واجهت بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا انتقادات حادة إثر دخولها على خط تنفيذ سلطات بنغازي أحكام إعدام بحق «مدانين بالإرهاب».
وتحدثت البعثة، مساء الأربعاء، عن قيام سلطات شرق ليبيا بإعدام «أكثر من 30 شخصاً خلال الأسابيع الأخيرة»، وأعربت عن «قلقها البالغ» إزاء هذه العمليات، داعية السلطات إلى «الوقف الفوري لأي عمليات إعدام إضافية».
وقال محللون سياسيون مقربون من «الجيش الوطني» إن البعثة «تتجاهل معاناة الشعب الليبي مع التنظيمات الإرهابية الدولية، التي سبق أن غزت البلاد في أعقاب سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي عام 2011، وأمعنت في التنكيل والقتل».

وتحدث ثلاثة محللين إلى «الشرق الأوسط»، رافضين ذكر أسمائهم، وقالوا: «ماذا كانت تنتظر البعثة؟ هل تُكرم السلطات العسكرية في بنغازي رؤوس التنظيم بدلاً من محاكمتهم ومعاقبتهم؟».
وكان «داعش» قد اتخذ من درنة وسرت معقلين له في وسط ليبيا وشرقها منذ عام 2014، وبدأ في فرض قبضته عبر تحصيل «الجزية»، وتنفيذ إعدامات بحق المناوئين من المدنيين والعسكريين، قبل أن يتمكن «الجيش الوطني» من طرده من هذه المناطق في 28 يونيو (حزيران) 2018.
وانتقد محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، البيان الصادر عن البعثة الأممية، وقال متسائلاً: «أين كانت البعثة ومنظمة العفو الدولية، ودكاكين حقوق الإنسان الوهمية مما جرى في ليبيا على يد الإرهابيين؟».
واستحضر بعيو، مثل غيره من الليبيين، جرائم «داعش» في عدة مدن ليبية، مستذكراً «الزمن الأسود قبل سنوات ليست ببعيدة، حين كانت خناجر الإرهابيين تنحر الأبرياء في بنغازي ودرنة، وسرت وبراك الشاطئ وأجدابيا والقبة، وتُعلّق جثث المدنيين على بوابة الزعفران عند مدخل سرت، فضلاً عن اغتيال ضباط الجيش والشرطة بالعبوات الناسفة».
وانتهى بعيو إلى الدفاع عن عمليات تنفيذ الإعدام في بنغازي، وقال إن في «القصاص حياة، وذلك أمر الله يؤمن به أولو الألباب ويخالفه المرجفون».
وأوضحت البعثة في بيانها أنه منذ ظهور التقارير الأولى عن هذه الإعدامات، أجرت اتصالات مكثفة مع السلطات المعنية في شرق ليبيا، وحثتها على تعليق تنفيذ أحكام الإعدام، وإخضاع الحالات المعنية بهذه الأحكام لمراجعة دقيقة وذات مصداقية، تتوافق مع التزامات ليبيا في مجال حقوق الإنسان، بموجب القانونين الوطني والدولي، وأعربت عن «أسفها العميق لكون عمليات الإعدام استمرت رغم هذه الجهود».

وحثت البعثة من جديد السلطات في شرق ليبيا على التواصل مع فريق حقوق الإنسان الأممي «لمناقشة ومراجعة الإجراءات المتبعة، بما يضمن التقيد التام بمعايير المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة، مع الإقرار بحقوق الضحايا وأسرهم». مبرزة أن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أشار في بيانه بتاريخ 26 أغسطس (آب) إلى أن هذه الإعدامات تمثل نهاية الوقف الفعلي لتطبيق عقوبة الإعدام في ليبيا، الذي كان يُعمل به على مدى نحو 15 عاماً.
وأوضحت البعثة أن «استئناف تنفيذ هذه العقوبة يثير مخاوف حقيقية تتعلق بحقوق الإنسان، في وقت تبرز فيه الأهمية البالغة لضرورة تعزيز ثقة عموم الليبيين في مؤسسات الدولة، وسيادة القانون والمصالحة الوطنية».
كما أقرت البعثة بـ«مسؤولية السلطات الليبية المختصة في حماية المواطنين، وضمان المساءلة عن الأعمال الإرهابية، وغيرها من الجرائم الخطيرة». وقالت إنها «تدرك حجم المعاناة والمظالم التي تعرض لها ضحايا هذه الأفعال، وتقر بالتطلعات المشروعة لأسرهم في تحقيق العدالة».
وانتهت البعثة الأممية مؤكدة «استعدادها للتعاون البنّاء مع السلطات المعنية، دعماً للامتثال الكامل لالتزامات ليبيا في مجال حقوق الإنسان، وتعزيز نظام العدالة، وحماية الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة».
وفي 23 أغسطس الماضي، أعلن مكتب المدعي العام العسكري بالقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، تنفيذ إعدام 10 مُدانين بـ«الإرهاب» في بنغازي رمياً بالرصاص، تنفيذاً لأحكام المحكمة العسكرية العليا؛ وقال حينها إن الأحكام جاءت «عقب مداولات قضائية استمرت لسنوات، وبعد استيفاء الإجراءات القانونية المتعلقة بالادعاء والدفاع، وانتهائها إلى ثبوت التهم المنسوبة إلى المدانين».
واستغربت «منظمة سجين الحقوقية الإنسانية» ما قالت إنه «محدودية التحرك الرسمي والدولي تجاه ملف الإعدامات، التي نُفذت مؤخراً في ليبيا؛ رغم خطورة هذه التطورات، وما تثيره من مخاوف جدية تتعلق بالحق في الحياة، وسلامة الإجراءات القضائية، واستقلال القضاء، وحق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة».
وقالت المنظمة إنها تستهجن «عدم التحرك العاجل والفعّال من جانب رئاسة المجلس الرئاسي، وحكومة (الوحدة الوطنية) المؤقتة، ومكتب النائب العام تجاه ما تم تنفيذه من أحكام إعدام، وما تلاه من الإعلان عن أحكام جديدة، رغم المطالبات والمذكرات، التي تقدمت بها المنظمة إلى الجهات المختصة، وما تم طرحه من مخاوف ووقائع تستوجب التحقيق». مشيرة إلى أن «خطورة هذه القضية لا تسمح بالتعامل معها بوصفها شأناً قضائياً داخلياً فحسب، على أساس أن تنفيذ عقوبة الإعدام إجراء لا يمكن تدارك نتائجه إذا ثبت لاحقاً وجود خطأ قضائي، أو انتهاك لحقوق المتهمين».

وأدانت حكومة «الوحدة» في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي، ما قالت إنه «استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من نزلاء السجون بالمنطقة الشرقية؛ فضلاً عن سلامة المحاكمات والضمانات القانونية والقضائية لهم»، وطالبت بـ«الوقف الفوري لتنفيذ أحكام الإعدام، وأي إجراءات مماثلة، ومراجعة أوضاع المحكوم عليهم، وضمان حقهم في محاكمات عادلة، والدفاع والاستعانة بمحامٍ والتواصل مع ذويهم».



