السودان يتهم إثيوبيا بالسعي إلى التوسع في أراضيه... وصولاً إلى البحر الأحمر

طائرات مسيّرة تهاجم الدمازين... وتصاعُد المواجهات بين الجيش و«الدعم السريع»

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

السودان يتهم إثيوبيا بالسعي إلى التوسع في أراضيه... وصولاً إلى البحر الأحمر

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

اتهم رئيس أركان الجيش السوداني، الفريق أول ياسر العطا، إثيوبيا بالسعي إلى استغلال الحرب في بلاده للتوسع داخل الأراضي السودانية والسيطرة على مناطق حدودية، وربط بين اتهامات الخرطوم السابقة لأديس أبابا بدعم «قوات الدعم السريع» وبين ما وصفه بمخطط إثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر.

جاءت اتهامات العطا بالتزامن مع تعرّض مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق المحاذي لإثيوبيا، لهجوم ليلي بطائرات مسيّرة نسبته السلطات المحلية إلى «الدعم السريع»، وسط تصاعد المواجهات العسكرية في قيسان والكرمك والمناطق القريبة من الحدود الإثيوبية.

وقال العطا في مقابلة مع صحيفة «الشروق» المصرية، الأحد، إن إثيوبيا تسعى، مستغلةً ظروف الحرب، إلى السيطرة على أراضٍ ومناطق سودانية، وذكر من بينها الفشقة وجبل حلاوة وقيسان والكرمك والدمازين، متهماً أديس أبابا بدعم «الدعم السريع» والسماح باستخدام أراضيها في عمليات مرتبطة بالحرب.

رئيس أركان الجيش السوداني الفريق ياسر العطا مخاطباً قيادات عسكرية سودانية (سونا)

وحذّر من أن السيطرة على الفشقة والدمازين قد تكون، حسب قوله، جزءاً من مخطط إثيوبي أوسع للوصول إلى البحر الأحمر، مؤكداً أن الخرطوم لن تسمح بتنفيذه.

تأتي تصريحات المسؤول السوداني في وقت تكثّف فيه إثيوبيا تحركاتها السياسية والدبلوماسية للحصول على منفذ بحري، بعدما ظلت دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993.

وجدد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في فبراير (شباط) الماضي، أمام البرلمان، تمسك بلاده بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، وقال إن إثيوبيا، التي يقدّر عدد سكانها بنحو 130 مليون نسمة، تطالب بنحو 50 كيلومتراً من الساحل، واعتبر الوصول إلى البحر مسألة مرتبطة بالعدالة والحقوق التاريخية والجغرافية والاقتصادية لبلاده.

وشدد آبي أحمد في الوقت نفسه على أن إثيوبيا تسعى لتحقيق ذلك عبر الحوار والتفاوض والاتفاق مع دول المنطقة وليس باستخدام القوة. كما طرحت أديس أبابا خلال الفترة الماضية صيغاً تشمل الاستثمار المشترك والمقايضة الاقتصادية والترتيبات المتعلقة بالموانئ.

وتصاعد الجدل الإقليمي بشأن هذه المساعي خلال الأيام الماضية، بعدما أعلن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا دعم بلاده لجهود أديس أبابا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، وهو موقف أثار ردود فعل واهتماماً إقليمياً بالملف.

عناصر من الجيش السوداني في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

واتهم العطا إثيوبيا كذلك بالسماح بإطلاق طائرات مسيّرة من مطارات داخل أراضيها باتجاه السودان، وقال إن لدى الخرطوم صور أقمار اصطناعية ومعلومات استخباراتية تثبت ذلك، إلى جانب أدلة قال إنها استُخلصت من فحص طائرات مسيّرة أسقطها الجيش. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من الأدلة التي تحدث عنها العطا، علماً أن إثيوبيا سبق أن نفت اتهامات سودانية بدعم «الدعم السريع».

وتزامنت التصريحات مع هجوم بطائرات مسيّرة استهدف الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق خلال الساعات الأولى من يوم الاثنين. وقالت حكومة إقليم النيل الأزرق إن دفاعات الجيش تصدت للمسيّرات، من دون الإعلان عن وقوع خسائر، فيما أفاد شهود بسماع أصوات المضادات الأرضية وانفجارات، وقال أحدهم إن مسيّرة سقطت قرب مطار المدينة، ونشرت منصات تواصل صوراً لحرائق زعمت أنها في الدمازين.

تأتي التطورات وسط تصاعد القتال في إقليم النيل الأزرق، حيث يواجه الجيش السوداني «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال»، بقيادة عبد العزيز الحلو، وقوات الحليف السابق لـ«قوات الدعم السريع» عبد الرحمن البيشي، الذي قُتل في أثناء الحرب، وجميعها تخوض الحرب ضمن تحالف «تأسيس» الذي تقوده «الدعم السريع».

وتركزت المواجهات خلال الفترة الأخيرة في قيسان والكرمك والمناطق القريبة من الحدود الإثيوبية، فيما دفع الجيش بتعزيزات إضافية إلى الإقليم في محاولة لوقف تقدم خصومه وتأمين الدمازين واستعادة المناطق التي خسرها.

وخلال اليومين الماضيين، شهدت منطقة «جبل كدم»، شرق الكرمك وقرب الحدود الإثيوبية، معارك عنيفة أعلن الجيش بعدها صد هجوم لقوات خصومه والاستيلاء على 17 مركبة قتالية وتدمير خمس أخرى. كما أعلن إسقاط مسيّرة قال إنها دخلت المنطقة من اتجاه الحدود الإثيوبية.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال مشاركته في قمة بريكس بالهند يوم 12 سبتمبر 2026 (سبوتنيك - أ.ب)

ولم تبدأ الاتهامات السودانية لإثيوبيا مع تصريحات العطا الأخيرة، إذ سبق أن اتهمت الخرطوم أديس أبابا بتقديم تسهيلات عسكرية ولوجستية لـ«الدعم السريع» والسماح باستخدام أراضيها في نقل مقاتلين ومعدات وعمليات بالطائرات المسيّرة.

وتعززت هذه الاتهامات بعدما كشف تحقيق لوكالة «رويترز»، في فبراير (شباط) الماضي، استناداً إلى ثمانية مصادر وصور أقمار اصطناعية، عن إنشاء معسكر في إقليم بني شنقول - قُمز الإثيوبي لتدريب آلاف المقاتلين لصالح «الدعم السريع»، إلى جانب أنشطة مرتبطة بالطائرات المسيّرة في مطار «أصوصا»، ونفت إثيوبيا تقديم أي دعم لأحد طرفي الحرب السودانية.

وفي المقابل، تتهم أديس أبابا السودان بدعم وتسليح جماعات إثيوبية معارضة، خصوصاً قوى من إقليم تيغراي، وتقول إن وجودها داخل الأراضي السودانية يمثل تهديداً لأمنها.

وتشير تقارير بحثية مستقلة إلى مشاركة مقاتلين تيغراي في الحرب السودانية إلى جانب الجيش، ضمن تشكيل مسلح يعرف باسم «الجيش 70»، وقالت «مجموعة الأزمات الدولية» إن عدة آلاف من عناصر هذا الجيش الذين فروا إلى السودان خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قاتلوا إلى جانب القوات المسلحة السودانية ضد «الدعم السريع»، وإن عناصر من المجموعة ظلت موجودة في شرق السودان.

كما ذكرت المؤسسة الألمانية للشؤون الدولية والأمنية أن التشكيل المرتبط بقوات تيغراي تدخّل في الحرب السودانية إلى جانب الجيش، وأن وجود مقاتليه داخل السودان يمثّل أحد مصادر القلق الأمني لأديس أبابا.

وتعيد اتهامات العطا منطقة «الفشقة» إلى قلب التوتر بين السودان وإثيوبيا، وهي منطقة زراعية خصبة سودانية، لكنها ظلت لعقود موضع نزاع بسبب وجود مزارعين إثيوبيين فيها والخلاف بشأن تثبيت العلامات الحدودية.

وتصاعد النزاع أواخر عام 2020، عندما أعاد الجيش السوداني انتشاره في معظم مناطق الفشقة بالتزامن مع اندلاع حرب تيغراي، وأعقب ذلك عدد من المواجهات المسلحة بين القوات السودانية والإثيوبية.

وتمنح تصريحات العطا الأخيرة النزاع بعداً جديداً، إذ انتقلت الاتهامات السودانية من الحديث عن تقديم إثيوبيا دعماً عسكرياً ولوجستياً لـ«الدعم السريع» إلى اتهامها بالسعي للاستفادة من الحرب لإعادة رسم موازين السيطرة على الحدود وتحقيق مصالح جيوسياسية مرتبطة بالبحر الأحمر.

يأتي ذلك فيما تؤكد أديس أبابا بصورة متزايدة أن حصولها على منفذ بحري يمثل هدفاً استراتيجياً، مع تشديدها على أنها تسعى لتحقيقه بالوسائل السلمية والتفاوض مع دول المنطقة.


مقالات ذات صلة

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

شمال افريقيا تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تصاعدت العمليات العسكرية في النيل الأزرق، متزامنة مع حراك دبلوماسي وسياسي تضمن لقاءات بين الحكومة وقوى مدنية سياسية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

دعا قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الولايات المتحدة إلى إرسال فريق للتحقيق في أي مزاعم باستخدام الجيش للسلاح الكيماوي في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)

مجلس الأمن يمدد عقوبات دارفور لشهر بعد خلافات على توسيعها

جدد مجلس الأمن لشهر واحد فقط العقوبات المفروضة على دارفور وتتضمن حظر الأسلحة، في عملية وصفت بأنها «فنية»، بعد خلافات على توسيعها لكل السودان.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي سابق (إعلام مجلس الوزراء) p-circle

رئيس الوزراء السوداني يصف اتهامات «الكيماوي» بالكاذبة

وصف رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، الاتهامات باستخدام أسلحة كيماوية في الحرب بأنها «ادعاءات كاذبة».

أحمد يونس (نيروبي)
شمال افريقيا أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)

«الخماسية الدولية»: لا حل عسكرياً لحرب السودان

جدّدت «الآلية الخماسية»، المعنية بالسودان، رفضها الحل العسكري للحرب، ودعت من الخرطوم إلى مسار سياسي «موثوق وشامل»، يقود إلى حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.

وجدان طلحة (الخرطوم)

منظمة الهجرة تحذّر من انهيار نظامها للمساعدات في السودان «خلال أسابيع»

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)
TT

منظمة الهجرة تحذّر من انهيار نظامها للمساعدات في السودان «خلال أسابيع»

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)

حذّرت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، من خطر انهيار النظام الذي يمكّنها مع أكثر من مائة منظمة غير حكومية من إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، «خلال أسابيع»، بسبب الافتقار إلى تمويل كاف.

وقالت المديرة العامة للمنظمة آمي بوب في بيان: «من دون تمويل جديد، لن نتمكن من إيصال المساعدات إلى حيث تتعاظم الحاجة إليها».

عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

وأودت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023 بحياة أكثر من 200 ألف شخص، حسب تقديرات عاملين في المجال الإنساني، كما تسببت في أكبر أزمتي جوع ونزوح في العالم.


حملة مصرية لمواجهة «تعاطي المخدرات» بين سائقي حافلات المدارس

حملات مرورية لمتابعة السائقين والكشف عليهم (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)
حملات مرورية لمتابعة السائقين والكشف عليهم (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)
TT

حملة مصرية لمواجهة «تعاطي المخدرات» بين سائقي حافلات المدارس

حملات مرورية لمتابعة السائقين والكشف عليهم (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)
حملات مرورية لمتابعة السائقين والكشف عليهم (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)

مع بدء العام الدراسي الجديد في مصر، انطلقت حملة للكشف عن «متعاطي المخدرات» بين سائقي حافلات نقل طلاب المدارس، عقب تداول فيديو على مواقع التواصل يظهر فيه سائق حافلة في حالة عدم اتزان. وتم إلقاء القبض عليه وتبين أن له معلومات جنائية ولا يحمل رخصة قيادة، بعدها توجهت وحدة الكشف عن تعاطي المخدرات بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، بالتنسيق مع وزارة الداخلية إلى محيط المدرسة بمنطقة 6 أكتوبر، للكشف على السائقين الذين يقومون بتوصيل طلاب المدارس.

وأكد الصندوق في بيان، الاثنين، أنه تم إجراء تحليل لكشف تعاطي المخدرات لمجموعة من السائقين بالتنسيق مع وزارة الداخلية. وأهاب صندوق مكافحة الإدمان بالأسر وأولياء أمور الطلاب بالإبلاغ في حال الاشتباه في تعاطي سائقي حافلات المدارس للمواد المخدرة.

وعقب إجراء تحاليل الكشف على 9 سائقين في النطاق المحيط بالمدرسة، وكذلك ممن يقومون بتوصيل الطلاب، تبين سلبية العينات، كما تبين أن المدرسة لا يعمل بها سائقون، وأن هذه الحافلات مملوكة لأشخاص يتعاقد معهم أولياء الأمور لتوصيل أبنائهم إلى المدرسة. وشدّد صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي على استمرار تكثيف حملات الكشف المبكر عن تعاطي المواد المخدرة بين سائقي حافلات المدارس طوال فترة الدراسة، والتوسع في تنفيذ الحملات لتشمل المحافظات المختلفة، وذلك لإجراء تحاليل الكشف عن المخدرات للسائقين داخل مقار المدارس. ومن يثبت تعاطيه للمخدرات فسوف تتم إحالته إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وفي حال ثبوت عمله بالمدرسة سيتم التنسيق مع وزارة التربية والتعليم لفصله من العمل، ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار تكثيف حملات الكشف على الطرق السريعة؛ وفق بيان الصندوق.

حملات لمتابعة ومراقبة سائقي أتوبيسات نقل الطلاب (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)

ويرى أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس الدكتور تامر شوقي أن «إجراء تحاليل الكشف عن تعاطي المخدرات لسائقي حافلات الطلاب في منتهى الأهمية والخطورة، فهم ليسوا مسؤولين عن أنفسهم أو ذويهم فقط، وإنما عن أرواح عشرات الأطفال، وبالتالي يجب القيام بإجراءات استباقية للكشف عن السائقين واستبعاد من يثبت تعاطيه من العمل».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الأمر يجب متابعته على مستويين، المستوى الأول بخصوص السائقين التابعين للمدارس الخاصة والدولية، حيث يجب على وزارة التربية والتعليم إلزام هذه المدارس بإجراء تحليلات دورية للسائقين كل 3 شهور مثلاً في معامل مركزية وليست خاصة».

وتابع: «أما الفئة الثانية فهم سائقو الميكروباصات أو الحافلات الذين يتعاقد معهم الأهالي من الباطن لتوصيل أولادهم، وهو أمر في منتهى الخطورة، لأنه لا يخضع لرقابة الجهات الحكومية، لكن ما نستطيع القيام به هو إحكام الرقابة على شركات نقل الركاب التي يتم استئجار الأتوبيسات منها، وإجبار السائقين على إجراء تحاليل الكشف عن المخدرات بهذه الشركات، مع ضرورة وجود دوريات شرطية للكشف على هؤلاء السائقين بشكل دوري».

وكان بيان صندوق مكافحة الإدمان قد أكد أنه سيتم الدفع بحملات مفاجئة فوراً وبشكل سري للكشف على السائقين، ومن يثبت تعاطيه للمواد المخدرة فسوف يتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وإحالته إلى النيابة العامة بتهمة القيادة تحت تأثير المخدر. وذكر البيان أبرز العلامات التي قد تشير إلى تعاطي السائق للمواد المخدرة، هي «احمرار العين، ووجود هالات سوداء تحت العين، وعدم الاهتمام بالمظهر، والحديث بعصبية أو ببطء مبالغ فيه، وكذلك عدم الاتزان، والقيادة بسرعة كبيرة أو ببطء شديد، وعدم تقدير المسافات».

وأكد الخبير التربوي، الدكتور أحمد عبد الحميد، أن «مواجهة تعاطي المخدرات بين سائقي المدارس تحتاج إلى منظومة متكاملة تشترك فيها الجهات المعنية وإدارات المدارس وأولياء الأمور، بحيث لا تكون حملات الكشف مرتبطة فقط ببداية العام الدراسي، وإنما تتم بصورة دورية ومستدامة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن للمدارس أن تسهم في الوقاية من خلال اختيار السائقين وفق معايير دقيقة، ومتابعة حالتهم المهنية، والتأكد من خضوعهم للفحوص اللازمة، إلى جانب تدريبهم على القيادة الآمنة والتعامل مع الأطفال».

وختم قائلاً: «تعتمد حملات الكشف على إجراء تحاليل للسائقين للكشف عن المواد المخدرة، ما يسمح بالتدخل المبكر قبل أن يتسبب التعاطي في كارثة على الطريق، كما تمثل الإجراءات الرادعة رسالة واضحة بأن سلامة الأطفال ليست مجالاً للتهاون، وأن قيادة حافلة مدرسية تحت تأثير المخدرات تمثل خطراً مباشراً على حياة عدد كبير من الطلاب».


العابد: دمج المسلحين في وظائف مدنية مرهون بتوحيد ليبيا

وزير العمل بحكومة «الوحدة» الليبية علي العابد في جلسة حوارية بطرابلس أغسطس الماضي (صفحة الوزارة)
وزير العمل بحكومة «الوحدة» الليبية علي العابد في جلسة حوارية بطرابلس أغسطس الماضي (صفحة الوزارة)
TT

العابد: دمج المسلحين في وظائف مدنية مرهون بتوحيد ليبيا

وزير العمل بحكومة «الوحدة» الليبية علي العابد في جلسة حوارية بطرابلس أغسطس الماضي (صفحة الوزارة)
وزير العمل بحكومة «الوحدة» الليبية علي العابد في جلسة حوارية بطرابلس أغسطس الماضي (صفحة الوزارة)

أكد وزير العمل والتأهيل بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا، علي العابد، اتخاذ خطوات وصفها بأنها «مهمة» لتأهيل وإدماج العناصر المنتمية إلى المجموعات المسلحة في الوظائف المدنية، نافياً في الوقت ذاته وجود أي خطط لتوطين المهاجرين غير النظاميين، أو الفلسطينيين.

وقال العابد لـ«الشرق الأوسط»، على هامش مشاركته في أعمال الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي في القاهرة، إن مشروع تأهيل ودمج العناصر المسلحة «ليس وليد اللحظة»، إذ بدأ مع تأسيس هيئة شؤون المحاربين أواخر عام 2011 «بهدف رعاية وتأهيل الثوار، والمحاربين السابقين، ودمجهم في المجتمع، ثم تطور بعد ذلك ليصبح البرنامج الليبي للتنمية وإعادة الإدماج، قبل أن يتغير في عهد حكومة الوحدة الوطنية ليصبح المشروع الوطني للتأهيل وإعادة الإدماج».

لكنه أقر بأن المشروع «يواجه أكبر تحدٍّ، وهو الحاجة إلى دولة موحدة، وتوحيد المؤسسات الليبية».

ويرى العابد أن التعامل مع المسلحين بعد 2011 اتخذ مساراً غير مناسب، قائلاً: «دمج المجموعات المسلحة بعد 2011 تم بطريقة خاطئة، عبر إدماجهم وتقنين أوضاعهم في وزارتي الدفاع والداخلية فقط، رغم أن من بينهم مهندسين، وأطباء، وزراعاً، وتجاراً، وكان لا بد من إعادة تأهيلهم ودمجهم في الحياة المدنية».

ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، تعيش ليبيا اضطراباً أمنياً في ظل انقسام بين حكومتين شرقاً وغرباً، واستمرار وجود تشكيلات مسلحة، خصوصاً في غرب البلاد، إلى جانب انتشار كميات كبيرة من السلاح خارج سيطرة مؤسسات الدولة.

التأهيل النفسي

أشار وزير العمل والتأهيل بحكومة «الوحدة» إلى أن وفوداً تابعة لوزارته اطَّلعت على تجارب دول مرت بحروب أهلية، ومجموعات مسلحة، وفوضى انتشار السلاح، مثل كولومبيا، ورواندا، وكوسوفو، لافتاً إلى أن تجربة رواندا كانت من أكثر التجارب التي لفتت اهتمام الجانب الليبي.

وقال: «وجدنا تجربة رواندا مميزة، وحققت خطوات واسعة على طريقة الإدماج، على العكس من تجارب أخرى، لأنها قامت على تأهيل نفسي من خلال عزل المسلحين في معسكرات، والعمل على تأهيلهم نفسياً، كما اعتمدوا على الوازع الديني».

ووصف العابد المشروع بأنه «مهم جداً»، بل وذهب لوصفه بأنه «من أعظم المشاريع في ليبيا»، عاداً نجاحه مرتبطاً بقدرة الدولة على احتكار السلاح، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات.

وقال: «من دون هذا المشروع لن تجرى انتخابات في ليبيا، وهو يقوم على أن يكون السلاح كله تحت شرعية الدولة، وتأهيل وإدماج المسلحين في أوجه الحياة المدنية، ويدخل في جميع مناحي الحياة، سواء التعليم، أو الصحة».

وأوضح أن البرنامج أثبت قدراً من النجاح مع بعض المسلحين، قائلاً: «نفذنا دورات تأهيل، وهناك بعض المسلحين أصبح لهم نشاط صناعي، وتجاري. البرنامج بدأنا فيه بالفعل، لكنه يحتاج إلى جلسات نفسية، وأطباء نفسيين لتأهيل المسلحين نفسياً». وأضاف أن المشروع استهدف أيضاً تأهيل أسر المسلحين السابقين.

وأقر وزير العمل الليبي بأن المشروع تعطل في بعض المراحل نتيجة التوترات الأمنية التي مرت بها البلاد، لكنه أكد أنه حقق «مؤشرات ونتائج ناجحة ملموسة»، مشيراً إلى أن الإدارة تعمل «في هدوء، وبمنأى عن المناكفات السياسية».

وشدد على أن الرهان بالنسبة إلى الحكومات المتعاقبة «يجب أن يكون على نزع السلاح، وتأهيل ودمج المسلحين، وليس على العكس».

مزاعم «التوطين»

ويتقاطع عمل العابد مع ملف العمالة الأجنبية، وتداعيات الهجرة غير النظامية، وقد تصاعد حوله الجدل محلياً، ووقعت مظاهرات خلال يونيو (حزيران) الماضي، وسط مزاعم عن توجه حكومي لـ«توطين مهاجرين» في ليبيا.

غير أن العابد جدد نفي حكومته «وجود أي خطط لتوطين المهاجرين غير النظاميين»، وقال إن الحديث عن ذلك «عارٍ عن الصحة، وغير وارد»، مشدداً على أن القوانين والتشريعات في ليبيا «تحظر توطين المهاجرين، كما أنه أمر محظور دستورياً».

وأشار إلى أن ليبيا «ليست عضواً في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وليست عضواً في اتفاقية اللاجئين 1951»، مضيفاً أنها «دولة عبور للمهاجرين، سواء كانوا يعملون بشكل مقنن في البلاد، أو كانوا في وضع هجرة غير نظامية».

كما نفى ما يتردد عن خطط لتوطين فلسطينيين، قائلاً: «الحديث الذي يتداوله نشطاء عن خطط توطين الفلسطينيين هو أمر عارٍ عن الصحة، وسبق أن نفاه رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة». وأضاف: «هذه المزاعم تروّج لها صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي دون قرائن حقيقية، وبأوراق مزورة قد تتداخل فيها وسائل الذكاء الاصطناعي».

العمالة الأجنبية

وفي شأن تنظيم العمالة الأجنبية، قال: «لا توجد قاعدة بيانات موثوقة لأعداد المهاجرين غير النظاميين بسبب ظروف الانقسام السياسي الذي تمر به البلاد»، مشيراً إلى منصة «وافد» التي قال إنها حل للأزمة، حيث يقوم العامل أو صاحب العمل بتسجيل البيانات، والحصول على تصريح عمل، كما أن من المقرر إطلاق بطاقة إلكترونية.

وانتهى العابد إلى تأكيد أن الحكومة ماضية في تطبيق نظام «الكفيل» عبر شركات خدمات عمالية لحصر العمالة الوافدة، رافضاً الانتقادات الموجهة إليه.

وقال: «الكفيل هو صاحب العمل، وسيضمن حقوق العامل في الراتب والتأمين الصحي أمام الجهات الرسمية، ويسهم في ضبط وحصر أعداد العمالة، والحد من الهجرة غير النظامية».