مساعد بن عبد الرحمن... جسر بين جيل الإمام ودولة المؤسسات

طرح رؤية سبقت زمنها وشكلت مشروعاً إصلاحياً مبكراً

الأمير مساعد مستقبلاً وفداً من الأمم المتحدة وإلى يمينه الأمير سلمان بن عبد العزيز
الأمير مساعد مستقبلاً وفداً من الأمم المتحدة وإلى يمينه الأمير سلمان بن عبد العزيز
TT

مساعد بن عبد الرحمن... جسر بين جيل الإمام ودولة المؤسسات

الأمير مساعد مستقبلاً وفداً من الأمم المتحدة وإلى يمينه الأمير سلمان بن عبد العزيز
الأمير مساعد مستقبلاً وفداً من الأمم المتحدة وإلى يمينه الأمير سلمان بن عبد العزيز

جاء توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، المبني على اقتراح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بإطلاق اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن على الجامعة الإلكترونية، والمملكة العربية السعودية تستعد للاحتفال بذكرى يومها الوطني في «الأول من الميزان»، الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول).

ومن الموافقات التاريخية أن قرار مجلس الوزراء، الذي ثبّت الثالث والعشرين من سبتمبر يوماً وطنياً صدر عام 1965، والأمير مساعد يومها عضو في مجلس الوزراء، ثم يأتي اليوم إطلاق اسمه على الجامعة السعودية الإلكترونية متزامناً مع ذكرى اليوم الوطني.

كما جاء التوجيه الملكي ليعيد ذكرى أحد رجالات الدولة الكبار، ورائد من رواد الفكر والسياسة والإدارة السعودية الذي توفي قبل نحو 40 عاماً (ديسمبر 1986)، ولم يكن حريصاً على نشر سيرته، ناهيك عن مذكراته أو ذكرياته.

أما ما يتوفر عنه في أرشيفات الصحافة فلا يتجاوز الأخبار الرسمية، وأبرز من كتب عنه الدكتور عبد الرحمن الشبيلي الذي حاوره في مقابلات تلفزيونية، ثم نشرها في كتاب ضمنه بعض شهادات معاصريه، وغطّى جوانب من سيرته. وأَحسبُه الكتاب الوحيد الذي تناول سيرة الأمير مساعد ومسيرته، لذا لا أستغرب عدم معرفة أكثر جيل اليوم من رجال ونساء الإدارة والسياسة السعودية بالأمير مساعد، ومسيرته السياسية والإدارية. ولعل بعضهم أول ما سمع عنه عندما أثنى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في مقابلة تلفزيونية عام 2021، على رؤيته الاستشرافية، واقتراحه قبل عقود طويلة تطوير المجمعات السكنية من قبل الدولة، لا من القطاع الخاص؛ وهي الفكرة التي جوبهت آنذاك بمعارضة من بعض الوزراء والمسؤولين.

الأمير مساعد في شبابه

وليس غريباً أن تأتي فكرة تكريم ذكرى الأمير مساعد بن عبد الرحمن بإطلاق اسمه على جامعة كان إنشاؤها قبل 15 عاماً رؤية استشرافية لمستقبل التعليم، كما أحيا الأمير محمد رؤية عمّه مساعد الاستشرافية بتأسيس شركة روشن التابعة لصندوق الاستثمارات العامة.

وكأن صانع «رؤية المملكة 2030» أراد بهذا التكريم أن يقول إن كل صاحب رؤية استشرافية وعمل دؤوب لخدمة الوطن سيحظى بالتكريم، ولو لم يحن أوان تنفيذ رؤيته بعد.

شخصياً لا أعُد الأمير مساعد وزيراً أو رجل دولة فحسب، بل أراه أيضاً أحد مفكري الدولة الذين كان لهم إسهامهم الرفيع ومشاركتهم الفاعلة في مرحلة تحولات ومتغيرات تطلبت إعادة هيكلة عمل الحكومة وآليات اتخاذ القرار، إذ كان له منهجه الذي أصبح من قواعد العمل الحكومي السعودي، كما يصف ذلك أحد أبرز مساعديه وخليفته في وزارة المالية الشيخ محمد أبا الخيل: «كان ينظر للوظيفة العامة من خلال أسس شرعية، تعني أن الموظف العام مؤتمن على تطبيق القواعد العامة الموضوعة لتحقيق العدالة... وهذا الأسلوب أصبح منهجاً أو مدرسة في الإدارة الحكومية يتلخص أسلوبها في الالتزام بمفاهيم وقواعد الخدمة العامة ومراجعة مواضيع البحث بوضوح مهني مباشر. وكان شديد الإصرار على أن يقول رأيه بشكل مباشر، وأن يدافع عنه بوضوح، ثم يلتزم بما يتقرر ويطبقه بدقه، ويطالب من يعملون معه الالتزام بهذه القاعدة».

الأمير مساعد خلال إحدى زياراته الخارجية

وأجمع عارفوه على اتصافه بالحكمة وبعد النظر والذكاء، والبعد عن المظاهر، والنزاهة والصدق وتحري العدل، وعمق الرؤية وسعة الثقافة وتنوعها، وغزارة التجربة، والواقعية، والقدرة على التحليل.

أما عن تكوينه العلمي والثقافي، فقد درس في كتّاب ابن مصيبيح، ثم على يد علماء الرياض. يقول الشيخ محمد بن جبير: «إن الأمير مساعد طلب العلم عند كثير من المشايخ، ومنهم الشيخ محمد بن إبراهيم، وكان يحضر في حلقاتهم دارساً أو مستمعاً، فهو معدود من طلبة العلم، لذا لا يشتطون أو يخالفون، كما استفاد من مكتبته ومطالعته كتبها المتنوعة ومحاوراته لزوارها من طلبة العلم والسياسيين والمثقفين والمؤرخين. إضافة إلى لقاءاته الفكرية التي يعقدها في منزله مع العلماء والأدباء والمثقفين، وتدور فيها مناقشات ومطارحات تنم عن سعة استيعابه وتنوع معارفه وعمق تفكيره».

أما المكتبة فمقرها في طرف منزله الواقع في حي الحلة داخل سور الرياض القديمة ثم انتقلت إلى منزله الجديد بحي الشميسي، وتعدّ أول مكتبة خاصة تفتح للجمهور في الرياض عام 1944 وحرص على تزويدها بالكتب النادرة والمتنوعة والمجلات والإصدارات الحديثة. وعلى رغم ذلك كله فإنه رغب في الاستزادة من التعلم من خلال الأشرطة والبرامج التعليمية التي توفرها هيئة الإذاعة البريطانية. هذا كله، علاوة على الاستعداد الفطري، ما يجعلنا أمام شخصية ذات تكوين فكري واسع، تجاوز حدود التأهيل التقليدي لرجل الإدارة في ذلك الزمن.

ويكشف ذلك عن تكوين فكري فلسفي مركب جمع بين التأسيس الشرعي والعمق المعرفي والتعلم الذاتي والانفتاح على ثقافة العصر. من جانب آخر، يمكن رؤية هذا التكوين المتداخل (دروس المشايخ، والاطلاع المبكر على المطبوعات الحديثة، والمطارحات الفكرية، والتعلم الذاتي)، وتأثيره على شخصية الأمير مساعد التي تعددت أبعادها وجمعت بين الانضباط الشرعي والرؤية الواسعة والصرامة الإدارية.

الأمير مساعد بن عبد الرحمن

وعلى رغم الخلفية الشرعية للأمير مساعد، ووصف أبا الخيل له بأنه فقيه ورجل اجتهاد شرعي، فإنني لاحظت اتسام شخصيته بقوة الحجة مع قوة الشخصية، وجمعه بين الهيبة والتواضع، والبساطة والصرامة. كما رأيت في فكره جانبين قلما توفرا في كثير من رجالات الزمن الذي عاش فيه...

أولهما الحس القانوني، الذي لاحظته من خلال حضوري بعض مجالسه في الطائف والاستماع لأحاديثه ورؤاه، تؤيد ذلك بصمته التنظيمية في الأجهزة التي تولاها، والتي ما زال أثرها باقياً حتى اليوم، ويبرز ذلك تحديداً في ديواني المظالم والمراقبة العامة، ثم في وزارة المالية، إضافة إلى شهادة الشيخ صالح الحصين الخبير القانوني لوزارة المالية في عهد الأمير مساعد: «كان في نقاشه حول الفقه أو (القانون) أو الاقتصاد أو السياسة كثيراً ما يحرج - بمعارفه – ذوي الاختصاص من الخبراء الأجانب الذين قد يكونون في البداية متعالين بخبراتهم، ثم يجدون أنفسهم أمام رجل محيط بالأمور، متفهم لأبعادها».

أما ثانيهما فهي النزعة الإصلاحية من خلال مشروعه الفكري الذي تمثل في أفكاره ورؤاه تجاه الإصلاح وتجديد الفكر وتطوير المجتمع؛ فالرجل منذ صغره مهتم بالصالح العام ومستقبل الأمة، وهو لم يكن مُنَظِّراً، فقد حاول تطبيق ما يدعو إليه، ليس في حياته الخاصة فحسب، بل في كل المسؤوليات والمهام التي أوكلت إليه، واستمر على ذلك طوال حياته.

اللافت في ذلك أنه في عام 1940 وهو في العشرينات من عمره، حرّر رسالتين بثّ فيهما بعض أفكاره ورؤاه، وأحسبهما بداية التأسيس لمشروعه الفكري. أما العنوان الذي اختاره للسلسلة الفكرية التي بدأ في نشرها وكان ينوي الاستمرار في إصدارها «نصيحة إلى إخواني في الدين والنسب»، وجاءت الرسالة الأولى بعنوان «الغايات التي يرمي إليها الإسلام وموقفنا منها وبيان ما يجب عمله»، والثانية بعنوان «في التربية والتعليم»، ونادى فيهما بالإصلاح العام ونهضة المجتمع، ومواكبة العصر، وتطوير التعليم ووجوب تعلم الفنون والعلوم، وتشجيع النشر وفتح أندية عامة، وإنشاء مدارس للبنات ونوادٍ خاصة للنساء، وغيرها من الأفكار التي لم تكن محل ترحيب في ذلك الوقت، فتوقف عن إصدار مزيد منها.

واللافت هنا ليس الأفكار وحدها، بل تاريخ طرحها، فبعض ما دعا إليه في مطلع الأربعينات لم يصبح جزءاً من التحول الاجتماعي والتعليمي إلا بعد سنوات طويلة، ومن هذه الزاوية يمكن فهم وصف أفكاره بأنها تجاوزت البيئة الزمنية التي ظهرت فيها.

يقول الدكتور عبد الرحمن الشبيلي إن الأمير مساعد في طرقه واستعراضه لمواضيع الرسالتين، اتبع منهجية المؤرخين وعلماء الاجتماع في اعتماد فلسفة التاريخ، مع استنتاج العبر من دراسة الأسباب والمؤثرات، وإن ما حوتاه من فكر مستنير، وآراء متطورة، تجاوز بهما العصر الذي كتبتا فيه، والمحيط والبيئة اللتين ظهرا فيهما.

أما مشواره السياسي والإداري فبدأ بحضور مجالس الملك عبد العزيز، ثم الملك سعود، مع كبار المستشارين من دون تعيينه رسمياً، وأول منصب تولاه هو رئاسة ديوان المظالم (أكتوبر - تشرين الأول 1954)، ثم مراقبة حسابات الدولة (يونيو - حزيران 1957)، فمستشاراً للملك، ووزير دولة، وعضواً في مجلس الوزراء (أغسطس - آب 1957)، إلى جانب رئاسته لديواني المظالم والمراقبة العامة، فوزيراً للداخلية (يوليو - تموز 1960)، ثم وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني (مارس - آذار 1962) حتى طلبه الإعفاء (أغسطس 1975)، وخلال هذه المسيرة كلّف بعدد من المهام السياسية، ورأس عدداً من المجالس واللجان. منها؛ اللجنة الخاصة، وكذلك لجنة الشؤون الإسلامية في الديوان الملكي.

بيد أن هناك 3 محطات لافتة في مسيرته السياسية والإدارية، تدل كلها على قدراته الفكرية ومكانته السياسية، وتعكس ملامح من شخصيته، ومع ذلك لم يُلقَ الضوء عليها...

الأولى: ترشيحه لوزارة المعارف في عهد الملك عبد العزيز، إذ طلب منه الملك إبداء ما يريده، يقول الأمير: «فعرضت بعض الأمور التي يتوقف عليها نجاحي، لكن الحساسيات كانت كثيرة في ذلك الوقت أمام الإصلاح والتغيير في التعليم، فجُمد الوضع».

الثانية: رئاسته مجلس الوزراء بالنيابة، ونصّ البيان الصادر من ديوان رئاسة مجلس الوزراء عن توكيله للقيام بعمل رئيس المجلس الأمير (الملك) فيصل أثناء غيابه في رحلته الاستشفائية بسويسرا (أكتوبر إلى ديسمبر - كانون الأول 1959)، وأحسب الأمير مساعد الوحيد الذي حمل لقب رئيس مجلس الوزراء بالنيابة.

الثالثة: أنه تولى رئاسة لجنة إعداد النظام الأساسي للحكم، المشكلة بقرار من مجلس الوزراء بعد إعلان البيان الوزاري المعروف ببرنامج النقاط العشر (نوفمبر - تشرين الثاني 1962). اللجنة ضمّت في عضويتها: الوزراء إبراهيم السويل وأحمد زكي يماني وعبد الرحمن أبا الخيل، والقاضي الشيخ محمد بن جبير، وعضو مجلس الشورى أحمد محمد جمال. ويظهر لي أن اللجنة استكملت عملها وأعدت مشروع النظام إلا أن الظروف وقتذاك لم تكن مواتية لإقراره.

ذلكم هو الأمير المفكر مساعد ابن الإمام عبد الرحمن، الذي كان جسراً بين جيل الإمام وجيل الوزارة، الوزير في دولة المؤسسات، والمفكر الذي أسس قواعد ونظريات للعمل الحكومي ما زال العمل بها قائماً، وكتب مبكراً في الإصلاح والتطوير والتربية، والمثقف الذي فتح مكتبته الخاصة للعموم، قبل أن تفتح المكتبات العامة، والفقيه المتبحر في علوم الشريعة ومقاصدها، الذي أسّس ديواني المظالم والمراقبة، قبل أن يصبح القضاء الإداري والرقابة المالية تقليداً راسخاً، وأدار المالية أكثر من عقد، في أهم سنوات بناء الاقتصاد الحديث، علاوة على أنه كان جامعة تخرج فيه كبار رجالات الدولة، من دون أن يحصل على شهادة جامعية.


مقالات ذات صلة

السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

الخليج صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)

السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

حين تدفّق النفط من بئر الدمام عام 1938، كانت السعودية قد مضى على إعلان توحيدها نحو 6 أعوام، وكان البحث عن موارد تعين على بنائها حاضراً في قرارات الملك المؤسس.

بدر الخريف (الرياض)
الخليج الملك سلمان من الرياض يرأس القمة الافتراضية الاستثنائية لقادة مجموعة العشرين خلال جائحة «كورونا» (واس)

السعودية تحتفي بيومها الوطني باقتصاد رقمي يقارب سُدس ناتجها

في حين تستقبل السعودية يومها الوطني، اتسع حضور الاقتصاد الرقمي في البلاد حتى بلغت مساهمته نحو 16 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2025.

بدر الخريف (الرياض)
الخليج من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)

عن البناء المؤسسي للدولة السعودية... مائة عام على «التعليمات الأساسية»

مائة عام تفصل بين «التعليمات الأساسية» و«رؤية 2030»، في مسيرة سعودية متصلة لبناء المؤسسات وترسيخ الثوابت وتطوير أدوات الدولة.

بندر بن عبد الرحمن بن معمر
عالم الاعمال تواصل مجموعة stc فعالياتها بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96 (الشرق الأوسط)

«stc» تحتفي باليوم الوطني بموروث مناطق المملكة وتجارب تفاعلية

تواصل مجموعة stc، لليوم الثالث على التوالي، فعالياتها بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج يعبر الشعار عن قيم الأصالة المتجذّرة في طباع السعوديين وهويتهم الوطنية (هيئة الترفيه)

«عزّنا بطبعنا» شعار اليوم الوطني السعودي لعام 2026

أطلق المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه في السعودية، الاثنين، الهوية الرسمية لليوم الوطني للبلاد لعام 2026 تحت شعار «عزّنا بطبعنا».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أمير قطر أمام الأمم المتحدة: المنطقة في أخطر مراحلها

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

أمير قطر أمام الأمم المتحدة: المنطقة في أخطر مراحلها

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)

أكد الشيخ تميم بن حمد، أمير دولة قطر، الثلاثاء، أن المنطقة تمر بواحدة من أخطر مراحلها، مشيراً إلى أن السبيل لحل الخلافات هو الحوار والتفاوض للتوصل إلى حلول عادلة على أسس منبثقة من القانون الدولي.

وقال أمير قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك، إن «إغلاق ممر مائي دولي (مضيق هرمز) يعبره ربع تجارة الطاقة في العالم، وتحويل شرايين الاقتصاد العالمي إلى أوراق ضغط ومساومة يدفع ثمنه الناس في كل قارة».

ولفت إلى أن قطر «ظلَّت وسيطاً موثوقاً تحذر من أن الزمن لا يحل النزاعات المعلقة دون تسوية عادلة بل يضاعف كلفتها»، منوهاً بأنها «لا تكتفي بدور الوساطة وتيسير الحوار بين أطراف النزاعات بل تبذل جهوداً في الاستجابة الإنسانية لمعاناة الناس نتيجة للحروب والكوارث الطبيعية».

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر يلقي كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وأضاف الشيخ تميم بن حمد: «لا يستقيم الحديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين نقطة عمياء فيه»، عادّاً «ما جرى في غزة إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ووصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء».

وأشار إلى أن قطر «لم تتوقف عن بذل جهود الوساطة لوقف نزيف الدم، وتخفيف معاناة المدنيين، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين حتى تحقق وقف إطلاق النار»، مبيناً أن «العدوان الإسرائيلي امتد ليطاول دول الجوار وأمن المنطقة ومن بينها سوريا».

وجدَّد أمير قطر دعم بلاده مؤسسات الدولة في لبنان وسيادتها على كامل أراضيها، معرباً عن إدانتها الاعتداءات الإسرائيلية عليها، ومؤكداً ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن.

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر لدى إلقائه كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وواصل: «في الوقت الذي نبذل فيه كل ما في وسعنا لتدارك الأوضاع بالجهود الدبلوماسية، عززنا صمودنا دفاعاً عن سيادتنا وأرضنا وشعبنا وعن مقومات حياتنا الطبيعية، وصممنا خططاً اقتصادية مرنة».

وتابع الشيخ تميم بن حمد: «خيارنا في كل أزمة هو الجمع بين الثبات والمرونة وإعلاء مصلحة وطننا وشعبنا والمقيمين على أرضنا، وقيمنا ليست شعاراً نرفعه بل واقعاً نعيشه ونهجاً نمارسه».

وشدَّد على مواصلة بلاده «الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030»، لافتاً إلى أنها «تبقى فضاءً مفتوحاً للحوار والتفاعل الثقافي بين الشعوب وتبادل الآراء والتجارب».


فيصل بن فرحان يشارك في افتتاح أعمال «جمعية الأمم المتحدة»

الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
TT

فيصل بن فرحان يشارك في افتتاح أعمال «جمعية الأمم المتحدة»

الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)

ترأّس الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، الثلاثاء، وفد بلاده المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ81، التي تستضيفها مدينة نيويورك الأميركية.

وضم وفد السعودية في افتتاح أعمال الجمعية، الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة لدى الولايات المتحدة، وعادل الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والدكتور عبد الرحمن الرسي وكيل وزارة الخارجية للشؤون الدولية المتعددة والمشرف العام على وكالة الوزارة لشؤون الدبلوماسية العامة، والأمير مصعب بن محمد الفرحان مستشار وزير الخارجية للشؤون السياسية، والسفير الدكتور عبد العزيز الواصل المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

وفد السعودية المشارك خلال افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)

كان الأمير فيصل بن فرحان قد أكد في تصريح، الاثنين الماضي، أن مشاركة السعودية في أعمال الجمعية تأتي امتداداً لنهجها في التفاعل مع المجتمع الدولي، ومواصلة دورها في دعم السلم والأمن الدوليين، وتفعيل الحوار والوساطة، والإسهام في مواجهة التحديات المشتركة.

وأضاف وزير الخارجية السعودي أن بلاده تنظر إلى أعمال الدورة المنعقدة تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحوُّل... أمم متحدة تلبي تطلعات الجميع»، بوصفها فرصة لتجديد التأكيد على المبادئ التي أُنشِئت من أجلها المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بما فيها الاضطلاع بدورها في إحلال الأمن والسلام، وترسيخ القوانين والأعراف الدولية، وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الأزمات.

جانب من افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 بمدينة نيويورك (واس)

وأضاف الأمير فيصل بن فرحان أن السعودية تؤكد مع التطورات الراهنة في المنطقة، ضرورة التمسُّك بمبادئ القانون الدولي، واحترام سيادة الدول، وحل النزاعات بالوسائل السلمية، وضمان سلامة وحرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، بما يحفظ أمن الدول كافة، ويحقق تطلعات شعوبها.

وأشار وزير الخارجية إلى أن السعودية تولي، في مشاركتها هذا العام، اهتماماً بالتنمية المستدامة، وفي مقدمتها تقنيات الذكاء الاصطناعي وسبل الاستفادة منها بصورة مسؤولة في تطوير القطاعات ورفع كفاءتها ودعم الابتكار، بما يحقق عوائد ملموسة للشعوب، بالتزامن مع تسمية المملكة عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي».


السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
TT

السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)

حين تدفّق النفط من بئر الدمام رقم 7 عام 1938، كانت السعودية قد مضى على إعلان توحيدها نحو ستة أعوام، وكان البحث عن موارد تعين على بناء الدولة حاضراً في قرارات مؤسسها الملك عبد العزيز. وبعد سنوات من التنقيب والانتظار، حملت البئر، التي عُرفت لاحقاً باسم «بئر الخير»، بداية تحوّل اقتصادي امتد أثره إلى حياة الناس، وإلى المدن التي اتسعت، والطرق التي وصلت أطراف البلاد.

واليوم، فيما تستقبل المملكة يومها الوطني السادس والتسعين، تتسع حكاية الطاقة لتشمل صناعة النفط والغاز، ومشروعات الشمس والرياح، وآفاق الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وتستعيد البلاد هذه الرحلة في عام أظهرت فيه اضطرابات الإمداد خلال الحرب مع إيران قيمة ما بنته من منشآت ومنافذ تصدير بديلة، برز معها «ينبع» على ساحل البحر الأحمر بوصفه أحد المواقع التي أسهمت في استمرار وصول النفط السعودي إلى الأسواق.

البئر التي فتحت الطريق

بدأت إحدى المحطات الحاسمة في هذه الرحلة بتوقيع امتياز التنقيب عام 1933 مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا». وفتح القرار مجالاً لاستكشاف ثروات لم تكن حدودها معروفة، في دولة وضعت التوحيد أساساً لبناء مؤسساتها وتوسيع مواردها. غير أن الوصول إلى النفط بكميات تجارية تطلَّب سنوات من العمل، تخلّلتها نتائج محدودة وأعطال فنية وضغوط بسبب تكلفة التنقيب.

وتحفظ الرواية التاريخية المنشورة في «أرامكو وورلد» تفاصيل من تلك الصعوبات؛ من تعثّر أدوات الحفر وتساقط الصخور داخل البئر، إلى القلق المتزايد بشأن جدوى مواصلة الإنفاق. وفي تلك الأجواء، تمسّك الجيولوجي ماكس ستاينكي بقناعته بأن الاستمرار يستحق المحاولة، مستنداً إلى ما جمعه من شواهد خلال عمله الميداني. وجاءت اختبارات مارس (آذار) 1938 لتثبت وجود إنتاج تجاري، وتفتح الطريق أمام التوسع.

وحول مواقع التنقيب، أخذت تنشأ متطلبات حياة وعمل جديدة. احتاجت الآلات إلى صيانة، واحتاج العاملون إلى مساكن وماء وطرق، واتسعت الحاجة إلى التدريب والنقل والخدمات. ومن هذه التفاصيل اليومية يمكن قراءة جانب من التحوّل؛ إذ دخل السعوديون أعمالاً ومهارات ارتبطت بالصناعة الحديثة، وأصبحت الخبرة التي يكتسبها العامل في موقعه جزءاً من الثروة التي تتراكم فوق الأرض.

جانب من العمل في محطة سكاكا لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية (واس)

صناعة تتسع وخبرة تتراكم

ومع تعاقب العقود، تطورت الصناعة، واتسع الحضور السعودي في إدارتها. واكتملت ملكية الحكومة لأرامكو عام 1980، ثم تأسست شركة الزيت العربية السعودية «أرامكو السعودية» عام 1988. وحملت هذه المسيرة انتقالاً في المسؤولية والقدرة على إدارة الموارد، بالتوازي مع نمو أعمال التكرير والتسويق والاستثمار في الخارج.

وأصبح للبرميل امتداد داخل الاقتصاد؛ من تشغيل المصافي إلى الصناعات التي تستخدم مشتقاته، وما يتصل بها من مقاولات وخدمات هندسية. ومع توسّع هذه الأنشطة، ازدادت أهمية الجامعات والتدريب المهني والبحث التطبيقي، بما يجعل المعرفة المحلية قادرة على تشغيل المنشآت وتطويرها. فالقدرة على إدارة حقل أو مصفاة تتراكم عبر سنوات من العمل، ثم تنتقل من جيل إلى آخر داخل المؤسسة.

ينبع في اختبار الحرب

وخلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في 2026، أظهرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز أهمية تعدّد منافذ التصدير. وأوردت وكالة «رويترز»، في الثاني من أبريل (نيسان)، أن صادرات الخام السعودي عبر ينبع ارتفعت إلى نحو 4.6 مليون برميل يومياً مع تحويل مسارات الشحن. وجاء ذلك في وقت اضطرت فيه دول منتجة، بينها السعودية، إلى خفض الإنتاج بسبب تعطل المرور عبر المضيق.

واستندت هذه الاستجابة إلى خط أنابيب «شرق - غرب» ومرافق التخزين والتصدير التي أُنشئت وطُوّرت على مدى عقود. وأتاحت هذه المنظومة نقل جانب كبير من الإمدادات إلى البحر الأحمر، فظهرت القيمة العملية للاستثمار في منفذ بديل يستطيع استقبال النفط وتخزينه وتحميله عندما يتعثر المسار المعتاد. واستفادت المملكة بذلك من امتدادها بين ساحلين، ومن البنية التي تصل مناطق الإنتاج بمنافذ التسويق.

وفي بيان نتائج النصف الأول من 2026، أوضح رئيس أرامكو وكبير إدارييها التنفيذيين أمين الناصر، أن التخطيط الممتد لعقود، بما يشمله من خطوط أنابيب وتخزين ومرافئ، ساعد الشركة على مواصلة الإنتاج والتصدير رغم اضطرابات هرمز. وأعلنت «أرامكو» صافي دخل معدّلاً بلغ 67.2 مليار دولار للنصف الأول، وهو مؤشر إلى قدرتها المالية خلال تلك الفترة المضطربة.

صورة أرشيفية لمرافق التخزين والأرصفة في ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)

وتقدّم تجربة ينبع مثالاً ملموساً على مرونة قطاع الطاقة السعودي؛ فقد مكّنت الاستثمارات السابقة من الحد من تعطل الإمدادات، وأبقت جزءاً مهماً من النشاط التجاري قائماً تحت الضغط. وتظل الحرب مكلفة للإنتاج والنقل والأسواق، فيما تساعد البدائل الجاهزة على احتواء بعض آثارها، وتمنح إدارة الاقتصاد مجالاً أوسع للتعامل مع الصدمات.

خيارات أوسع للطاقة

وتوازي المحافظة على قدرات الصناعة النفطية خطوات لتنويع مصادر الطاقة؛ ففي يوليو (تموز) 2025، أُعلنت اتفاقات شراء طاقة لمشروعات شمسية ورياح بقدرة إجمالية تبلغ 15 غيغاواط، باستثمارات تقارب 8.3 مليار دولار، عبر تحالف تقوده «أكوا باور». وتأتي هذه المشروعات في سياق استهداف توليد نحو نصف الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، بما يوسّع الاستفادة من موارد الشمس والرياح في المملكة.

ويشمل التوسع قطاع الغاز أيضاً؛ إذ أفادت نتائج «أرامكو» للنصف الأول من 2026 باستمرار إنتاج المرحلة الأولى من الجافورة من غاز البيع والمكثفات، ومواصلة أعمال المرحلة الثانية المتوقع إنجازها في 2027. ويضيف تطوير الغاز مورداً يمكن توظيفه في توليد الكهرباء والصناعة، ويمنح منظومة الطاقة خيارات أوسع لتلبية الطلب المحلي.

وتحمل هذه الاستثمارات أثراً يتجاوز مواقع التوليد نفسها؛ فالمشروعات تحتاج إلى شبكات تنقل الكهرباء، ومورّدين يوفّرون المعدات، وكفاءات تتولى التشغيل والصيانة. وتزداد قيمة التنويع حين يرتبط ببناء هذه القدرات داخل المملكة، وبتوسيع مشاركة المنشآت المحلية في الأعمال، بحيث يرافق نمو الإمدادات نموٌّ في الخبرة والفرص الاقتصادية.

آفاق التقنية النووية

وفي هذا السياق، تبرز الطاقة النووية السلمية ضمن الخيارات التي تعمل السعودية على تطويرها لتلبية احتياجاتها المستقبلية. وتتيح هذه التقنية إنتاج كهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية؛ إذ تُستخدم الحرارة الناتجة من الانشطار النووي في تشغيل منظومة توليد الكهرباء. وبحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن تشغيل المحطات النووية لا يُنتج عملياً انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تصاحب حرق الوقود الأحفوري.

ويحتاج بناء برنامج نووي إلى إعداد طويل، يشمل الكوادر والتراخيص والرقابة، وترتيبات الوقود وإدارة النفايات المشعّة. وتوفّر الوكالة الدولية إرشادات ومراجعات للدول التي تطوّر برامجها، بما يساعدها على بناء المؤسسات والخبرات اللازمة. ومن هنا، يرتبط الطموح السعودي في هذا المجال بامتلاك القدرة على إدارة التقنية واستيعاب متطلباتها على امتداد عمر المشروع.

شراكة سعودية - أميركية

وضمن الشراكات التي تخدم هذا المسار، حملت الزيارتان المتبادلتان للرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان محطات للتعاون. ففي زيارة ترمب إلى الرياض في مايو (أيار) 2025، شملت المباحثات ملفات الطاقة والتقنية والمعادن والبنية التحتية. ثم شهدت زيارة ولي العهد إلى واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه إعلان استكمال مفاوضات التعاون في الطاقة النووية المدنية، إلى جانب اتفاقات في مجالات أخرى.

وفي 22 يوليو (تموز) 2026، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية توقيع اتفاق للتعاون النووي السلمي، المعروف باتفاق «المادة الـ123»، بين وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان، ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت. وأفاد البيان بأن الاتفاق يضع أساساً قانونياً لشراكة طويلة الأمد، وذكر أنه سيُحال إلى الكونغرس للمراجعة. وتندرج هذه الخطوة ضمن مراحل تأسيس التعاون، تمهيداً لما قد يتبعها من مشروعات وترتيبات تنفيذية.

وتكتسب هذه الشراكات قيمتها بقدر ما تتيحه من وصول إلى التقنيات والخبرات، وما تسهم به في تطوير القدرات السعودية. فالمشروع الذي يبدأ باتفاق يحتاج، عند تنفيذه، إلى مؤسسات وكفاءات تستطيع تحويله إلى إنتاج وخدمات، وربطه باحتياجات الاقتصاد المحلي.

امتداد لحكاية الاستدامة

وفي هذه الرحلة، تبقى الخبرة السعودية عنصراً يصل المراحل ببعضها؛ من العامل الذي تعلّم صيانة معدات الحفر، إلى المهندس الذي يدير شبكة الإمداد، والباحث الذي يستعد لتطبيقات جديدة للطاقة. وكلما اتسعت قدرة المؤسسات على إعداد هؤلاء وتأهيل مَن يأتي بعدهم، اتسعت قدرتها على الاستفادة من الموارد ومواجهة التغيرات.

وتستحضر السعودية في يومها الوطني «بئر الخير» بوصفها بداية فصل اقتصادي مهم في دولة سبق أن وحّدت أرضها. وبعد ثمانية وثمانين عاماً على الاكتشاف، تظهر ثمار تلك الرحلة في صناعة متكاملة، ومنافذ تصدير برهنت على أهميتها وقت الأزمات، ومصادر جديدة يجري تطويرها. وتواصل البلاد، بما راكمته من خبرة، كتابة الفصل التالي من حكاية الطاقة، وتوسيع ما تمنحه هذه الحكاية لأجيالها المقبلة.