في المسرح، قد تمنح الحكاية العرض مدخله، لكنّ قيمته تتحدَّد بما تستطيع الكتابة استخراجه من احتمالاتها الإنسانية، وبالكيفية التي تتجسَّد بها هذه الاحتمالات على الخشبة. في «يلّا Unmatch»، كتابة ريّسا البرجي وإخراجها، المعروضة في «المونو»، تتآلف مقوّمات العمل ضمن رؤية تمتلك تماسكها الدرامي وحساسيّتها النفسية، وتُحسِن الموازنة بين المتعة المسرحية والكثافة الشعورية، من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.
تبدأ الحكاية من زوجين شابّين جمعتهما تطبيقات المواعدة، ويعودان إلى البدايات لاستحضار ما تَعاقب على علاقتهما من انجذاب وتوقّعات وتحوّلات. وإنما الاستعادة تحمل وظيفة تتخطَّى استحضار الوقائع الماضية. فما مرّ في بدايات العلاقة من دون أن يستوقف الشخصيتَيْن، تتجلّى أبعاده مع تطوّر الحكاية، وتتّضح صلته بما انتهت إليه حياتهما المشتركة.
بذلك يصبح الزمن عنصراً درامياً فاعلاً، وتُشكّل العودة إلى البدايات وسيلة لفَهْم ما تراكَم بين شخصين اعتقدا ذات يوم أنّ اختيارهما المتبادل كافٍ لطمأنتهما.

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي. فالأسرة تترك أثرها في الطريقة التي نطلب بها الحبّ، وفي مقدار ما نحتمله من غياب أو رفض، وفي أشكال الطمأنينة التي ننتظرها من الآخر. وقد تتحوّل العلاقة من حيث لا ينتبه طرفاها إلى محاولة متبادَلة لمعالجة حرمان سابق، فيما يظلّ كلّ منهما عاجزاً عن تسمية ما ينقصه. وتبلغ مفارقة الارتباط ذروتها في وحدة قد يعيشها الإنسان إلى جوار مَن يحبّ، تحت سقف واحد، وفي حياة اعتقد أنها ستمنحه ما افتقده طويلاً.
يتأكد تماسك النصّ من قدرته على استيعاب هذه التعقيدات ضمن كتابة تحتفظ بخفّتها الإيقاعية وامتلائها الدلالي. للكوميديا وظيفة تتّصل بطبيعة الشخصيات وآليات دفاعها النفسي. فالإنسان كثيراً ما يسخر ممّا يعجز عن مواجهته، ويُحوّل حيرته إلى نكتة، ويستعين بالضحك لتأجيل اعتراف يخشاه. وحين تنقلب النبرة، يكون الانفعال قد تهيّأ داخل المشهد واكتسب مشروعيته من مسار الشخصيات. الدموع والضحكات تنتميان إلى نسيج نفسي واحد، وتتبادلان كَشْف ما يتعذّر التعبير عنه صراحةً.

وتُظهِر المعالجة الإخراجية وعياً بإدارة هذه التقلّبات، وبالحفاظ على إيقاع يسمح للمشهد بأن يستوفي احتمالاته قبل الانتقال إلى سواه. ويمنح توظيف الاستعادة العرضَ حركةً داخلية مستمرّة، فيما تواكب إضاءة علي بليبل التشكيل البصري للحالات الدرامية، في إطار اشتغال مسرحي تتحدَّد قيمته بتكامُل عناصره.
تُسهم جنى أبي غصن، المُنتجة أيضاً، وعامر فياض في إكساب العمل جانباً أساسياً من كثافته. يتنقّلان بين الشخصيات من خلال تبدّلات تتّصل بتكوين كلّ منها، ويُظهِران وعياً بأنّ التحوّل التمثيلي يتطلَّب إعادة تشكيل الحضور الجسدي والنفسي، بعيداً عن الاكتفاء بتغيير النبرة أو الهيئة.
وتتبدَّى دقّة اشتغالهما خصوصاً في التعبير الوجهي، حين تتعاقب على الملامح مشاعر متنافرة، ويُصبح الوجه حاملاً لِما تكتمه الشخصية أو تحاول إنكاره. تتشكّل الحالات الانفعالية عبر مستويات متزامنة، فقد يقول الصوت شيئاً فيما تفضح العينان شيئاً آخر، وقد تختزن ابتسامة مقداراً من الخيبة يعجز الحوار عن استنفاده. وتحضر ناتاشا رزق ضمن التكوين التمثيلي للعرض.
في «يلّا Unmatch»، نتابع تجربة مسرحية منضبطة في أدواتها، تتيح للجمهور أن يجد صلاته الخاصة بما يُعرَض أمامه، من دون أن تُملي عليه استجابة بعينها. وتبقى أهميتها في قدرتها على تحويل حكاية عاطفية معاصرة إلى تفكير في الإنسان الذي يبحث عن الحبّ مُحمَّلاً بما لم يتصالح معه بعد في نفسه، ويكتشف أنّ مشاركة الحياة مع آخر قد تُعمّق وحدته بقدر ما تمنحه الأمل في الخلاص منها.






