يتضح الآن أن كل ما حدث في كرة القدم الإنجليزية بين موسمي 2009 - 2010 و2017 - 2018، وكان مانشستر سيتي طرفاً فيه لم يكن حقيقياً! فهل كان فوز مانشستر سيتي على مانشستر يونايتد بنتيجة 6 أهداف مقابل هدف وحيد على ملعب «أولد ترافورد» أمراً زائفاً؟ وهل كان هدف سيرخيو أغويرو في الدقيقة الـ94 الذي حسم اللقب عام 2012 مجرد خيال؟ وهل الموسم الذي وصل فيه مانشستر سيتي إلى حاجز 100 نقطة كان مجرد حلم؟ لولا تلك النجاحات، لما كان مانشستر سيتي في المكانة التي وصل إليها طوال المواسم الثمانية الماضية (علماً بأن 35 من التهم الموجهة إليه تتعلق بعدم التعاون مع تحقيقات الدوري الإنجليزي الممتاز بين عامي 2018 و2023). كما أن سلسلة الانتصارات المتتالية (14 فوزاً) التي قادته للفوز بلقب الدوري في موسم 2018 - 2019 لم تكن لتتحقق لولا ما سبقها من أحداث؛ وكذلك الحال بالنسبة للثلاثية التاريخية عام 2023، أو الرقم القياسي بالفوز بالدوري 4 مرات متتالية.
لذا، ورغم أنه قد يثبت في النهاية أن تلك النجاحات قد حدثت بالفعل، فإنها تظل مشوبة بما سبقها. ومن المؤكد أنه سيكون هناك استئناف للحكم؛ فهذا ليس الحكم النهائي، وقد يستغرق الوصول إليه وقتاً طويلاً. لكن قد يتبين أن يورغن كلوب كان أكثر نجاحاً بكثير مما ظن الجميع، وأن بريندان رودجرز وأولي غونار سلوسكاير قد فازا بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز بصفتهما مدربين! على الأرجح لن يحدث ذلك؛ لأن السلطات تبدو مترددة - حتى في حال سحب الألقاب من نادٍ ما - في إعادة منح تلك الألقاب لفرق أخرى، وهو أمر مفهوم تماماً.
وإذا تم تأييد أحكام الإدانة، فستكون العواقب وخيمة؛ إذ ستُقدم طلبات لتخفيف العقوبة، وتتداخل في القضية تعقيدات وتشابكات عديدة؛ فقد أفادت وكالة «بلومبرغ» الشهر الماضي، بأن الحكومة تلقت تحذيرات بشأن تداعيات سلبية محتملة على العلاقات بين المملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة في حال صدور حكم ضد نادي مانشستر سيتي. وقد شغل أندي بيرنهام منصب العمدة خلال فترة شهدت استثمارات إماراتية كبيرة في مانشستر، كما أجرى محادثات مع الرئيس الإماراتي، الشيخ محمد بن زايد، في غضون أسبوع واحد من توليه منصبه في يوليو (تموز). ومع ذلك، يصعب تصور كيف يمكن لحملة ممنهجة من الغش استمرت 9 سنوات أن تؤدي إلى أي نتيجة سوى عقوبة قاسية.

لقد أدى ارتكاب نادي إيفرتون مخالفة واحدة في عام 2022 - تتمثل في تجاوز الحد المسموح به للإنفاق وفقاً لقواعد الربح والاستدامة بمقدار 19.5 مليون جنيه إسترليني - إلى خصم 6 نقاط من رصيده، فضلاً عن إلزامه بدفع تعويضات بقيمة 26 مليون جنيه إسترليني لنادي بيرنلي (الذي هبط للدرجة الأدنى)، بالإضافة إلى 9 ملايين جنيه إسترليني فوائد. وفي المقابل، فإن مخالفات مانشستر سيتي أشد وطأة بكثير وبشكل لا يُقارن، ناهيك بفشل النادي في التعاون مع التحقيقات. ولا تقتصر المسألة على احتمال هبوط الفريق للدوري الأدنى، بل تمتد لتشمل احتمال رفع دعاوى مالية ضد النادي. ولا يقتصر الأمر على الفرق التي خسرت ألقاباً خلال تلك السنوات المثيرة للجدل؛ فهناك فرق أخرى حُرمت من المشاركة في البطولات الأوروبية، وضاعت عليها جوائز مالية؛ بل إنه حتى الفرق التي هبطت قد تجادل بأن مانشستر سيتي كان عاملاً مساهماً في هبوطها من الدوري الإنجليزي الممتاز!
وهناك أيضاً تداعيات تمتد إلى ما بعد الفترة الزمنية محل التحقيق؛ فعلى سبيل المثال، فشل نادي ليستر سيتي في التأهل لدوري أبطال أوروبا بفارق ضئيل في عامي 2020 و2021؛ فهل كان ليستر سيتي سيتأهل لو لم يكن مانشستر سيتي - الذي أنهى الموسم متفوقاً عليه - قد عزز صفوفه وقوته بطرق غير مشروعة؟ وهل كان ليستر سيتي سيواجه المأزق الحالي لو أنه شارك في دوري أبطال أوروبا آنذاك؟ ثم هناك العواقب غير المباشرة: ماذا كان سيعني ذلك للسمعة العالمية لنادٍ ما - أو لمدرب أو لاعب - وبالتالي لقدرته على تحقيق إيرادات تجارية، لو أنهم فازوا بالدوري أو بقوا في الدوري الإنجليزي الممتاز لموسم إضافي؟
وبطريقة ما، سيتعين على شخص ما تحديد أي من تلك المطالبات - إن حدثت - تستحق المتابعة وتحديد قيمتها المحتملة. قد تكون التكلفة المالية التي سيتكبدها مانشستر سيتي - بغض النظر عن العقوبة الرسمية - باهظة ومدمرة؛ فعندما أُدين مانشستر سيتي بإجراء مدفوعات غير قانونية للاعبين عام 1906، واضطر لبيع معظم لاعبيه، استغرق الأمر 30 عاماً للتعافي؛ وعندما واجه سندرلاند إدانة مماثلة عام 1957، هبط الفريق إلى الدرجة الأدنى لأول مرة في الموسم التالي، ولم يستعد أبداً مكانته السابقة.
لكن التكلفة الكبرى ربما تكون تلك التي يصعب حسابها: الطاقة العاطفية. لقد كان هدف أغويرو - بلا شك - اللحظة الأشهر في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز؛ فماذا يعني القول إن ذلك الهدف لم يحدث؟ وحتى لو لم يُسحب لقب عام 2012 من مانشستر سيتي، فسيظل اللقب مشوباً بشبهة؛ إذ لا يزال فوز مارسيليا بدوري أبطال أوروبا عام 1993 مسجلاً في السجلات الرسمية، لكن قيمته تضاءلت حتماً بسبب تجريد النادي من لقب الدوري الفرنسي الممتاز في ذلك الموسم نفسه لتورطه في التلاعب بنتائج المباريات.

تلك المشاعر - نشوة جماهير مانشستر سيتي، ويأس جماهير مانشستر يونايتد، وذهول الجميع - لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها؛ فبالنسبة للكثيرين المرتبطين بنادي مانشستر سيتي، لا بد أن تلك اللحظة مثلت أقوى فيضان من المشاعر عاشوه على الإطلاق. لا عجب أن العديد من مشجعي مانشستر سيتي على الإنترنت يحاولون يائسين إيجاد وسيلة للتأقلم مع الوضع، متظاهرين بأن الأمر مجرد مؤامرة أو مسألة لا تستحق الاهتمام، بدلاً من الاعتراف بأنها نتيجة مباشرة لتصرفات مسؤولي ناديهم.
وتأتي هذه التصرفات نتيجة لسياسة «عدم التدخل» التي تتبعها رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز فيما يتعلق بملكية الأندية؛ وهي سياسة تندرج بدورها في سياق عالم بات فيه كل شيء قابلاً للبيع لدول أجنبية أو لشركات الاستثمار المباشر (الأسهم الخاصة). ورغم أن غضب المشجعين مفهوم تماماً، فإنه غالباً ما يُوجَّه في غير محله.
أما بالنسبة للآخرين، فيسود شعور بالخداع. ولا يقتصر هذا الشعور على ما فعله مانشستر سيتي فحسب؛ إذ يطرح تساؤلات مثيرة للقلق: هل كانت تلك الدراما الإنسانية العظيمة غير حقيقية؟ وماذا عن الوضع الحالي؟ ولماذا يتعين علينا الاهتمام بهذا الموسم إذا كانت لجنة مستقلة قد تقرر بعد 17 عاماً أنه لم يكن حقيقياً أيضاً؟ وهل سيتراجع الاهتمام وتنخفض الإيرادات؟ بالنسبة لرابطة الدوري الإنجليزي الممتاز، تُعدّ هذه قضية كبرى؛ فهي مشكلة محتملة تواجه أي منافسة رياضية تركز على الربح؛ إذ لا تسير عملية توليد الإيرادات والعدالة الرياضية جنباً إلى جنب بالضرورة. لكن ما البديل؟ إن عدم اتخاذ أي إجراء يعني إضفاء الشرعية على مخالفة القواعد، والاعتراف بأن اللعبة لم تعد تتمحور حول التميز الفني أو التناغم التكتيكي، بل حول من يملك القدرة المالية لتوكيل أفضل المحامين! لقد اختارت رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز مساراً مؤلماً؛ فقد تشهد السنوات المقبلة أوقاتاً عصيبة وعواقب لا يمكن تصورها حالياً. ومع ذلك، يظل هذا هو المسار الصحيح؛ لأنه إذا عجزت الرياضة عن إدارة شؤونها بنفسها، وإذا أمكن تجاهل لوائحها ببساطة لمجرد امتلاك الثروة الكافية، فإنها تفقد جوهرها بوصفها رياضة!

من جانبه، أقر المدرب الإيطالي روبرتو مانشيني بوجود «عقد مزدوج» خلال فترة توليه تدريب مانشستر سيتي، لكنه قال إن هذا الأمر يخص النادي الإنجليزي وليس مشكلته، وذلك في ظل القضية التي يواجه فيها سيتي أكثر من 100 اتهام بارتكاب مخالفات مالية. وقال مانشيني، الذي قاد سيتي إلى لقب الدوري الإنجليزي الممتاز موسم 2011 - 2012، خلال مؤتمر صحافي للمنتخب الإيطالي في تركيا أمس (الأحد): «ليست مشكلة تعنيني. على أي حال، هذا الأمر ليس جديداً، لأنه يظهر كل 4 أو 5 سنوات. مانشستر سيتي غير مذنب، ووجود عقد مزدوج ليس مشكلتي، بل مشكلتهم على الأرجح».
ونشرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية عام 2018، وثائق قالت إنها تظهر حصول مانشيني على أموال إضافية مقابل تقديم استشارات لنادٍ في أبوظبي، إلى جانب راتبه الأساسي مع مانشستر سيتي البالغ نحو مليون و450 آلاف جنيه إسترليني. وتتضمن الاتهامات الموجهة إلى سيتي مزاعم بعدم تقديم تفاصيل دقيقة بشأن مدفوعات اللاعبين والمدربين خلال الفترة من موسم 2009 - 2010 إلى 2017 - 2018. وينفي مانشستر سيتي ارتكاب أي مخالفات، وجدد خلدون المبارك، رئيس مجلس إدارة النادي، هذا الموقف في رسالة إلى الجماهير، مؤكداً أن النادي لا يزال متمسكاً بإثبات براءته. وقاد مانشيني مانشستر سيتي إلى أول لقب له في الدوري الإنجليزي الممتاز منذ نصف قرن عام 2012، كما توج معه بكأس الاتحاد الإنجليزي عام 2011، قبل إقالته في 2013.
* خدمة «الغارديان»



