السورية.



حكومة الزنداني تبدأ إعادة ترتيب مشهد القيادة الأمنية

حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تبدأ إعادة ترتيب مشهد القيادة الأمنية

حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)

بدأت الحكومة اليمنية، بقيادة رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني، تنفيذ حزمة قرارات لإعادة ترتيب البنية القيادية للأجهزة الأمنية، في خطوة تُعدّ من أبرز محطات تنظيم مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، بالتوازي مع تأكيد أميركي على استمرار دعم جهود مجلس القيادة الرئاسي، لتعزيز الاستقرار ومكافحة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية الدولية.

وفي هذا السياق، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قرارَيْن جمهوريين تضمنا تعيين العميد عبد السلام قائد عبد القوي الجمالي قائداً لقوات الأمن الخاصة مع ترقيته إلى رتبة لواء، وتعيين العميد عبد السلام عبد الرب أحمد العمري رئيساً لمصلحة الدفاع المدني مع ترقيته إلى الرتبة ذاتها.

وتأتي هذه القرارات ضمن مسار يمني لإعادة بناء الهيكل القيادي للمؤسسات الأمنية، بما يواكب متطلبات المرحلة الراهنة، ويعزّز قدرة الدولة على فرض الأمن والاستقرار في المناطق المحررة، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية المتعددة التي تواجهها البلاد.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ)

بالتوازي مع القرارات الرئاسية، أصدر وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان سلسلة قرارات قيادية داخل الأجهزة الأمنية في عدن، شملت إعادة توزيع عدد من القيادات الأمنية، في إطار خطة تستهدف رفع مستوى الكفاءة التشغيلية وتعزيز التنسيق بين الوحدات المختلفة.

وشملت القرارات إعفاء العميد جلال الربيعي من منصبه قائداً لقوات الأمن الوطني، وتكليفه قائداً لقوات الأمن الخاصة في عدن، إلى جانب تعيين العميد محمد عبده الصبيحي نائباً لمدير عام شرطة العاصمة المؤقتة ومساعداً لشؤون الأمن.

كما تضمنت التعيينات تعيين العميد جلال فضل القطيبي مساعداً لمدير عام شرطة عدن لشؤون الموارد المالية والبشرية، والعميد محمد خالد حيدرة التركي مساعداً لمدير عام الشرطة للعمليات، بالإضافة إلى تعيين العميد حسن محسن العكري مديراً لإدارة البحث الجنائي، والعقيد فؤاد محمد علي نائباً له، والعميد مياس حيدرة الجعدني مديراً لإدارة مكافحة المخدرات.

ووفق وزارة الداخلية اليمنية، تهدف هذه الإجراءات إلى إعادة تنظيم العمل الميداني، ورفع الجاهزية الأمنية، وتحسين سرعة الاستجابة للتهديدات، إلى جانب تعزيز الانضباط المؤسسي داخل الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتحسين الأداء الأمني والخدمي في العاصمة المؤقتة عدن.

شراكة يمنية - أميركية

تزامنت التحركات الحكومية مع لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي سفير الولايات المتحدة لدى اليمن ستيفن فاجن، حيث بحث الجانبان مستجدات الأوضاع المحلية، والدعم الأميركي والدولي المطلوب لتعزيز قدرات الدولة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية، بالإضافة إلى حماية المنشآت الحيوية وتأمين خطوط الملاحة الدولية التي تمثّل أولوية إقليمية ودولية في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي مستقبلاً في الرياض السفير الأميركي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، جدد العليمي تقديره للشراكة اليمنية - الأميركية، مثمناً دور واشنطن في دعم تنفيذ قرارات حظر تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الميليشيات الحوثية، والعمل على تجفيف مصادر تمويلها والحد من أنشطتها المزعزعة للاستقرار.

وأكد العليمي أهمية استثمار المرحلة الراهنة لتعزيز الردع المشترك ضد التهديدات الإقليمية، مشدداً على ضرورة الإنفاذ الصارم للعقوبات الدولية وملاحقة شبكات التمويل والتهريب والتسليح، بما يدعم جهود الحكومة في بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي اليمنية.

كما شدد على أن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثّل قضية عالمية تتطلّب تنسيقاً دولياً واسعاً، مؤكداً أن معالجة التهديدات يجب أن تستهدف جذورها الأساسية وليس الاكتفاء باحتواء آثارها.

وأشار العليمي إلى أن الحكومة تمضي في جهود تطبيع الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وتنفيذ خطط دمج القوات وتوحيد القرارَين الأمني والعسكري، بدعم من المملكة العربية السعودية التي لعبت دوراً محورياً في دعم مسار الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«المركزي اليمني» يقاوم ضغوط البنوك وشركات الصرافة

إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
TT

«المركزي اليمني» يقاوم ضغوط البنوك وشركات الصرافة

إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)

شهدت الساحة الاقتصادية والإنسانية في اليمن تطورات متزامنة عكست تبايناً واضحاً بين مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، ففي حين واصل البنك المركزي في عدن تنفيذ سياسات نقدية احترازية أسهمت في تحقيق استقرار نسبي في سعر صرف العملة المحلية، استمرت الجماعة الانقلابية في حرمان ملايين السكان من المساعدات الإنسانية، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية في مناطق سيطرتها.

وأكد البنك المركزي اليمني تمسكه بخيارات الاستقرار النقدي، رافضاً ضغوطاً مارستها بعض البنوك وشركات الصرافة لتحريك سعر العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي، في خطوة قال إنها تهدف إلى حماية المكاسب التي تحققت خلال الفترة الماضية بعد تحسن سعر الريال اليمني وانخفاض مستويات المضاربة في سوق الصرف.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي أحمد غالب بمسؤولي البنوك الإسلامية والتجارية وبنوك التمويل الأصغر، جرى استعراض التطورات الجارية في أسواق العملات الأجنبية، خصوصاً في ظل شح المعروض من العملة الوطنية مقابل ارتفاع الطلب عليها، وهو ما اعتبره البنك مؤشراً على تنامي الثقة بالسياسات النقدية المتبعة.

محافظ البنك المركزي اليمني خلال اجتماع مع مسؤولي البنوك في عدن (إعلام حكومي)

وأوضح المحافظ أن التحسُّن الذي شهدته العملة المحلية لم يكن نتيجة إجراءات مؤقتة، بل جاء انعكاساً لسياسات احترازية واقعية تراعي توازن السوق وتستهدف الحد من التقلبات الحادة التي أثَّرت سابقاً على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى استقرار الأسعار.

وناقش الاجتماع - بحسب المصادر الرسمية - الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي لمعالجة اختلالات سوق الصرف، والدور الذي يفترض أن تؤديه البنوك التجارية وشركات التمويل في إنجاح هذه السياسات، عبر الالتزام بالتعليمات المنظمة للعمل المصرفي وتعزيز الشفافية في عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية.

وأكَّد البنك المركزي استمراره في اتباع سياسات منسجمة مع آليات السوق الحرة، مع الحرص في الوقت ذاته على الوفاء بالتزاماته تجاه المواطنين والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين، مشدداً على أن الهدف الأساسي يتمثل في الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومستوى الأسعار، باعتبار ذلك أحد أهم عوامل حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار.

ونفى المحافظ الشائعات التي انتشرت في الأوساط الاقتصادية بشأن نية البنك خفض سعر الدولار بصورة مصطنعة، مؤكداً أن أي قرار نقدي لن يُتخذ إلا وفق معايير اقتصادية واضحة تحقق المصلحة العامة ولا تتعارض مع أهداف السياسة النقدية.

وتوصل المشاركون في الاجتماع، الذي عُقد بعد تراجع سعر الدولار من نحو 2500 ريال يمني إلى قرابة 1550 ريالاً، إلى ضرورة استمرار التنسيق بين البنك المركزي والمؤسسات المصرفية لضمان حماية النظام المالي ومنع عودة المضاربات التي ساهمت سابقاً في تدهور قيمة العملة.

تشديد الرقابة

ضمن جهود ضبط السوق، فرض البنك المركزي إجراءات أكثر صرامة على عمليات الاستيراد وتمويل الواردات وتداول العملات الأجنبية، في إطار خطة تهدف إلى تنظيم الطلب على النقد الأجنبي ومنع الاستخدامات غير المشروعة التي تستنزف الاحتياطي النقدي.

وشدد البنك خلال اجتماعاته مع جمعية الصرافين وكبرى شركات الصرافة على ضرورة الالتزام الكامل بالتعليمات المنظمة للعمل المالي، وتعزيز الانضباط داخل السوق المصرفية، والتصدي لأي ممارسات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار النقدي أو خلق سوق موازية غير خاضعة للرقابة.

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات ساعدت في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، كما حدَّت من عمليات المضاربة التي كانت أحد أبرز أسباب الانهيار المتسارع للعملة خلال السنوات الماضية.

جانب من اجتماع اللجنة اليمنية لتمويل الواردات (إعلام حكومي)

وفي السياق ذاته، ناقشت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، برئاسة محافظ البنك المركزي، تقارير تتعلق بمستوى تنفيذ آلية تنظيم الاستيراد في المنافذ البرية والبحرية، إلى جانب مراجعة الإجراءات المرتبطة بتمويل السلع ذات الطبيعة الخاصة.

وأقرت اللجنة عدداً من التوصيات بعد إجراء تعديلات عليها، كما أحالت قضايا أخرى إلى الفريق الاستشاري لدراستها بصورة معمقة بهدف ضمان سلاسة الإجراءات التجارية والحفاظ على انسياب سلاسل الإمداد دون تعطيل.

وأكَّدت اللجنة استمرار المتابعة الدورية لتنفيذ الآلية بما يحقق التوازن بين الرقابة على الموارد العامة وتسهيل حركة التجارة، مع ضمان توفير السلع الأساسية للمواطنين بصورة منتظمة.

أزمة إنسانية

في مقابل هذه التطورات الاقتصادية في مناطق الحكومة، تتواصل الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث يستمر تعليق أنشطة برنامج الأغذية العالمي نتيجة اقتحام مكاتب الأمم المتحدة واعتقال عشرات الموظفين العاملين في المنظمات الدولية.

وأوضح البرنامج أن جميع أنشطته في تلك المناطق لا تزال معلقة بسبب استمرار احتجاز 38 من موظفيه، إضافة إلى 35 موظفاً آخرين من وكالات أممية مختلفة، وهو ما أدى إلى توقف توزيع المساعدات الغذائية التي كانت تصل إلى ملايين المحتاجين.

الحوثيون يواصلون حرمان الملايين من المساعدات في مناطق سيطرتهم (إعلام محلي)

وفي الوقت الذي بدأ فيه البرنامج توزيع مساعدات غذائية طارئة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، شملت ست مناطق في محافظتي الحديدة وتعز مع خطط للتوسع التدريجي، بقي ملايين السكان في مناطق الحوثيين دون دعم غذائي منتظم.

وبحسب التحديث الشهري للوضع الغذائي، اضطرت المنظمة إلى تقليص عدد المستفيدين بنسبة 50 في المائة نتيجة خفض التمويل الدولي، بحيث ستصل المساعدات إلى نحو 1.7 مليون شخص فقط من أصل 3.4 مليون كانوا يعتمدون عليها سابقاً.

وتركز المساعدات حالياً على الفئات الأكثر هشاشة في 53 مديرية تعاني مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن برامجه التغذوية تعمل بمستويات منخفضة بسبب نقص التمويل واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني، رغم تمكنه خلال الشهر الماضي من تقديم مساعدات تغذوية لنحو 272 ألف طفل وامرأة حامل ومرضعة فقط.

الوكالات الأممية الإغاثية أوقفت أنشطتها في مناطق سيطرة الحوثيين جراء القيود (أ.ف.ب)

وشملت التدخلات علاج حالات سوء التغذية الحاد المتوسط لنحو 55 ألف مستفيد، إلى جانب برامج وقائية استفاد منها 136 ألف شخص، وهي أرقام يرى مختصون أنها أقل بكثير من حجم الاحتياج الفعلي في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

كما دعم البرنامج أكثر من 15 ألف شخص عبر برنامج تعزيز القدرة على الصمود وسبل المعيشة من خلال تحويلات نقدية مباشرة، إضافة إلى تقديم وجبات غذائية مدرسية لأكثر من 610 آلاف طفل في أكثر من ألف مدرسة، بينها مدارس استفادت من مشروع المطابخ الصحية.


مهلة نزع سلاح «حماس»... مشاورات تجابه الإنذارات والتفاهمات «أقرب»

نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... مشاورات تجابه الإنذارات والتفاهمات «أقرب»

نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

عادت إنذارات التلويح بنزع سلاح «حماس» بالقوة، عبر اليمين الإسرائيلي، بعدما تكررت في الآونة الأخيرة على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسط تسريبات بأن ثمة «تفاهمات» تلوح في أفق هذا الملف المعقد.

وقال عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» في غزة، غازي حمد، في تصريح مقتضب لـ«الشرق الأوسط»، إن الملف لا يزال «صعباً وبه حساسيات عديدة»، متحفظاً على توضيح الجديد بشأنه، فيما عدَّ متحدث بالحركة في تصريحات متلفزة تهديدات النزع بالقوة «استهتاراً بجهود الوسطاء».

وعن المساعي الحالية، قال مصدر فلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط»: «هناك خلاف في هذا الملف، وهناك أيضاً مفاوضات تسير، وما لم تستطع إسرائيل فعله خلال عامين من الحرب لن تستطيع فعله حالياً، والتفاهمات هي الأقرب عبر جهود الوسطاء، لكن الأولوية يجب أن تكون لوقف العدوان وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي».

وأكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك نقاشات تدور حالياً في هذا الملف تقودها مصر وتركيا وقطر ولجنة التكنوقراط، معرباً عن اعتقاده أن التفاهمات هي الأكبر على الطاولة في ظل رغبة ترمب في إنجاح مبادرته.

وجهود الوسطاء الحالية بشأن ملف نزع سلاح «حماس» تميل بحسب تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى الوصول لتفاهمات لإنجاز الاتفاق، مشيرين إلى أن الإنذارات تأتي في إطار ضغوط وحرب نفسية قبل الانتخابات الإسرائيلية هذا العام.

جرافة تحاول إزالة الماء من شارع غمرته مياه الأمطار في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

إنذار جديد

وفي مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية، مساء الاثنين، قال وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش: «نتوقع أن يوجَّه لـ(حماس) إنذار نهائي خلال الأيام المقبلة لنزع سلاحها وتجريد غزة من عتادها بالكامل، وإذا لم تمتثل سيحصل الجيش الإسرائيلي على شرعية دولية وعلى دعم أميركي لتنفيذ العملية بنفسه، وسيدخل غزة ويحتلها حتماً إذا لم يتم تفكيك (حماس)».

وفي أعقاب ذلك، قال المتحدث باسم «حماس» حازم قاسم، في تصريحات متلفزة، إن تهديدات سموتريتش باستئناف الحرب حال عدم نزع السلاح «استهتار بجهود الوسطاء وكل الأطراف، وتأكيد على أن الحكومة الإسرائيلية لا تعير وزناً لأي مسار سياسي أو اجتماعات دولية سعت لتكريس التهدئة»، داعياً الوسطاء والأطراف الدولية إلى تحمل مسؤولياتهم في تثبيت وقف إطلاق النار ومنع العودة إلى المواجهة.

وقبيل اجتماع مجلس السلام الذي عُقد في 19 فبراير (شباط)، تحدثت إسرائيل عن إمهال «حماس» 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» وقتها نقلاً عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس.

وبالتزامن مع اجتماع مجلس السلام، شدد نتنياهو على ضرورة نزع سلاح «حماس» قبل أي إعادة إعمار، فيما قال ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» إنه ينبغي على الحركة أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري.

«حرب نفسية»

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء سمير فرج، أن إسرائيل تحاول بهذا الخطاب «أن تثير حرباً نفسية قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهي مدركة أن المناقشات الحالية ستتجه لتفاهمات وليس لعودة الحرب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني حسام الدجني، أن «إسرائيل ترفع سقف المطالب إلى أعلى درجة، خصوصاً مع قرب الانتخابات الإسرائيلية لضمان تشكيل نتنياهو حكومته، وتلجأ لتضخيم ملف نزع السلاح»، مستبعداً عودة إسرائيل للحرب لأنها في رأيه «عودة لعزلها مجدداً».

ورغم الإنذارات بالنزع كان الحديث عن التفاهمات حاضراً. ففي فبراير الجاري، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

وتحدثت تقارير عبرية، الثلاثاء، عن نقاشات بشأن سلاح «حماس»، وكشفت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن نقاشات دائرة حول إعادة تنظيم ملف السلاح، بما في ذلك نقل بعض الأسلحة الثقيلة إلى أماكن تخضع لرقابة جهات وسيطة، وتسليم خرائط أنفاق.

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف إسرائيل المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا مجلس السلام إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

وفي حين يتوقع فرج أن تكون مقترحات التعامل مع السلاح حاضرة في المناقشات الحالية، خصوصاً بين تنظيم السلاح أو تجميده، يقر الدجني بأن هناك «حالة غموض واضحة» في هذا الموضوع مرتبطة بتعدد الرؤى على طاولة المفاوضات.

واتفق فرج والدجني على أن هناك «تضخيماً» لقضية سلاح «حماس»، مشيرين إلى أن معظم سلاح الحركة حالياً «سلاح خفيف».