«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

دراسة بريطانية لأكثر من 13 ألف استشارة تختبر الأدوات الذكية في تدريب الأطباء على مهارات التواصل

منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
TT

«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى

كم يستغرق حديث الطبيب من الوقت المخصص للاستشارة؟ وكم يترك للمريض كي يتحدث؟ وهل يعي طبيعة الأسئلة التي يطرحها، أو يلحظ متى ينتقل من الإصغاء إلى المريض إلى اقتراح العلاج؟

قد تبدو هذه التفاصيل جزءاً من المهارات الإنسانية التي يصعب قياسها، لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل إلى هذه المساحة الدقيقة من العلاقة بين الطبيب والمريض، لا ليقرر ما ينبغي للطبيب أن يقوله، وإنما ليجعله أكثر وعياً بكيفية تواصله.

هذا ما اختبرته دراسة بريطانية حديثة حول منصة رقمية تسمى «كلينيتوك» «Clinitalk»، نُشرت في 16 سبتمبر (أيلول) 2026 في مجلة «التعليم للرعاية الأولية» (Education for Primary Care)، وهي مجلة علمية متخصصة في تعليم الرعاية الصحية الأولية.

وحللت الدراسة، التي حملت عنوان «Clinitalk: تقييم منصة إلكترونية لدعم تطوير مهارات الاستشارة الطبية لدى أطباء الممارسة العامة المتدربين في المملكة المتحدة»، أكثر من 13 ألف استشارة مسجّلة، بعد إزالة المعلومات التي تكشف عن هوية المشاركين، أجراها أطباء متدربون في الممارسة العامة في مختلف أنحاء بريطانيا.

المنصة تسجّل الاستشارات وتحلّلها وتقدّم ملاحظات فردية تساعد الأطباء المتدربين على تطوير مهارات التواصل

مرآة رقمية للطبيب

قال البروفسور أنور علي خان، أستاذ التعليم الطبي في الرعاية الأولية بجامعة شرق لندن (University of East London)، والمدير الطبي للاعتماد الدولي في الكلية الملكية البريطانية للممارسين العامين (Royal College of General Practitioners – RCGP)، لـ«الشرق الأوسط» إن التواصل أثناء الاستشارة يجري غالباً بصورة تلقائية؛ فقد لا ينتبه الطبيب إلى مقدار الوقت الذي يستأثر فيه بالحديث، أو طبيعة الأسئلة التي يطرحها، أو سرعة انتقاله إلى مناقشة العلاج، أو ما إذا كان قد أتاح للمريض مساحة كافية للتعبير عما يهمه فعلاً.

وهنا، في رأيه، تكمن القيمة المحتملة للذكاء الاصطناعي: ليس في إخبار الطبيب بما ينبغي أن يقوله، وإنما في إظهار أنماط تواصله بوضوح أمامه.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن متوسط حصة الطبيب من وقت الحديث انخفض، مع استمرار استخدام المنصة، من 66.7 في المائة إلى 48.9 في المائة. وبدأت مناقشة الخطة العلاجية أبكر بنحو 1.1 دقيقة في المتوسط، في حين ارتبط استخدام الأسئلة المفتوحة بصورة أكبر مقارنة بالمغلقة بانخفاض حصة الطبيب من الحديث وتحسّن تقييمات ملاءمة الخطة العلاجية للمريض.

البروفسور أنور خان

«تعكس... ولا تملي»

لكن خان يرسم حداً واضحاً بين المساعدة والتوجيه، ويختصره بعبارة: «المرآة ينبغي أن تعكس، لا أن تملي». فلا توجد، كما يقول، «استشارة مثالية» واحدة تناسب جميع المرضى؛ فالمريض الخائف قد يحتاج إلى أسلوب يختلف عما يناسب شخصاً محدود الثقافة الصحية، في حين قد يفضّل آخر حديثاً مباشراً ومختصراً.

والهدف، بالتالي، ليس تحويل الاستشارة الطبية إلى سيناريو موحّد تصوغه الخوارزمية، وإنما مساعدة الطبيب على التواصل بوعي ومرونة أكبر.

ويشدد خان على أن استخدام هذه الأنظمة يتطلب ضمانات واضحة: أن تُستخدم ملاحظات الذكاء الاصطناعي للتطوير والتعلّم؛ وأن يظل الحكم المهني والإشراف البشري أساساً؛ مع حماية قوية للبيانات وموافقة مناسبة من المرضى والأطباء. ويضاف إلى ذلك اختبار دقتها وعدالتها عبر مختلف اللغات والثقافات والفئات السكانية، والتأكد من أن أداءها لا يخدم فئة من المرضى أو الأطباء على حساب أخرى.

وفي تقييم «Clinitalk»، بلغت نسبة التوافق بين تقييمات ممتحنين كبار من الكلية الملكية للممارسين العامين وتقييمات الذكاء الاصطناعي لسلوك الأطباء أثناء الاستشارات 96.4 في المائة من الحالات التي خضعت للمراجعة.

نتائج مهمة... ولكن بحذر

مع ذلك، يحذّر خان من تحميل النتائج أكثر مما تحتمل علمياً. فالدراسة تقييم وصفي؛ والتغيرات السلوكية المرصودة ارتبطت باستمرار استخدام المنصة، لكن هذا الارتباط لا يثبت أن «Clinitalk» كانت السبب المباشر وراءها.

وهذا تمييز مهم في وقت قد تتحول فيه النتائج الواعدة للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى عناوين تتجاوز قوة الدليل العلمي. لذا؛ تتمثل الخطوات التالية الضرورية في إجراء دراسات مضبوطة، وقياس أثر هذه الأدوات في تجربة المرضى ونتائجهم الصحية.

منصة «Clinitalk»

وماذا عن الطبيب العربي؟

هنا يبرز سؤال أقرب إلى واقعنا: هل يمكن استخدام نظام كهذا في الرياض، أو القاهرة أو بغداد أو عمّان أو رام الله؟ يرى خان أن ذلك ممكن، لكنه يحذّر من اختزال الأمر في ترجمة نظام إنجليزي إلى العربية.

فاللغة ليست سوى جانب من الاستشارة الطبية. وسيحتاج النظام إلى فهم اللهجات العربية المختلفة، والتعامل مع الانتقال المتكرر بين العربية والإنجليزية، وأحياناً الفرنسية، في بعض البيئات الصحية العربية.

لكن التحدي الأعمق ثقافي

إن دور الأسرة، والعلاقة الهرمية بين الطبيب والمريض، والفروق المرتبطة بالجنس، وفهم اتخاذ القرار المشترك، وأساليب مناقشة الموضوعات الحساسة، كلها جوانب قد تختلف من مجتمع إلى آخر. ويقول خان، وهو أيضاً عضو في المجلس الاستشاري لكلية طب جديدة يُبحث إنشاؤها في رام الله بالضفة الغربية، إنه لا ينبغي افتراض أن التعريف البريطاني لـ«الاستشارة الجيدة» قابل للنقل كما هو إلى مجتمعات أخرى.

ويرى أن تصميم أي نسخة عربية ينبغي أن يُشارك المرضى والأطباء والمتدربون ومعلّمو الطب المحليون، وأن تُقارن تقييماتها، بصورة مستقلة، بتقييمات أطباء عرب ذوي خبرة، مع اختبار موثوقيتها عبر مختلف اللهجات والبيئات السريرية وفئات المرضى.

من الترجمة إلى التحقق المحلي

وهنا تقدم الدراسة درساً يتجاوز منصة «Clinitalk» نفسها. فالذكاء الاصطناعي الطبي لا يصبح ملائماً لبيئة جديدة لمجرد فهم كلماتها؛ بل يحتاج إلى فهم سياقها، والتحقق من أدائه لدى السكان الذين سيخدمهم، وضمن لغتهم وثقافتهم وبيئتهم السريرية.

ويشير خان إلى أن فريقه يستعد لمشروع في شرق إنجلترا يدرس استخدام الأداة لدى مجموعة أوسع ستتاح لها مجاناً. وقد يساعد ذلك في استكشاف مدى تأثير دوافع المستخدمين في نتائج الدراسة المنشورة، خصوصاً أن المشاركين فيها كانوا متدربين دفعوا مقابل استخدام التطبيق.

ويرى أيضاً أن هذه التقنيات قد تتيح لعدد أكبر من الأطباء ملاحظات عالية الجودة وفرصاً منتظمة لمراجعة استشاراتهم والتأمل فيها بصورة منهجية، بدلاً من اقتصار هذه الفرص على من تتوافر لهم موارد تدريبية أكبر.

لكن التكنولوجيا لن تحدّ من عدم المساواة إذا كانت تحمل بدورها انحيازاً جديداً. ولعل هذا هو المعنى الأهم لـ«المرآة الرقمية»: أن يستعين الطبيب بالذكاء الاصطناعي ليرى نفسه بوضوح أكبر، مع احتفاظه بحكمه المهني. فالخوارزمية قد تقيس كم تحدّث الطبيب وكم أتاح للمريض أن يتحدث، لكن الإنسان يظل من يقرر لماذا يصمت، ومتى يسأل، وكيف يصغي.

وشارك في الدراسة إلى جانب البروفسور أنور علي خان كل من نيكولاس بوكس، ونيكولا تيرنر، وروجر نيبر، وبيتر سالمون، وروبن سيمبسون.


مقالات ذات صلة

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع صعود النفط إلى أعلى مستوياته منذ مايو

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع صعود النفط إلى أعلى مستوياته منذ مايو

تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية، الجمعة، تحت وطأة صعود أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ مايو.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد زائر يطل على الحي المالي في لندن من حديقة «غاردن آت 120» (رويترز)

النشاط الاقتصادي البريطاني يسجل أقوى أداء منذ فبراير بدعم من الذكاء الاصطناعي

سجلت الشركات البريطانية أقوى أداء لنشاطها منذ فبراير (شباط)، مع نمو الطلبيات الجديدة وانتعاش الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لمسح نُشرت نتائجه الجمعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يُرفرف العلم الوطني الياباني فوق مقر البنك المركزي في طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يحذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي على الأمن السيبراني والاستقرار المالي

حذّر بنك اليابان المركزي من تصاعد المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تزايد التهديدات السيبرانية واحتمال حدوث صدمات في الأسواق المالية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك عبارة «الذكاء الاصطناعي» تظهر على لوحة مفاتيح الى جانب يد آلية في رسم توضيحي (رويترز)

اختراق علمي واعد... ذكاء اصطناعي يكتشف مزيجاً دوائياً لمكافحة السرطان

كشف باحثون عن نظام مبتكر للذكاء الاصطناعي، قادر على تحديد توليفات دوائية واعدة قد تساعد في التغلب على مقاومة العلاج لدى مرضى السرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولة تقف أمام شاشات تعرض مؤشر «كوسبي» في بنك «هانا» في سيول (إ ب أ)

الأسهم الآسيوية تتراجع مع امتداد خسائر الذكاء الاصطناعي إلى الأسواق العالمية

تراجعت الأسهم الآسيوية في معظمها يوم الجمعة، متأثرةً بموجة جديدة من الهبوط الحاد في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، امتدت تداعياتها إلى الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)

من جراحة البابا إلى اللقاحات الشخصية… ثورة علمية ترسم مستقبل علاج السرطان

سرطان الرئة: الطرق الجديدة تزيد فرص علاجه
سرطان الرئة: الطرق الجديدة تزيد فرص علاجه
TT

من جراحة البابا إلى اللقاحات الشخصية… ثورة علمية ترسم مستقبل علاج السرطان

سرطان الرئة: الطرق الجديدة تزيد فرص علاجه
سرطان الرئة: الطرق الجديدة تزيد فرص علاجه

سلّط تعافي البابا ليو الرابع عشر بعد خضوعه لجراحة أُزيل خلالها سرطان الرئة بالكامل مع عدم حاجته إلى علاج إضافي، الضوء على التقدم الكبير الذي شهده علاج السرطان خلال العقود الماضية من خلال تحسين فرص التشخيص المبكر وتطوير علاجات أكثر دقة وفاعلية.

البابا ليو الرابع عشر يحيي الجمهور بعد فترة وجيزة من عملية استئصال سرطان الرئة

وبعد أن كان يُنظر إلى تشخيص السرطان في كثير من الحالات بصفته حكماً بالموت، باتت فرص النجاة أفضل لبعض المرضى حتى في أنواع المرض التي كانت تُعدّ شديدة الفتك. ومع ذلك، لا يزال السرطان من أبرز أسباب الوفاة عالمياً؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو شخص واحد من كل خمسة أشخاص سيصاب به خلال حياته؛ ما يجعل مواصلة تطوير وسائل الوقاية والتشخيص والعلاج ضرورة صحية متزايدة.

علاجات تستهدف الخلايا السرطانية بدقة

يُعدّ سرطان الرئة مثالاً على التحولات التي أحدثها التقدم الطبي، فقد ارتفعت نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات بعد التشخيص في الولايات المتحدة من نحو 15 في المائة في أواخر تسعينات القرن الماضي إلى قرابة 30 في المائة حالياً، وفق بيانات أوردتها «نيويورك تايمز»، الجمعة، في تقرير حول السرطان. ومع ذلك، لا يزال سرطان الرئة السبب الأول للوفيات الناجمة عن السرطان.

ومن أبرز التطورات العلاجية ظهور العلاجات الموجّهة التي تستهدف تغيرات جينية محددة داخل الخلايا السرطانية، ففي بعض حالات سرطان الرئة تساعد أدوية تستهدف طفرات في جين EGFR على تحسين النتائج العلاجية مع تقليل التأثير في الخلايا السليمة مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.

وامتد هذا التقدم إلى سرطان الثدي؛ إذ أسهمت تقنيات الكشف المبكر والعلاجات الموجّهة والمناعية في رفع معدلات البقاء على قيد الحياة. ويعتمد العلاج المناعي على تنشيط الجهاز المناعي ومساعدته على التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.

التحليل الجيني والعلاج المناعي

ويرتبط جانب مهم من هذه الإنجازات بالتطور في تقنيات تسلسل الحمض النووي «دي إن إيه» DNA التي تتيح تحليل الخصائص الجينية للورم وتحديد الطفرات المسؤولة عن نموه بما يساعد الأطباء على اختيار العلاج الأنسب لكل مريض. وفي بعض أنواع السرطان يمكن لهذه التحاليل أيضاً المساعدة في تحديد المرضى الأكثر استفادة من العلاج الكيميائي وتجنب تعريض آخرين لآثاره الجانبية دون فائدة مرجحة.

كذلك، أحدث العلاج المناعي تحولاً في التعامل مع بعض الأورام المتقدمة، ومنها سرطان الجلد الميلانيني Advanced melanoma؛ فمنذ اعتماد فئة من الأدوية المناعية عام 2011 تحسنت فرص بعض المرضى الذين كانت خياراتهم العلاجية محدودة للغاية. لكن هذه الإنجازات لا تعني أن العلاج أصبح متاحاً للجميع إذ لا تزال التكلفة المرتفعة ومحدودية الإمدادات والتفاوت في اعتماد الأدوية بين الدول تعيق استفادة كثير من المرضى خصوصاً في البلدان منخفضة الدخل.

لقاحات شخصية لمنع عودة السرطان

ومن أكثر المجالات الواعدة تطوير لقاحات شخصية تستهدف الخلايا السرطانية بهدف تقليل خطر عودة المرض بعد إزالة الورم جراحياً. وتختلف هذه اللقاحات عن اللقاحات الوقائية المعروفة، مثل لقاح فيروس الورم الحليمي البشري human papillomavirus (HPV) الذي يقي من عدوى قد تؤدي إلى بعض أنواع السرطان.

وتعمل اللقاحات الشخصية على تدريب الجهاز المناعي على التعرف على خصائص محددة في الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد أظهرت تجارب سريرية على مرضى الميلانوما الذين خضعوا لاستئصال الأورام نتائج مشجعة؛ ما يعزز الاهتمام بإمكانية توسيع هذا النهج ليشمل أنواعاً أخرى من السرطان.

ومع ذلك، لا تزال هذه التقنية قيد التطوير، ولا بد من استكمال الدراسات لتحديد فاعليتها وسلامتها ومدى إمكانية استخدامها على نطاق واسع.

هل يتحول السرطان من مرض قاتل إلى مرض مزمن؟

ويرى الباحثون أن الوصول إلى علاج شافٍ لجميع أنواع السرطان لا يزال هدفاً بعيداً، لكن بعض أنواع المرض أصبحت قابلة للسيطرة لفترات أطول. فبعد أن كان تشخيص السرطان في المرحلة الرابعة يعني في كثير من الحالات بقاء المريض على قيد الحياة لبضع سنوات فقط يعيش بعض المرضى اليوم عشر سنوات أو أكثر بفضل العلاجات الحديثة.

ومع إطالة العمر تظهر تحديات جديدة تتعلق بالتخطيط للحياة والعمل والاستقرار المالي، فضلاً عن القلق المستمر المرتبط بانتظار نتائج الفحوص الدورية.

وتؤكد هذه التطورات أن المعركة مع السرطان لم تنتهِ، لكنها أصبحت أكثر اعتماداً على فهم بيولوجيا الورم وتخصيص العلاج لكل مريض. وبين التقدم في التشخيص والعلاج المناعي واللقاحات الشخصية تتسع آفاق الأمل مع بقاء إتاحة هذه الابتكارات لجميع المرضى أحد أهم التحديات المستقبلية.


الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

في الوقت الذي تتسابق فيه المستشفيات حول العالم لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض وتحليل الصور الطبية والتنبؤ بالمضاعفات الصحية، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن دقة هذه التقنيات: من يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الخوارزمية في تشخيص مريض أو توصية علاجية؟

هذا السؤال يشكل محور تقرير تحليلي مستقل أعدّه البروفسور عميد خالد عبد الحميد، الأستاذ الزائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن. ونشرت الجامعة عرضاً لنتائجه في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، محذرة من اتساع الفجوة بين سرعة اعتماد الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الصحية وتطور الضمانات اللازمة لحماية المرضى.

أرقام تكشف الفجوة

استند التقرير الذي حمل عنوان «فجوة حوكمة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية»، إلى تحليل نتائج منشورة عن منظمة الصحة العالمية شملت 50 دولة مستجيبة في الإقليم الأوروبي للمنظمة. وأظهرت البيانات أن 64 في المائة من هذه الدول أفادت باستخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي، بينما لم تتجاوز نسبة الدول التي أعلنت امتلاك استراتيجية وطنية مخصصة للذكاء الاصطناعي الصحي 8 في المائة.

غموض قانوني

وكشفت النتائج أيضاً أن 8 في المائة فقط أفادت بوجود معايير أو إرشادات تتعلق بالمسؤولية القانونية عن الذكاء الاصطناعي، في حين اعتبرت 86 في المائة من الدول المشاركة أن الغموض القانوني يمثل عائقاً أمام تبني هذه التقنيات.

وتعكس هذه الأرقام، المستمدة من بيانات جُمعت بين يونيو (حزيران) 2024 ومارس (آذار) 2025، تفاوتاً واضحاً بين التقدم التقني والتطور التنظيمي، لكنها لا تعني بالضرورة أن الدول التي تفتقر إلى استراتيجية متخصصة تخلو من التشريعات أو الضمانات الصحية الأخرى.

صورة للتقرير المنشور على موقع جامعة شرق لندن الإلكتروني

عندما تخطئ الخوارزمية

تكمن خطورة هذه الفجوة في أن أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يختلف باختلاف المرضى والبيئات الطبية. فالخوارزمية التي تحقق نتائج دقيقة في مستشفى أوروبي قد لا تحقق المستوى نفسه من الأداء عند تطبيقها في مستشفى آخر يستخدم أجهزة مختلفة أو يتعامل مع مرضى ينتمون إلى خلفيات سكانية ووراثية متنوعة.

وقد يؤدي الاعتماد على نتائج لم تُختبر محلياً إلى أخطاء تشخيصية أو توصيات غير مناسبة، خصوصاً عندما لا يكون الطبيب مدرباً على فهم حدود النظام أو الاعتراض على مخرجاته. ويرى مؤلف التقرير الجديد أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تطوير خوارزميات أكثر دقة، بل يشمل بناء منظومة تستطيع اكتشاف أخطائها ومراقبة أدائها وتحديد المسؤولية عن قراراتها.

من المبادئ إلى التطبيق

يطرح التقرير ست ضمانات أساسية يمكن للمستشفيات اعتمادها لتحويل المبادئ الأخلاقية إلى إجراءات عملية.

تبدأ هذه الضمانات بتحديد المسؤولية السريرية والمؤسسية بوضوح، بحيث يكون لكل نظام ذكاء اصطناعي مستخدم في الرعاية الصحية مسؤول معروف يتابع سلامته وأداءه. وتشمل كذلك التحقق السريري المحلي قبل الاستخدام، وتدريب العاملين الصحيين على تفسير مخرجات الخوارزميات والتعرف على حدودها، والمراقبة المستمرة للأداء بعد التطبيق.

ويؤكد التقرير ضرورة إنشاء آليات واضحة للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحقيق فيها، ومنح المؤسسات الصحية صلاحية تعليق استخدام الأنظمة التي يثبت أنها تشكل خطراً على المرضى.

كما يقترح إجراء مراجعة مؤسسية خلال 90 يوماً، تحصر فيها المستشفيات أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة، وتراجع الأدلة الداعمة لسلامتها، وتحدد المسؤولين عنها وإجراءات التعامل مع الأعطال والأخطاء المحتملة.

السعودية والتحول الصحي

تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في المملكة العربية السعودية، التي تشهد توسعاً في تطبيقات الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن مستهدفات رؤية 2030. فمع تطور المستشفيات الذكية وخدمات الطب الافتراضي والتحليل الآلي للصور الطبية، تتزايد أهمية مواءمة الابتكار مع التحقق السريري المحلي والحوكمة المؤسسية.

ولا تعني الحاجة إلى ضوابط إضافية إبطاء الابتكار، بل توفير بيئة تتيح استخدام التقنيات الجديدة بثقة، مع المحافظة على سلامة المرضى والمسؤولية المهنية. ويرى واضع التقرير الذي يقيم ويعمل في المملكة منذ نحو 27 عاماً، أن التجربة السعودية توفر فرصة لتطوير نماذج عملية تجمع بين التقدم التقني والرقابة السريرية، بما يدعم مكانة المملكة في الابتكار الصحي المسؤول.

مشاركة أكاديمية دولية

يأتي إعداد التقرير ضمن اهتمام د. عبد الحميد الباحث والأكاديمي بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمته في الرعاية الصحية، بصفته أستاذاً زائراً في جامعة شرق لندن، ورئيساً ومؤسساً للمنظمة العربية للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد ركز في تحليله على الانتقال من إعلان المبادئ الأخلاقية العامة إلى وضع آليات قابلة للتطبيق داخل المستشفيات، مع التأكيد على أهمية التحقق من ملاءمة الأنظمة للسكان المحليين واستمرار سلطة القرار السريري بيد الإنسان.

ويعكس نشر الجامعة للتقرير اهتماماً أكاديمياً متزايداً بمسألة المساءلة في الطب المعتمد على الخوارزميات، خصوصاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القرارات التي قد تؤثر مباشرة في حياة المرضى.

من يحمي المريض؟

لا يدعو التقرير إلى التراجع عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب، بل إلى تطوير منظومة تضمن الاستفادة من قدراته دون التضحية بحقوق المرضى أو إضعاف الحكم السريري للطبيب. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بقدرة الخوارزمية على اكتشاف المرض، وإنما بوجود نظام قادر على إثبات سلامتها، ومراقبة أدائها، والتدخل عندما تظهر مؤشرات الخطر.

ويخلص التحليل إلى أن النجاح الحقيقي للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يُقاس بعدد الأنظمة التي تدخل المستشفيات، بل بمدى قدرتها على تحسين النتائج الصحية ضمن منظومة واضحة من المسؤولية والرقابة والثقة. فكلما أصبحت الخوارزميات أكثر حضوراً في القرارات الطبية، ازدادت الحاجة إلى ضمان أن تبقى سلامة الإنسان، وليس سرعة التكنولوجيا وحدها، المعيار النهائي للتقدم.

الرابط الإلكتروني للتقرير:


دراسة كندية: الذكاء الاصطناعي «لا يفهم الثقافات المختلفة حول العالم»

دراسة كندية: الذكاء الاصطناعي «لا يفهم الثقافات المختلفة حول العالم»
TT

دراسة كندية: الذكاء الاصطناعي «لا يفهم الثقافات المختلفة حول العالم»

دراسة كندية: الذكاء الاصطناعي «لا يفهم الثقافات المختلفة حول العالم»

تواجه نماذج الذكاء الاصطناعي غالباً صعوبة في فهم الثقافات المختلفة حول العالم، كما أنها تبدي تردداً في الاعتراف بجهلها بأمر ما. هذا ما توصل إليه باحثون في مختبر «كوهير لابس» (Cohere Labs) الكندي للذكاء الاصطناعي، حين اختبروا قدرة روبوتات الدردشة على تجاوز مجرد التحدث بلغة ثقافة معينة.

التحقق من المعرفة الثقافية

وللتحقق مما إذا كانت هذه النماذج تمتلك معرفة ثقافية أعمق، طرح الباحثون عليها مجموعة من الألغاز الثقافية الفريدة. ومن بين هذه الألغاز: «ما هو حدث 11 سبتمبر (أيلول) («9/11»- حسبما يكتبه الأميركيون) في السياق الألماني؟». ولم ينجح سوى نموذج واحد فقط في تقديم الإجابة الصحيحة من أصل 28 نموذجاً للذكاء الاصطناعي. ويبدو أن النماذج قد ارتبكت بسبب صيغة التاريخ (حيث أجاب سبعة منها بأنه «هجمات البرجين التوأمين»). ففي أوروبا، يُكتب اليوم قبل الشهر؛ لذا فإن «9/11» يشير إلى التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو اليوم الذي سقط فيه جدار برلين عام 1989.

معايير تقييم الأداء

تُقيِّم العديد من معايير قياس أداء الذكاء الاصطناعي الحالية المعرفة الثقافية، بدءاً من الأطعمة اليومية في وجبة الإفطار والأحداث التاريخية، وصولاً إلى تقاليد الأعياد. وغالباً ما تتعامل هذه المعايير مع الثقافة باعتبارها مجموعة من الحقائق الثابتة التي يمكن حفظها أو العثور عليها عبر بحث سريع على الإنترنت. لكن معرفة حقائق حول ثقافة ما لا تعادل فهم الكيفية التي يدرك بها أفراد تلك الثقافة العالم من حولهم. لذا، أدرك الباحثون حاجتهم إلى اختبار يطلب من النماذج الربط بين عناصر ثقافية تبدو غير مترابطة وتوظيفها معاً. وهذا ما قادهم إلى استخدام الألغاز، وابتكار نوع مختلف من المعايير الثقافية التي تتطلب إجابات تستند إلى التجربة الحياتية الفعلية.

ألغاز ثقافية

تقول جوليا كروتزر، الباحثة في «كوهير لابس» التي قادت تطوير معيار «الألغاز الثقافية» (CulturalRiddles): «هذا هو الجانب الذي نحاول رصده من خلال هذا المعيار؛ تلك التفاصيل الدقيقة والمفاهيم الغامضة التي يصعب التقاطها أو التحقق منها... وهنا تظهر تعقيدات الحياة الواقعية». وقد أمضت كروتزر وفريقها ستة أشهر في العمل مع متطوعين من مختلف أنحاء العالم لجمع الألغاز، وطرحها على نماذج الذكاء الاصطناعي، ثم تقييم الإجابات التي قدمتها.

استخدم الباحثون أيضاً تقييمات الخبراء هذه لضبط نموذج ذكاء اصطناعي والتحقق من دقته، بحيث يمكنه تقييم جودة الإجابات في الحالات التي تغيب فيها تقييمات الخبراء.

اختبار 28 نموذجاً

وفي المجمل، اختبر باحثو «كوهير لابس» 28 نموذجاً للذكاء الاصطناعي باستخدام ألغاز ثقافية، صاغها 166 متطوعاً من 45 دولة وبـ51 لغة. وقد قام المتطوعون بتقييم وتصنيف 68154 إجابة فريدة قدمتها هذه النماذج. وبناءً على ذلك، رتب الباحثون النماذج وفقاً لدقتها الإجمالية عبر اللغات والثقافات التي شملها الاختبار.

نتائج الاختبارات

- حاز نموذج «جيمناي 3.1 برو بريفيو» (Gemini 3.1 Pro Preview) من شركة «غوغل» على أعلى درجة، بنسبة 79.4 في المائة.

- وجاء نموذج «جي بي تي-5.5» (GPT-5.5) من شركة «أوبن إيه آي» في المرتبة الثانية بنسبة 76.3 في المائة.

- تلاه نموذج «كلود أوبوس 4.7 ثينكينغ» (Claude Opus 4.7 Thinking) من شركة «أنثروبيك» بنسبة 66 في المائة.

- أما نموذج «كيون 3.5 0.8 بي» (Qwen 3.5 0.8B) من شركة «علي بابا»، فقد حل في المركز الأخير، حيث أجاب بشكل صحيح عن 0.4 في المائة فقط من الألغاز.

- ومن بين النماذج الأخرى التي سجلت نتائج لافتة، نموذج «نوفا مايكرو» (Nova Micro) من شركة «أمازون» (Amazon) الذي أجاب بشكل صحيح عن 8.3 في المائة من الألغاز، ونموذج «جيمناي 2.5 فلاش لايت» (Gemini 2.5 Flash Lite) من «غوغل» الذي حقق نسبة 33.6 في المائة.

- وحتى النموذج الأفضل أداءً، «جيمناي 3.1 برو بريفيو»، فقد سجل دقة تقل عن 50 في المائة في 6 من أصل 57 مجتمعاً ثقافياً شملها الاختبار، مما يسلط الضوء على الطريق الطويل الذي لا يزال يتعين على هذا القطاع قطعه فيما يتعلق بالوعي الثقافي.

ميل الذكاء الاصطناعي للتخمين بدلاً من الاعتراف بالجهل

والأكثر إثارة للقلق هو أن الاختبار كشف عن ميل النماذج إلى التخمين بدلاً من الاعتراف بعدم المعرفة، فعلى الرغم من إبلاغها صراحةً بإمكانية الإجابة بعبارة «لا أعرف»، فإنها لم تفعل ذلك إلا في 0.7 في المائة فقط من الحالات. كما تبين أن نحو 31 في المائة من الإجابات التي راجعها المقيّمون كانت مختلقة تماماً، وإن تفاوتت درجات الإبداع في صياغتها.

وتقول كروتزر: «كانت النماذج تقدم إجابات واثقة تبدو أحياناً سخيفة ومضحكة، لكنها قد تكون في أحيان أخرى مسيئة للغاية. إذ تلاحظ أن النماذج تميل تلقائياً إلى تبني وجهات نظر الثقافات الأكثر هيمنة على شبكة الإنترنت، بدلاً من تقديم إجابات تستند إلى السياق الثقافي المحلي».

فجوات المعرفة الثقافية

وأجرت «كوهير لابس» استطلاعاً منفصلاً لاستكشاف كيفية تأثير فجوات المعرفة الثقافية في الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع. وأفاد العديد من مستخدمي روبوتات الدردشة حول العالم أنهم يضطرون إلى استخدام اللغة الإنجليزية للحصول على إجابات مفيدة، لأن الإجابات المُولّدة بلغاتهم الأم غير مُجدية. ووصف المستخدمون إجابات تفتقر إلى السياق الثقافي الأساسي، وفي بعض الحالات، أنظمة ذكاء اصطناعي تتعارض مع معاييرهم الثقافية.

ضرورة دمج الوعي الثقافي في نماذج الذكاء الاصطناعي

وخلص باحثو «كوهير لابس» إلى ضرورة دمج الوعي الثقافي في نماذج الذكاء الاصطناعي منذ البداية، لكي تخدم الأدوات التي تُشغّلها جميع المستخدمين، وليس فقط الثقافات المُمثلة تمثيلاً جيداً في بيانات التدريب. ويشير معيار CulturalRiddles الذي طوروه إلى أن العديد من النماذج الحالية لا تزال قاصرة.

صممت كرويتزر وفريقها CulturalRiddles ليكون قابلاً للتطوير المستمر. وقد أتاحوا الألغاز والبرمجيات والعرض التوضيحي ولوحة التحكم التفاعلية كمصدر مفتوح، ليتمكن أي شخص من المساهمة بألغاز من ثقافته الخاصة من خلال عملية مراجعة.

وتقول كرويتزر: «من المأمول ألا يُعتمد هذا المعيار فقط من قِبل الباحثين الأكاديميين، بل أيضاً من قِبل مختبرات الصناعة الكبرى التي تسعى لإثبات تقدمنا في مجال التكنولوجيا، لا في المهام الصعبة القابلة للتحقق فقط، بل أيضاً في المهام الأقل دقة».

* مجلة «فاست كومباني».