عام 2007، رحل المايسترو رفيق حبيقة بعد عزلة طوعية، مبتعداً عن الساحة الفنية سنوات طويلة. ترك آلة الكمان وأمسك بريشة الرسم، ليمضي أيامه الأخيرة بين لوحات استوحاها من طبيعة لبنان. وفي محلّه الصغير في منطقة الأشرفية، كان يجلس على كرسيه مستقبلاً هواة الفنّ التشكيلي وبعض الفضوليين، في مشهد يعكس تحوّلاً لافتاً في مسيرته من الموسيقى إلى الرسم.
كان سكان الأشرفية يحبّون إلقاء التحية على المايسترو الذي رافق أهم نجوم عصره، من خلال برنامجَي «استوديو الفن» و«ليالي لبنان». بقامته المربوعة وشَعره الأبيض الكثيف ونظارته القاتمة، كان يرسم ابتسامة عريضة على وجهه تعبيراً عن امتنانه لسؤال البعض عنه. ألقابه كثيرة؛ «المعلّم»، كما كان يسمّيه الراحل عاصي الرحباني، و«أفضل نوتتجي» (خبير في التدوين الموسيقي)، برأي الراحل وديع الصافي، وكذلك «المايسترو»، إذ قاد فرقاً موسيقية في حفلات وبرامج تلفزيونية. أما لقب «النقيب»، فرافقه حتى وفاته، لكونه شغل منصب «نقيب الفنانين» طوال 17 عاماً. وكان اللقب الأحبّ إلى قلبه كان، بكل بساطة، «العازف»، مبرّراً ذلك بأن كلمة «المايسترو» لا تصلح إلا لمن قاد أوركسترا مؤلفة من 50 عازفاً وما فوق.
وفي الذكرى الـ19 لرحيله، تقول ابنته جومانا حبيقة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنّ والدها عاش مقهوراً ومات كذلك أيضاً، والمهرجانات التكريمية التي يشهدها لبنان سنوياً لم تأتِ على ذكره أو تكرّمه يوماً. وتتابع: «حاولت الاتصال بأكثر من جهة مسؤولة عن هذه الجوائز والمهرجانات، ولكن أحداً لم يهتم بطلبي». وتضيف: «والدي ليس شخصية فنية عادية، بل أضعه في مصاف عمالقة الفنّ اللبناني. لا أعلم لماذا يتجاهلونه ويغضّون الطرف عن تكريمه. ولكنني متأكدة بأنّ جيل الزمن الجميل يدرك تماماً مكانة رفيق حبيقة على الساحة اللبنانية».

تؤكد جومانا حبيقة أن والدها كان من أوائل الذين أتقنوا التوزيع الموسيقي وأدخلوه على اللحن. تقول: «كان يجيد العزف على آلات عدة، أهمها الكمان، إضافة إلى الأرغن والطبلة والعود وغيرها. وكان يردّد دائماً أن من يمتهن التوزيع عليه أن يكون ملمّاً بالعزف ليجيد كتابة النوتات اللازمة. وكان الفنانون، من لبنانيين وعرب وخليجيين ومصريين، يقصدونه كي يوزّع لهم أغنياتهم. فكان السبّاق في اعتماد التوزيع الموسيقي في الأعمال الغنائية».
وتشير إلى أن العزلة الطوعية التي فرضها على نفسه لـ8 سنوات قبل وفاته كانت تعبّر عن استيائه من الساحة. وتقول: «لقد كان الجندي المجهول الذي يقف وراء نجاحات النجوم، ولا أحد يذكره في مقابلة أو إطلالة إعلامية. ربما يعود ذلك إلى تواضعه. قلّة من الفنانين كانت تذكره، أمثال سميرة توفيق ووليد توفيق وطوني حنا ومروان خوري. ولكن الأكثرية كانت تتفادى ذكر فضله عليها».
اعتادت جومانا حبيقة، مع والدتها وأخواتها، أن ينظّمن سنوياً حفلاً تكريمياً في ذكرى رحيله، وتعتزم إقامة حفل له في الذكرى الـ20 لرحيله. وتقول: «أحاول من خلال هذه الحفلات إعطاءه حقّه. فقد رافقته في حفلاته وفي استوديوهات التسجيل والتصوير. وأتمنى أن أقيم له متحفاً يتضمّن رسوماته وأدواته الخاصة». وتتابع: «كان منزلنا يزدحم بحضور أهم النجوم على الساحة، ومن بينهم ماجدة الرومي، وسهيل فارس، ونجوى كرم، وداليدا رحمة، وعبد الكريم الشعار. كانوا يقصدونه للحن أو اعتماد توزيع موسيقي يُميّز أعمالهم. وزّع أكثرية أغنيات الراحلين ملحم بركات ووديع الصافي. وكان يرافق فيروز في عملية تدوين أغنياتها، إذ كان الراحل عاصي الرحباني يثق بموهبته في هذا المجال».
تطول لائحة ألحان رفيق حبيقة التي حقّقت الشهرة لنجوم عدة، وبينها «عالعين موليتين» و«رف الحمام مغرّب» لسميرة توفيق، و«خطرنا على بالك» و«دخلك والهوا» لطوني حنا، و«بغنيلا وبدقلا» لرامي عياش.
وعن مكان أرشيف رفيق حبيقة اليوم، تقول ابنته: «وضعته في عهدة جامعة الروح القدس في الكسليك منذ نحو 10 سنوات. وهم يولونه اهتماماً كبيراً، ويحافظون على أوراقه ونوتاته الموسيقية في برادات خاصة. وهناك مجموعة كبيرة له من الحفلات المصوّرة والمقابلات التلفزيونية. وقد حُوّل أرشيفه إلى صيغة رقمية ليُحفَظ مدى العمر».
وللمصادفة، يعمل اليوم ابن جومانا، جاد مغامس، ولقبه الفني «جاد رفيق»، في الجامعة المذكورة. وقد ورث حبّ الفن عن جدّه. وتقول: «لقد تأثر به كثيراً، وهو سعيد بكونه يعمل بالقرب من مكتبته الموسيقية المحفوظة في الجامعة. هو أيضاً يغنّي، وقد درس الموسيقى وتخصّص في السمعي البصري. لقد كنا نهاب الغناء أمام والدي لأنه كان ناقداً قاسياً وأستاذ غناء من دون منافس. وُصف بـ(حاضن الأغنية اللبنانية)، وقد عمَّر الساحة الفنية بأنامله ووضع أحجارها الأساسية».

وتتابع: «هذه العتمة التي عاش فيها ربما كانت ستتحول إلى أضواء لو امتهن الغناء. كان يملك صوتاً جميلاً جداً، ولكنه رفض الغناء وتفرّغ للتلحين فقط. كما كان يتمتّع برؤية مستقبلية، ويستطيع اكتشاف النجم منذ لقائه الأول به. وهو ما حصل مع الفنان مروان خوري، عندما أكّد له أن مستقبله سيكون واعداً».
وماذا عن رفيق حبيقة الأب؟ تردّ: «كان الحنون الذي لا بدّ أن يلقي علينا التحية ويقبّلنا ونحن في أسرّتنا، عندما يعود من حفل متأخر. كان يرافقنا في تفاصيلنا الصغيرة ويلعب معنا. والأمر نفسه فعله مع أحفاده».
وتتذكر جومانا يوم وفاته: «كان عائداً من جلسة جمعته مع الملحن الراحل إحسان المنذر، حيث سجّل معه تراتيل دينية. ولكنه ما لبث أن فارق الحياة بسكتة قلبية».
