عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستشاره المقرّب ستيفن ميلر، أحد أبرز وجوه اليمين المتشدد، مديراً لمكتب البيت الأبيض، في خطوة عدّها منتقدو الرئيس مؤشّراً إلى اعتزامه مواصلة المواجهة السياسية بعد الهزيمة التي مُني بها حزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس.
يأتي القرار في وقت يواجه فيه الجمهوريون أزمة بشأن مستقبل الحزب ودور ترمب في رسم توجهاته. فقد أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن الهزيمة الانتخابية فجّرت خلافات داخل الحزب بشأن المسار الذي ينبغي اتباعه، بين العودة إلى المحافظة التقليدية القائمة على الانضباط المالي والأمن القومي، كما جسّدها الرئيس الأسبق رونالد ريغان، ومواصلة تبنّي النهج السياسي الذي أرساه ترمب تحت شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً».

ويواجه الجمهوريون معضلة تتمثّل في أن العودة إلى نهج ريغان قد تنفّر القاعدة المحافظة المتشددة التي استقطبها ترمب، فيما قد يؤدي التمسك بسياساته إلى مزيد من النفور بين الناخبين، بحسب الوكالة. وقال أليكس لاتشام، المدير التنفيذي لصندوق قيادة مجلس الشيوخ، الذي أنفق 810 ملايين دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، في تصريحات للوكالة: «علينا أن نراجع أنفسنا. يجب أولاً أن نفهم ونعترف بصدق بأسباب الهزيمة بهذا الحجم، ثم أن نعيد تنظيم صفوفنا ونتفق على مسار للمضي قدماً».
President Trump is the most transformative political leader in American History — and he has single-handedly saved America from those who would destroy it.It has been the privilege of my lifetime to have served on his team from Day One, and I am honored beyond words to serve...
— Stephen Miller (@StephenM) November 6, 2026
وفي مؤشر إلى تمسّكه بنهج المواجهة، نشر ترمب، مساء الجمعة، على منصته «تروث سوشيال» صورة لنفسه تحمل عبارة «السيد فيتو»، في رسالة إلى الأغلبية الديمقراطية التي ستسيطر على الكونغرس اعتباراً من يناير (كانون الثاني) المقبل. أما ميلر، الذي سيتولى منصبه الجديد الاثنين، فكتب على منصة «إكس»: «المهمة أوضح من أي وقت مضى: أن نناضل بكل ما أوتينا من قوة لدعم الرئيس والدفاع عن هذه الجمهورية العظيمة».
أول تعديل كبير بعد الهزيمة
أعلن ترمب ترقية ميلر (41 عاماً) ليحل محل مديرة مكتبه الحالية سوزي وايلز (69 عاماً)، في أول تعديل كبير داخل إدارته منذ الفوز الكاسح للديمقراطيين في الانتخابات البرلمانية الثلاثاء. وقال ترمب للصحافيين عن مستشاره الجديد: «إنه مقاتل حقيقي. لقد كان معي منذ البداية (...) وهو شديد الولاء وذكي».

وأشاد الرئيس بوايلز، التي أدارت حملته الانتخابية عام 2024، قائلاً إنها «قامت بعمل ممتاز»، لكنه أوضح أنه أراد «إجراء تغيير». وتأتي مغادرتها بعدما فسّرت نتائج الانتخابات على نطاق واسع بأنها رفض لسياسات العامين الأولين من ولاية ترمب الثانية، بما فيها حملته المشددة على الهجرة، التي كان ميلر أحد أبرز مهندسيها.
ولم يستبعد الرئيس إجراء تغييرات إضافية في إدارته. ففي مقتطف من مقابلة مع شبكة «سي بي إس» يُفترض بثها الأحد، قال: «أحب حكومتي (...) لكن ربما أجري بعض التغييرات».
وعندما سُئل عن وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي تضررت مكانته بسبب دوره في الحرب غير الشعبية مع إيران، أكد ترمب استمرار ثقته به.
منصب استراتيجي
وكتبت وايلز على منصة «إكس» إن «التزامي تجاه الرئيس ومهمته لن يتغير أبداً». وكانت وايلز أول امرأة تتولى منصب مدير مكتب البيت الأبيض، كما أنها من بين آخر النساء اللواتي غادرن مناصب رفيعة في إدارة ترمب، بعدما أقال الرئيس وزيرة العدل بام بوندي، ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد.
Today is my last day as White House Chief of Staff. Serving President Trump in the White House has been the honor of a lifetime. I’m so proud to have been a part of what we’ve accomplished together from securing our border and cutting taxes to strengthening our economy and...
— Susie Wiles (@SusieWiles47) November 6, 2026
وكانت وايلز قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) تعافيها من سرطان الثدي. وحسب مصدر في البيت الأبيض، قدّمت استقالتها مساء الخميس، فيما ذكرت وسائل إعلام أميركية أن موقعها داخل الإدارة كان هشاً منذ فترة. ويُعد منصب مدير مكتب البيت الأبيض من أكثر المناصب نفوذاً في الإدارة الأميركية، إذ يتولى شاغله تنسيق العمل الحكومي والتحكم في وصول الأشخاص والمعلومات إلى الرئيس.
Very grateful to Susie for her friendship and service to the president and our country.Stephen Miller is an amazing patriot and will do great things. Congrats to him on a well deserved promotion! https://t.co/vwcPbtasrJ
— JD Vance (@JDVance) November 6, 2026
ورحّب بعض أعضاء الإدارة بتعيين ميلر، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، الذي كتب على منصة «إكس» أن «ستيفن ميلر وطني رائع، وسيقوم بأشياء عظيمة». وظهر ميلر مساء الجمعة في مقر إقامة ترمب بمنتجع مارالاغو في فلوريدا أمام حشد من أنصار الحزب الجمهوري.
وقال في مقطع مصوّر نشره الرئيس على «تروث سوشيال»: «إنه شرف حياتي أن أكون مدير مكتب الرئيس ترمب»، وأضاف متوجهاً إليه: «أقسم لك وأعدك، سيدي الرئيس، بأن أقدم لك ولائي المطلق والتزامي الراسخ وتفانيّ الكامل في نجاحك ونجاح هذا البلد».
انتقادات ديمقراطية وتحذيرات جمهورية
ويُعدّ ميلر أحد أبرز المدافعين داخل البيت الأبيض عن سياسات الهجرة المتشددة، والمتحدثين باسم التيار القومي الذي يصوّر الهجرة بوصفها تهديداً وجودياً للولايات المتحدة، انطلاقاً من رؤية للبلاد باعتبارها أمة مسيحية بيضاء، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
Your new White House Chief of Staff, @StephenM.«The mission now is more clear than ever: Fight with all of our soul to support our President and defend this magnificent Republic.» pic.twitter.com/u27NDwMCPn
— The White House (@WhiteHouse) November 6, 2026
وأثار تعيينه انتقادات حادّة من الديمقراطيين الذين اعتبروا أن الانتخابات النصفية شكّلت أيضاً رفضاً لأساليب وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية «آيس»، التي تنفّذ حملة ترحيل جماعية.
وقال حكيم جيفريز، المرشح الأبرز لرئاسة مجلس النواب المقبل، إن «ستيفن ميلر كاره خطير للأجانب ومتطرف مجنون، ويداه ملطختان بدماء أميركيين».

لكن الانتقادات لا تقتصر على المعسكر الديمقراطي، إذ تتصاعد داخل الحزب الجمهوري نفسه الدعوات إلى مراجعة علاقته بترمب ونهجه السياسي. ونقلت «أسوشييتد برس» عن حاكم فلوريدا رون ديسانتيس وصفه نتائج الانتخابات بأنها «حدث يهدد بانقراض» الحزب الجمهوري، فيما شبّهها السيناتور تيد كروز برفض شعبي بحجم فضيحة «ووترغيت»، واعتبر نائب الرئيس السابق مايك بنس أنها لحظة «حساب».
كما أعلن المعلّق المحافظ تاكر كارلسون أن الانتخابات النصفية مثّلت «نهاية حقبة ترمب»، فيما حمّل المرشح الجمهوري الخاسر في نيوهامبشير، جون سنونو، الرئيس مسؤولية نفور الناخبين من الحزب.
وفي المقابل، يرى جمهوريون آخرون أن ترمب لا يزال قادراً على توجيه النقاش داخل الحزب، خصوصاً بشأن الهجرة، رغم الهزيمة.

