«النواب» الليبي يوافق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا

خلال زيارة قالن إلى طرابلس ولقائه رئيس حكومة «الوحدة»

من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)
من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)
TT

«النواب» الليبي يوافق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا

من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)
من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)

طوى مجلس النواب في ليبيا رسمياً صفحة المقاطعة مع تركيا، بعد أن صوت بالموافقة، الثلاثاء، على اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية، والتعاون الأمني بين البلدين، في جلسة تزامنت مع قدوم رئيس جهاز الاستخبارات التركية، إبراهيم قالن، إلى العاصمة طرابلس.

وسبق أن وقّعت طرابلس، ممثلة في فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني» السابق، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا.

الدبيبة رئيس «الوحدة» الليبية مستقبلاً قالن رئيس الاستخبارات التركية في طرابلس (منصة «حكومتنا»)

وقال عبد الله بليحق، المتحدث باسم مجلس النواب، الثلاثاء، إن المجلس «صوت بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم، الموقعة بين (الوفاق الوطني) والحكومة التركية حول تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط»، وأوضح أنه «تم التصويت بالإجماع أيضاً على إلغاء قراري المجلس رقم (1) لسنة 2020 بشأن رفض المصادقة على مذكرتي التفاهم، المبرمتين بين (الوفاق الوطني) وتركيا، وقرار المجلس رقم (6) لسنة 2020 بشأن قطع العلاقات السياسية مع أنقرة».

وعارضت مصر استمرار اتفاقية الحدود البحرية بين تركيا وحكومة «الوفاق» السابقة، واعتبرتها في حينها «باطلة، ولا تترتب عليها آثار قانونية لتعديها على حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر، وانتهاكها لقانون البحار الدولي».

كما سبق لليونان أيضاً أن رفضت الاتفاقية، ووصفتها بأنها «أمر مناف للعقل من الناحية الجغرافية لأنه يتجاهل وجود جزيرة كريت اليونانية بين الساحلين التركي والليبي»، كما استدعت الخارجية اليونانية، آنذاك، السفير التركي لديها وأدانت الاتفاقية، وأبلغته بأن «هذا الإجراء انتهاك واضح لقانون البحار الدولي، ولا يتماشى مع مبدأ حسن الجوار الذي يحكم العلاقات بين الدول».

وسبق لمجلس النواب الليبي أن قطع في 9 يناير (كانون الثاني) 2020 العلاقات السياسية مع تركيا، وقرر سحب البعثات الدبلوماسية الليبية الموجودة بأراضيها.وجاءت موافقة مجلس النواب على الاتفاقية الليبية - التركية، عقب إقالة رئيسه عقيلة صالح وانتخاب الصالحين عبد النبي، فيما لم يصدر أي تعليق رسمي مصري على ذلك.

وعَدّ السفير الليبي السابق في أوكرانيا، عادل عيسى، موافقة البرلمان على الاتفاقية «أمراً قد يتجاوز مجرد مراجعة موقف سياسي سابق، ليشكل مؤشراً على تحول محتمل في حسابات القوى الفاعلة داخل المشهد الليبي».

ويعتقد عيسى في إدراج له الثلاثاء، على صفحته عبر «فيسبوك»، أن هذه الخطوة «قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب التفاهمات السياسية، وتوسيع قنوات التواصل مع أنقرة، بما قد ينعكس على مسار التوافق بشأن السلطة التنفيذية الجديدة»، وذهب إلى أن «تركيا ليست مجرد طرف خارجي في المعادلة الليبية، بل تمتلك حضوراً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، يجعل موقفها عاملاً مؤثراً في حسابات عدد من الأطراف».

وانتهى عيسى متسائلاً: «هل نحن أمام مجرد مراجعة لموقف سابق، أم أمام إعادة تموضع سياسي، قد يسبق مرحلة جديدة من التفاهمات وتشكيل حكومة جديدة في ليبيا؟».

إبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي بـ«الوحدة» الليبية مستقبلاً قالن في طرابلس (منصة «حكومتنا»)

وبحضور مستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة، ووزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي بحكومة «الوحدة»، التقى رئيسها عبد الحميد الدبيبة قالن في طرابلس، وتناول معه مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار ودعم المسار السياسي.

ونقلت منصة «حكومتنا»، التابعة لـ«الوحدة»، أن محادثات الدبيبة وقالن تناولت ملف الهجرة غير النظامية، وسبل تعزيز التنسيق والتعاون في إطار الطاولة الرباعية، التي تجمع ليبيا وتركيا وإيطاليا وقطر، «بما يسهم في تطوير الجهود المشتركة لمواجهة تحديات الهجرة، ومعالجة أسبابها، والحد من تداعياتها».

وبحسب المنصة الحكومية، لم يتطرق الاجتماع إلى موافقة البرلمان على اتفاقية ترسيم الحدود، لكنه أكد «أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين البلدين بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون الثنائي، بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم الأمن والاستقرار في ليبيا والمنطقة».

وترسم الاتفاقية خطاً بحرياً يصل بين السواحل الجنوبية لتركيا والسواحل الشرقية لليبيا، وتعمل على تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، بما يشمل الجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة لكل من البلدين.

وفي أغسطس (آب) 2020، تُوجت المفاوضات المصرية - اليونانية بتوقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية، وتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة. وبينما أكد وزير الخارجية المصري السابق، سامح شكري، أن الاتفاق «يمهد الطريق لاستثمار الموارد الهيدروكربونية الواعدة»، أبدت تركيا رفضاً صريحاً لهذه الخطوة.


مقالات ذات صلة

15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

شمال افريقيا الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)

15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

في وقت تحل فيه الذكرى الخامسة عشرة لمقتل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، يعيش أنصاره رحلة بحث شاقة عن «وريث» سياسي يملأ الفراغ الذي خلّفه غياب سيف الإسلام.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الحراك الصحي يغلق النقابة العامة للأطباء في طرابلس يوم 19 أكتوبر (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

إضرابات قطاع الصحة تفاقم مشكلات «الوحدة» الليبية

شهدت ليبيا تصاعداً في الحراك الميداني مع تواصل إضراب الأطقم الطبية، والمعلمين، ما يضع السلطات أمام تحدي معالجة أزمة المرتبات، وتدهور ظروف العمل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عبد الحميد الدبيبة رئيس «الوحدة» وناجي عيسي محافظ مصرف ليبيا المركزي - 23 أغسطس الماضي (مكتب الدبيبة)

تجدد الجدل في ليبيا حول ملف دعم الوقود

تجدد الجدل في ليبيا بشأن أزمة المحروقات ودعم الوقود، بعد كشف أرقام أممية جديدة أظهرت حجم النزيف المالي الناتج عن التهريب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عدد من مصابي الانفجار يتلقون العلاج في مركز الزاوية الطبي 19 أكتوبر (جهاز الهلال الأحمر فرع صبراتة)

انفجار بمعسكر في الزاوية الليبية يثير مخاوف بشأن سلامة التدريبات

في ظل الانقسام الأمني وتعدد التشكيلات المسلحة يطرح حادث معسكر الزاوية الدامي مخاوف جدية حول آليات تخزين الذخائر وضوابط التدريب الميداني.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي وصالح وتكالة في الجامعة العربية بحضور أبو الغيط في مارس 2024 (أ.ب)

تأجيل اجتماع قادة المؤسسات الرئيسية الليبية

أرجأ «المجلس الرئاسي» الليبي اجتماعاً كان مقرراً أن يجمع قيادات المؤسسات الرئيسية في طرابلس، وسط خلافات بشأن تمثيل مجلس النواب ومرجعية «الهيئة العليا للرئاسات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
TT

«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

تترقب الأسواق في مصر ما ستؤول إليه أسعار الجنيه أمام الدولار عقب تراجع العملة المحلية بنحو 2 في المائة خلال أسبوع، لتسجل أدنى مستوى معدّل لها في غضون 5 شهور، وتقترب من «قفزة قياسية» بلغت 55 جنيهاً مقابل الدولار الواحد، وسط مخاوف عبّر عنها اقتصاديون من تأثيرات كبيرة جراء الاضطرابات والصراعات المستمرة في المنطقة.

وسجل سعر الدولار في مصر مقابل الجنيه ارتفاعاً جديداً، الثلاثاء، إذ وصل إلى 54 جنيهاً و50 قرشاً في بعض البنوك، وذلك في ظل ارتفاع سعر الدولار عالمياً، وتخارج الأموال الساخنة من أدوات الدين المصرية. وقد انعكس ذلك مباشرة على حركة الأسعار في الأسواق، إذ ارتفعت سلع رئيسية مثل الزيت والمعكرونة والأرز، والفول والدقيق والبيض واللحوم والدواجن، وفق بيانات «بوابة أسعار السلع المحلية والعالمية»، التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، الثلاثاء.

وتأتي هزات الجنيه أمام الدولار وانعكاسه على الأسواق، بالرغم من ارتفاع صافي الاحتياطات الأجنبية لتسجل مستوى قياسياً جديداً عند 57.35 مليار دولار خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال أول 8 أشهر من العام الحالي، لتسجل تدفقات قياسية بلغت نحو 33.9 مليار دولار.

في هذا السياق، يرى رئيس شعبة المحمول والاتصالات بالغرفة التجارية في القاهرة، محمد طلعت، أن هناك عوامل عديدة تساهم في ارتفاع أسعار الهواتف المحمولة مثلاً، بينها ارتفاع أسعار الدولار مقابل الجنيه، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار مكونات الهواتف التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتي تشهد طفرة عالمية في الأسعار، وغيرها من عناصر الإنتاج، وهو ما يقود للإعلان عن قوائم جديدة لأسعار الهواتف كل أسبوعين تقريباً.

وقال طلعت لـ«الشرق الأوسط»، إن شركات المحمول «ما زالت تعتمد على أسعار قديمة للجنيه أمام الدولار، والآن تبدأ الشركات في إعادة تسعير الهواتف وفقاً للأسعار الجديدة المُعلنة من جانب البنوك المصرية»، لافتاً إلى أن الهواتف المصنّعة في مصر «سوف تشهد ارتفاعات أيضاً جراء الاعتماد على مدخلات إنتاج مستوردة من الخارج».

وتوقع طلعت أن تشهد الأجهزة الكهربائية ارتفاعات مماثلة، في حال استمرار تراجع الجنيه، لكنه أشار إلى أنها حتى الآن لم تشهد زيادات كبيرة بخلاف الهواتف المحمولة.

البنك المركزي المصري (الصفحة الرسمية)

وقبل أيام كشف رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الغرف التجارية، جورج زكريا، في تصريحات لصحف محلية، عن تراجع حاد في مبيعات الأجهزة الكهربائية بالسوق المصرية، تجاوز 60 في المائة منذ النصف الثاني من أغسطس (آب) الماضي، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار، وازدياد الأعباء المعيشية، أثرا بشكل ملحوظ على حركة الشراء، وأديا إلى حالة من الركود داخل القطاع.

كما أعلنت رابطة «تجار السيارات في مصر» عن ارتفاع طال أيضاً السيارات، بنسبة تتراوح ما بين 5 في المائة إلى 10 في المائة منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نتيجة تحركات سعر الدولار وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وذلك بالتزامن مع عودة ظاهرة «الأوفر برايس» لقطاع واسع من العلامات التجارية.

وترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة سمر عادل، أن الأسواق في مصر والعالم تعاني حالة من الاضطراب، نتيجة الصراعات المتزايدة وأزمات مرور سلاسل الإمداد في البحر الأحمر، مشيرة إلى ما أن تعانيه الأسواق في مصر الآن بدأت تداعياته منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية قبل أربع سنوات، مشيرة إلى أن استمرار التوترات سيقود لمزيد من تراجع الجنيه أمام الدولار، وبالتالي مزيد من الارتفاعات في الأسعار جراء ارتفاع تكاليف الإنتاج المستوردة من الخارج.

وأوضحت سمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الرقابة الداخلية من جانب الحكومة على الأسواق تكتسب أهمية كبيرة في هذا التوقيت، نتيجة اتجاه التجار لرفع الأسعار، مع ضرورة التحكم في الزيادات بما لا يضاعف الأعباء على المواطنين، إلى جانب تبني خطط ترويجية للسياحة لجذب العملة الصعبة، بما يلبي الاحتياجات المحلية.

وتوقع تقرير أعدته وكالة «رويترز» تسارع وتيرة تضخم أسعار الغذاء عالمياً خلال الأشهر المقبلة، واستمرار الضغوط حتى عام 2027، في ظل اضطرابات حركة الشحن المرتبطة بالحرب، وارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة، ومخاوف تراجع الإنتاج الزراعي بفعل ظاهرة «إل نينيو» المناخية.

مخاوف في مصر من ارتفاعات جديدة في الأسعار مع تراجع الجنيه أمام الدولار (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه التقارير والتوقعات بعد أن أنعش قرار الحكومة المصرية تثبيت أسعار الوقود، الأسبوع الماضي، آمال المواطنين في تهدئة الأسواق، إذ قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها، الخميس الماضي، لمراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي.

وتواصل الحكومة ضخ كميات من السلع الأساسية بأسعار مخفّضة، عبر المنافذ الرسمية، ضمن مبادرة انطلقت في سبتمبر الماضي، وتستمر حتى مارس (آذار) 2027، بحسب بيان لوزارة التموين.

في المقابل ترى الخبيرة المصرفية، سهر الدماطي، «أن تراجع الجنيه أمام الدولار ليس بالكبير، ولن تكون له تأثيرات كبيرة على الأسواق»، مشيرة إلى أن المشكلات الجيوسياسية في مناطق عديدة حول العالم تترك تأثيرها على كثير من الدول، بما فيها مصر، خصوصاً مع التوترات الحالية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وأوضحت الدماطي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة عدم اليقين بشأن تهدئة الصراعات في المنطقة، وانعكاس ذلك على أسعار النفط عالمياً، «تجعل هناك تأثيرات على العملة المحلية في مصر، ومن الصعب التنبؤ بمستقبل الجنيه أمام الدولار».

ومؤخراً عدّل صندوق النقد الدولي توقعاته لمتوسط سعر الدولار أمام الجنيه المصري بالزيادة خلال الأعوام المالية اللاحقة، ليبلغ 55.96 جنيه في 2027 - 2028، و57.02 جنيه في 2028 - 2029، و57.76 جنيه في 2029 - 2030، و58.51 جنيه في 2030 - 2031.


15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
TT

15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)

تحل اليوم الذكرى الخامسة عشرة لمقتل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بينما لا يزال أنصار نظامه يبحثون عن شخصية تحمل إرثه السياسي، بعد اغتيال نجله سيف الإسلام في الزنتان في فبراير (شباط) الماضي، منهياً آمالاً عُلّقت عليه منذ ترشحه للانتخابات الرئاسية التي تعثرت أواخر عام 2021.

في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وقع القذافي في قبضة مقاتلين معارضين بمدينة مصراتة، قبل أن يُقتل في ظروف رافقت نهاية نظام استمر أكثر من 4 عقود، وخلّف سقوطه فراغاً سياسياً وسط أنصار نظامه السابق، الذين رأوا في سيف الإسلام أبرز ممثلي هذا التيار.

صورة التُقطت لسيف الإسلام القذافي في 19 نوفمبر 2011 (رويترز)

وتعززت هذه الرهانات مع إعلان سيف الإسلام ترشحه للرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، لكن اغتياله أعاد فتح سؤال الخلافة داخل التيار، من دون أن تتبلور في الأفق شخصية تحظى بإجماع أنصاره.

ويعيش أنصار النظام رحلة بحث عن وريث سياسي، وفق المحلل السياسي حسام فنيش في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، خصوصاً مع تداول أسماء أبنائه عائشة والساعدي ومحمد، بينما تبدو حظوظ هانيبال الأقل، بعد مقتل شقيقيهما خميس وسيف العرب خلال انتفاضة 2011».

برز التطور الأهم في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع ظهور اسم عائشة القذافي، في حملات لأنصار النظام السابق على منصات التواصل، سعياً إلى تقديمها كوجه محتمل للمرحلة المقبلة. واستند مروّجون لهذا الطرح إلى استطلاع إلكتروني مفتوح، أظهرت نتائجه المتداولة تقدمها بفارق تجاوز 30 ألف صوت عن أقرب منافسيها، من دون معلومات موثقة عن حجم العينة أو تمثيلها للرأي العام.

محمد القذافي نجل الزعيم الليبي الراحل (صفحته الشخصية على «فيسبوك»)

وأيّد عقيلة دلهوم، رئيس فريق الإعلام وحقوق الإنسان باللجنة الوطنية للحقيقة في قضية مقتل سيف الإسلام، طرح اسمها، معتبراً أن الاستطلاع يعكس رمزية عائلة القذافي لدى شريحة من الليبيين، واستياءً من الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية.

وتقيم عائشة في سلطنة عُمان رفقة شقيقها محمد، بعيدة عن النشاط السياسي العلني بعد أن اتجهت إلى الفن التشكيلي، وعرضت أعمالاً تستحضر والدها وشقيقها المعتصم في متحف الدولة للفن الشرقي بموسكو عام 2024، قبل إقامة معرض في مسقط خلال العام الحالي.

لكن اثنين من أبرز رموز النظام السابق تحفّظا عن التعليق على دعوات ترشحها، وقال أحدهما لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن الانتخابات الرئاسية لا يزال مبكراً، متسائلاً: «أين انتخابات الرئاسة حتى الآن في ظل تعثر العملية السياسية في ليبيا؟».

واستبعد اللواء ميلاد حسين الفقهي، المتحدث السابق ومدير التوجيه العام السابق في الجيش الليبي، اعتبار الحملات قراراً جماعياً داخل التيار. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدعوات لا تزال مجرد تحركات فردية لبعض الأنصار، ولم تستقر على خيار يحظى بإجماعهم، مضيفاً أن عائشة «مواطنة ليبية لها حق الترشح مثل غيرها، وتحديد ممثل أنصار النظام السابق يبدأ بقرار العائلة، ثم التشاور داخل أوساط التيار، قبل أن يكون الفصل للناخبين».

عائشة القذافي أمام إحدى لوحاتها بمعرضها الفني السابق بسلطنة عمان (حسابات موالية لأسرة القذافي)

ولم يقتصر تداول الأسماء على عائشة؛ إذ ظهرت دعوات عبر صفحات لأنصار النظام السابق لتقديم الساعدي القذافي، المقيم في تركيا، خياراً محتملاً، غير أن الساعدي أعلن في منشور، عبر منصة «إكس» في يونيو (حزيران) الماضي، عدم رغبته في ممارسة العمل السياسي أو المشاركة في الانتخابات، أو دعم أي طرف، وقال إنه يكتفي بحياة عادية يتابع فيها طلب العلم، متمنياً التوفيق لمن يختاره الليبيون لقيادة البلاد.

وأُفرج عن الساعدي من سجون طرابلس عام 2021، بعد احتجازه منذ تسليمه من النيجر في مارس (آذار) 2014، على خلفية اتهامات تتعلق بقمع الانتفاضة.

أما محمد القذافي، الابن الأكبر لمعمر القذافي من زوجته الأولى، فتحية نوري خالد، فقد عاد إلى الظهور عبر منصات التواصل بعد مقتل شقيقه، مطالباً بكشف نتائج التحقيقات في الجريمة. وتحدث، الشهر الماضي، عن معلومات بشأن خلية تخريبية، ضُبطت في طرابلس واحتمال ارتباطها بالاغتيال، داعياً المنظمات الدولية المختصة إلى التحقيق، وكشف الملابسات.

وروجت صفحات محسوبة على النظام السابق لمحمد بوصفه شخصية محتملة للمرحلة المقبلة، ووصفته صفحة «القذافي يتكلم» بأنه رجل مرحلة يبحث فيها الليبيون عن دولة قوية ومستقلة، بينما أعلن المدون أحمد فراج تأييده له مستقبلاً.

لكن الناشطة رانيا القذافي وصفت الحديث عن تقدمه إلى الواجهة السياسية بأنه مجرد شائعات، مؤكدة أنه لا يرغب في خوض الانتخابات أو تولي منصب، وأن اهتمامه ينحصر في تمني عودة الأمن والاستقرار، ولمّ الشمل.

وكان محمد، المولود عام 1970، قد تولى رئاسة اللجنة الأولمبية الليبية، كما ترأس مجلس إدارة الشركة العامة للبريد والاتصالات السلكية واللاسلكية.

الساعدي القذافي (صفحة شقيقه محمد عبر «فيسبوك»)

بعيداً عن ليبيا، وفي لبنان تحديداً، لا يزال هانيبال القذافي يمثل أحد فصول تركة العائلة تعقيداً، ويبدو حتى الآن خارج الحسابات، وفق فنيش، بعدما أمضى نحو 10 سنوات محتجزاً على خلفية قضية اختفاء رجل الدين والسياسي اللبناني، موسى الصدر ورفيقيه عام 1978، قبل الإفراج عنه.

هانيبال القذافي (رويترز)

وبين هذه الترشيحات، يرى بعض أنصار النظام السابق أن القذافي لم يترك تركة سياسية بالمعنى التقليدي، بل مجموعة من القيم والمبادئ الوطنية والقومية. ويعبّر الكاتب والباحث الليبي الموالي للنظام السابق، مصطفى الفيتوري عن هذه الرؤية بقوله لـ«الشرق الأوسط» إن «كل من يؤمن بتلك المبادئ يستطيع أن يكون وريثاً له، بما يتجاوز عائلته وأبناءه».


عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز).
صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز).
TT

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز).
صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز).

قُتل عشرات المدنيين وأُصيب آخرون في هجوم بطائرة مسيَّرة استهدف سوقاً رئيسية في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، وسط تضارب في حصيلة الضحايا؛ ما دفع حكومة جنوب السودان إلى استدعاء السفير السوداني لدى جوبا للاحتجاج على الهجوم.

وتزامن ذلك مع تصاعد حرب المسيَّرات في عدد من الولايات السودانية، واستهداف منشآت كهربائية ومناطق سكنية في الخرطوم وكردفان، في حين أعلن الجيش السوداني صد هجوم جديد لـ«قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال» في إقليم النيل الأزرق.

وقالت سلطات منطقة أبيي إن الهجوم الذي وقع الاثنين استهدف سوق أميت، المعروفة في السودان باسم «سوق النعام»، وأسفر عن مقتل 53 شخصاً وإصابة 27 آخرين، وفق حصيلة أولية. لكن وزير الإعلام المكلف في أبيي، يوهانا أكول نغور، أبلغ وكالة «رويترز»، الثلاثاء، بأن عدد القتلى ارتفع إلى نحو 73 شخصاً، فضلاً عن إصابة 19 آخرين، مشيراً إلى أن الحرائق أعاقت انتشال الجثث.

صورتان بالأقمار الاصطناعية تُظهران سوق «أميت» في أبيي قبل الهجوم مارس 2025 (أعلى)، وبعده يوم الإثنين (رويترز).

واتهم المسؤول المحلي الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، في حين لم يعلق الجيش على هذه الاتهامات حتى كتابة هذا التقرير.

ونقلت «رويترز» عن مصدر دبلوماسي وعامل إغاثة أن الضربة أصابت مستودعاً للوقود داخل السوق، قالا إن «قوات الدعم السريع» سبق أن استخدمته لإمداد قواتها. وأفادت منظمة «أطباء بلا حدود» باستقبال أكثر من عشرين مصاباً في مستشفى قريب، بينهم حالات حرجة ومصابون بحروق.

احتجاج دبلوماسي

وأعلنت وزارة خارجية جنوب السودان استدعاء السفير السوداني لدى جوبا، عصام محمد كرار، لإبلاغه احتجاج الحكومة وقلقها البالغ إزاء الهجوم وتداعياته على سلامة المدنيين واستقرار أبيي.

وقالت الوزارة إن القصف أصاب مواقع متعددة داخل السوق، وأوقع خسائر بشرية وأضراراً واسعة بالممتلكات، مطالبة الخرطوم بمنع تكرار مثل هذه الهجمات ومعالجة القضايا المتعلقة بالمنطقة عبر القنوات الدبلوماسية.

وحذَّرت إدارة أبيي من أن الهجوم دمَّر أجزاء واسعة من البنية التحتية للسوق، وأدى إلى نزوح ناجين نحو مدينة أبيي؛ ما فاقم الضغوط على الخدمات الإنسانية.

كوادر طبية تعالج مصابين بمستشفى «أميت بيك» عقب قصف سوق في أبيي 19 أكتوبر الحالي (رويترز)

وتكتسب سوق النعام أهمية اقتصادية واستراتيجية، بعدما تحولت منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل (نيسان) 2023 مركزاً رئيسياً لتجارة الوقود والمواد الغذائية والأدوية ومواد البناء القادمة من جنوب السودان إلى مناطق كردفان ودارفور.

وتظل أبيي من أبرز الملفات الحدودية العالقة بين البلدين منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، وتخضع لترتيبات أمنية خاصة تنتشر بموجبها قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا).

معارك النيل الأزرق

وفي تطور ميداني منفصل، أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، إحباط هجوم شنته «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال»، بقيادة عبد العزيز الحلو، على منطقة سالي الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، قرب الحدود الإثيوبية.

وقالت قيادة الفرقة الرابعة مشاة إن قواتها استولت على 15 مركبة قتالية ودمرت خمساً أخرى، وأوقعت خسائر بشرية في صفوف المهاجمين، من دون تحديد عددها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من نتائج المعركة. وجاء الهجوم بعد يوم من إعلان الجيش صد محاولة تقدم للقوات المتحالفة نفسها باتجاه منطقة «البركة»، في مؤشر إلى تجدد المعارك البرية بالإقليم بعد فترة من الهدوء النسبي.

وتقع سالي بمحلية الكرمك، على مسافة نحو 27 كيلومتراً من مدينة الكرمك، وتضم حامية عسكرية تشكل، إلى جانب منطقة دندرو، جزءاً من خطوط الدفاع عن الدمازين، عاصمة الإقليم. كما تكتسب أهمية اقتصادية لوجود أنشطة تعدين الذهب في محيطها.

استهداف الكهرباء والخرطوم

وفي ولاية النيل الأبيض، أفادت مصادر حكومية محلية بأن طائرة مسيّرة منسوبة إلى «الدعم السريع» استهدفت، صباح الثلاثاء، محطة كهرباء تندلتي التحويلية بصاروخين؛ ما أدى إلى اندلاع حريق وخروج المحطة عن الخدمة، وانقطاع التيار الكهربائي عن تندلتي ومدن أم روابة والرهد والأبيض في شمال كردفان، من دون الإبلاغ عن خسائر بشرية.

وفي الخرطوم، تصدت الدفاعات الأرضية للجيش، الاثنين، لموجات من المسيّرات الانتحارية استهدفت مناطق شرقي العاصمة ومحيط مطار الخرطوم الدولي. وأعلنت «هيئة محامو الطوارئ» مقتل ثلاثة أطفال إثر سقوط مسيّرة على منزل بحي امتداد ناصر، وحمّلت «الدعم السريع» مسؤولية الهجوم. وفي المقابل، أكد مدير مطار الخرطوم عدم تعرض منشآته لأضرار، واستمرار الرحلات المجدولة.

وامتدت الغارات خلال الأيام الماضية إلى مدينة نيالا بجنوب دارفور، الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع»، وبلدات في غرب كردفان، بينها المجلد والدبب، وسط اتهامات للجيش بتنفيذ ضربات أوقعت ضحايا مدنيين.

كما تداولت منصات موالية للجيش أنباء عن استهداف سجن في مدينة الضعين بشرق دارفور وفرار سجناء منه، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه الرواية.

ويعكس اتساع نطاق الضربات الجوية والهجمات بالمسيَّرات انتقال التصعيد إلى الأسواق والمنشآت الحيوية والمناطق السكنية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من امتداد تداعيات الحرب إلى المناطق الحدودية والعلاقات بين السودان وجنوب السودان.