أعادت مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا ملف ترسيم الحدود في شرق المتوسط إلى واجهة الخلافات الإقليمية، في ظل رفض مصري - يوناني للمصادقة، وتمسك أوروبي وإسرائيلي بموقف معارض للاتفاقية، مقابل تأكيد حكومة «الوحدة» الوطنية في طرابلس انفتاحها على التفاوض، وعدم استبعادها اللجوء إلى القضاء الدولي.
وعبّرت القاهرة، الأربعاء، عن رفضها القاطع للخطوة، التي أقدم عليها البرلمان الليبي الثلاثاء، مؤكدة أن المذكرة «باطلة بطلاناً مطلقاً، ومعدومة الأثر القانوني»، موضحة أن تصديق مجلس النواب عليها لا تترتب عليه أي آثار قانونية بالنسبة إلى مصر.

واستندت وزارة الخارجية المصرية إلى ما وصفته بمخالفة المذكرة مبادئ القانون الدولي للبحار، وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المتعلقة بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، عادّةً أنها تمس الحقوق السيادية المصرية في المنطقتين.
وجدّدت القاهرة رفضها أي إجراءات تستند إلى الاتفاقية، وتتعارض مع حدودها البحرية المعلنة، مؤكدة احتفاظها بحقها في حماية حقوقها، التي يكفلها القانون الدولي، والتصدي لأي محاولة للإخلال بها.
وجاء الموقف المصري غداة اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس، مساء الثلاثاء، بحثا خلاله تطورات الملف الليبي، والوضع في شرق المتوسط والتعاون الثلاثي مع قبرص، وفق بيان الخارجية المصرية، الذي لم يشر مباشرة إلى الاتفاقية.
وكانت اليونان قد جدّدت اعتراضها على المصادقة البرلمانية، عادّةً أن الاتفاقية تنتهك القانون الدولي للبحار، وتمس الحقوق السيادية لدول المنطقة. وقالت إن ليبيا وتركيا لا تربطهما سواحل متقابلة أو متجاورة، تبرر الترسيم الوارد فيها، مؤكدة عزمها حماية حقوقها.
وانضمت المفوضية الأوروبية إلى الاعتراض، إذ أعربت رئيستها أورسولا فون دير لاين عن أسفها لقرار البرلمان الليبي، مشدّدة على أن موقف الاتحاد الأوروبي المعلن عام 2019 لم يتغير، وأن الاتفاقية، وفقاً للموقف الأوروبي، تنتهك حقوق دول ثالثة، ولا تتوافق مع قانون البحار. وأكدت تضامن الاتحاد مع اليونان وقبرص ورفضه التدخل الخارجي في ليبيا.

بدورها، نددت إسرائيل بشدة، الأربعاء، بمصادقة مجلس النواب الليبي، على مذكرة تفاهم لتعيين الحدود البحرية مع تركيا، التي لاقت انتقادات حادة من حليفتها اليونان. وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان: «مع الأسف، نرى تركيا مجدداً تسعى إلى زعزعة استقرار منطقة شرق المتوسط».
وتعود جذور الخلاف إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، حين وقّعت حكومة «الوفاق الوطني» الليبية، برئاسة فائز السراج، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة، أثار اعتراض مصر واليونان، بصفته متعارضاً مع حقوقهما ومصالحهما البحرية.

وفي مواجهة الاعتراضات، أبقت حكومة «الوحدة» باب التسوية مفتوحاً. وقال محمد الحراري، رئيس لجنة الحدود البرية والبحرية بوزارة الخارجية في حكومة «الوحدة» الوطنية، لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن جميع الحلول السلمية مطروحة، بما فيها الاستثمار المشترك، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية إذا تعذر التوصل إلى تسوية تفاوضية.
وأوضح الحراري أن ليبيا مستعدة للتفاوض مع الدول المعنية بشأن حدودها البحرية، مشيراً إلى أن بلاده أعلنت مجالاتها البحرية لدى الأمم المتحدة بالإحداثيات والخرائط، وفق الإجراءات المعتمدة، وأنها منفتحة على خيارات متعددة تحفظ حقوقها وسيادتها.
وفي رده على الاعتراض اليوناني، أرجع المسؤول الليبي الخلاف إلى تباين وجهات النظر بشأن تأثير الجزر في ترسيم الحدود البحرية؛ إذ تمنح أثينا الجزر تأثيراً كاملاً، بينما تستند ليبيا، حسب قوله، إلى تفسيرات وسوابق قضائية دولية مختلفة.

واستشهد الحراري بقضيتي ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا ومالطا وليبيا وتونس، قائلاً إن الاجتهادات القضائية الدولية لا تمنح الجزر تأثيراً موحداً في جميع النزاعات، بل تراعي الظروف الجغرافية لكل حالة. وأوضح أن الطبيعة شبه المغلقة للبحر المتوسط، وتعدد الدول المتشاطئة، وضيق المساحات المتاحة للترسيم تجعل هذه الظروف عاملاً مهماً في معالجة المطالبات المتعارضة.
وكشف الحراري عن إجراء جلسات مع الجانب اليوناني، وإرسال مذكرات إلى إيطاليا لدعوتها إلى التفاوض، فيما لا تزال طرابلس تنتظر رد القاهرة، مؤكداً استعدادها لمواصلة الاتصالات مع الدول المعنية، من دون المساس بسيادة ليبيا.
وفي دفاعه عن الاتفاقية مع تركيا، قال المسؤول الليبي إنها منحت بلاده مساحات بحرية واسعة، ولم تنتقص، حسب تقديره، من حقوق الدول الأخرى، بل أتاحت لليبيا مساحات أوسع مما أتاحته الاتفاقية البحرية المصرية - اليونانية لمصر. وأشار إلى تصريحات مصرية سابقة، قال إنها لم تعد الاتفاقية الليبية التركية مساساً بالمصالح المصرية، قبل أن يلفت إلى ما وصفه بالتباس الموقف المصري لاحقاً.
وبالتوازي مع المسار التفاوضي، برزت دعوات ليبية إلى الاحتكام للقضاء الدولي، إذ قال أستاذ القانون الليبي، راقي المسماري، في منشور عبر «فيسبوك»، الثلاثاء، إن المواجهة القضائية احتمال قائم، عادّاً أن خوضها لا يضر بليبيا، وأن نجاح الموقف التركي قانونياً قد يمنحها مساحات بحرية أكبر.
ورأى المسماري أن خسارة تركيا نزاعاً قانونياً أمام اليونان لن تعني بالضرورة تراجع المساحة البحرية السيادية الليبية، في تقدير يعكس اعتقاده بأن نتائج التقاضي قد تختلف آثارها على المصالح الليبية عن آثارها على أنقرة.
من جهته، قال إبراهيم الدباشي، المندوب الليبي السابق لدى الأمم المتحدة، إن من حق بلاده الدفاع عن حقوقها، وأوضح أن القضاء الدولي يمثل ساحة مناسبة لحفظ الحقوق وتسوية المنازعات، مؤكداً ترحيب ليبيا بأي مبادرة من الدول المعنية في هذا الاتجاه.
وفي الداخل الليبي، اتسع التأييد للمصادقة البرلمانية، مع انضمام المجلس الأعلى للدولة إلى الجهات المرحبة بها، بعدما أُقرت بالإجماع في مجلس النواب. وشملت المواقف المؤيدة صدام حفتر، والحكومة الموازية برئاسة أسامة حماد، ووزارة الخارجية بحكومة «الوحدة»، وعضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، إلى جانب المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان.
وألغى مجلس النواب، بالتزامن مع المصادقة، قرارين صادرين عام 2020 رفض بموجبهما الاتفاقية، وقرر قطع العلاقات السياسية مع أنقرة، في خطوة أضفت على التحرك الأخير أبعاداً سياسية، تتجاوز الخلاف القانوني بشأن ترسيم الحدود البحرية.




