على الرغم من الحجم الصغير وعدد السكان المتواضع، فإن ولاية ساكسونيا - أنهالت الألمانية تركت، مساء الأحد الماضي، أثراً عميقاً على السياسة في ألمانيا ومؤلماً للكثيرين، وذلك بعدما أصبحت أول ولاية تعيد حزباً يمينياً متطرفاً إلى السلطة منذ هزيمة النازيين. النتائج التي تكشفت في نهاية يوم انتخابي تخوّف منه كثيرون، أظهرت فوز حزب «البديل من أجل ألمانيا»، المصنّف حزباً «يمينياً متطرّفاً مؤكداً» من قبل الاستخبارات الألمانية الداخلية في الولاية. ومع أن النتائج كانت متوقعة إلى حد كبير، فإنها شكلت «صدمة» للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، بحسب وصفه، وكانت «نقطة تحوّل»، بحسب تعبير المستشار السابقة أنجيلا ميركل التي تكلّمت غداة الانتخابات، وبدت شديدة التأثر، قائلة إن «قلبها ينزف» إثر ما حصل.
مع أن استطلاعات الرأي في ألمانيا، خلال الأشهر والأسابيع التي سبقت انتخابات ساكسونيا - أنهالت، أظهرت تقدّم الحزب اليميني المتطرف، فإن فوزه جاء بنسبة أكبر مما كانت أظهرته الاستطلاعات.
لقد حصل الحزب اليميني المتطرف على نسبة قاربت الـ44 في المائة من الأصوات في اقتراع شهد نسبة تصويت غير مسبوقة وصلت إلى 78 في المائة في الولاية الصغيرة نسبياً. وللعلم، يعيش في الولاية التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية قبل إعادة توحيد ألمانيا، قرابة مليوني شخص؛ أي ما يشكل 2.5 في المائة فقط من نسبة سكان البلاد.
في المقابل، عاقبت الولاية حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ (الحاكم) الذي يتزعمه ميرتس وقبله ميركل، بتقليص أصواته إلى النصف؛ إذ إنها لم تمنحه أكثر من 17 في المائة من الأصوات لتنهي بذلك 28 سنة من حكمه للولاية. إلا أنه على الرغم من فوز «البديل لألمانيا» - الذي وصف بـ«التاريخي» - فهو لم يتمكّن من الحصول على غالبية مطلقة من الأصوات تؤهله للحكم منفرداً. ولكنه، مع ذلك، يجد نفسه أمام خيارات تمكّنه من الحكم، والأهم التأثير بشكل أكبر، ومن موقع سلطة لا معارضة للمرة الأولى منذ تأسيسه عام 2014.
قوى المتطرفين واضحة في المناطق الريفية
في مدينة ماغدبورغ، عاصمة ساكسونيا - أنهالت، تغيب بشكل مُريب صور نجم حزب «البديل من أجل ألمانيا» ومرشحه الرئيس أولريشت زيغموند، الذي يسمّي نفسه «أولي». وهذا، مع أنه غداة يوم الانتخابات التي أوصلت الشاب الذي لا يتعدى عمره الـ35 سنة، إلى مشارف السلطة، كانت لا تزال الملصقات الانتخابية تملأ شوارع المدينة. ملصقات لكل الأحزاب، وبكل الأحجام والألوان، باستثناء الأزرق والأحمر، حزب «البديل من أجل ألمانيا».
ملصقٌ واحد بدا يتيماً، عُلّق عالياً على عمود بالقرب من محطة القطارات الرئيسة، عليه شعار الحزب من دون صور... بل ببضع كلمات هي «عالم من دون GEZ»، في إشارة إلى رسوم البث العام في ألمانيا، وهي ضريبة تدفع لتمويل القنوات العامة.
فالحزب يعارض هذه الرسوم، ويريد وقف دعم القنوات العامة التي يقول إنها معادية له وكاذبة. ويفضل، في المقابل، نشاط مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها أكثر من أي حزب آخر، ويدير حملاته بشكل أساسي عبرها ما يمكّنه من الوصول - بلا مناقشة ولا رأي آخر - إلى الملايين، خاصة ممّن هم من عمر الشباب. وللعلم، زيغموند وحده لديه أكثر من 750 ألف متابع على موقع «تيك توك»، وهو من أكثر الساسة الألمان شعبية على الموقع... وتفضيله للـ«يوتيوبرز» (مستخدمو الـ«يوتيوب») على الصحافيين التقليديين غير خافٍ.
ويوم الانتخابات، نشر زيغموند صورة له جالساً على طاولة في حديقة منزله وإلى جانبه اثنان من الـ«يوتيوبرز» الشباب المعروفين والمؤيدين لحزبه، ومعهم زوجته يوليا، وكتب عليها: «وقفة غداء صغيرة، نلتقي مجدداً الساعة 6 مساء»، أي وقت إغلاق صناديق الاقتراع.
اللافت كان بساطة الصورة: غداء بدا من أبسط ما يكون: معكرونة ونقانق وصلصة حمراء، مع كيس جبنة رخيصة ومرطبات. لقد بدت الصورة بوجبة الغداء البسيطة محاكاة لمعيشة المواطن الألماني العادي. وهذا تحديداً ما قال محلّلون إنه نقطة قوة زيغموند. فهو نجح بأن يقدّم نفسه بديلاً للساسة التقليديين الذين يرى الناخبون في الولاية أنهم لم يفيدوا الولاية... بل ساهموا بتدهورها الاقتصادي منذ الوحدة الألمانية مطلع التسعينات.
فقر وإحباط استمرا رغم الوحدة الألمانية
الواقع أن ساكسونيا - أنهالت من أفقر الولايات الألمانية الـ16؛ إذ تربو نسبة البطالة فيها على الـ8 في المائة مقارنة بـ6 في المائة على مستوى ألمانيا. ومع أنها تعافت بعض الشيء منذ الوحدة، فإنها ما زالت مثل الولايات الشرقية الأخرى الذي كانت تحت الحكم السوفياتي حتى عام 1990، لم تلتحق بعد بمستوى معيشة الولايات الغربية.
ذلك أن مستوى المرتبات فيها ما زال أدنى ممّا هو في الولايات الغربية؛ وكذلك مستوى الخدمات المقدمة، وبالأخصّ، في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة البعيدة عن المدن الكبرى، مثل بلدة تانغرمونده - التي يعيش فيها زيغموند - وتبعد قرابة نصف ساعة عن بلدة هافلبيرغ، حيث ولد ونشأ.
حالياً، يعيش 75 في المائة من سكان ساكسونيا - أنهالت في المناطق الريفية، بينما يقيم في المدن 25 في المائة منهم فقط. والواضح، من النتائج، أن قاعدة الحزب ليست في المدن الكبرى، بل في المناطق الريفية الأكثر حرماناً. وفي مدينة مثل ماغدبورغ، يشير بالفعل غياب يافطات حزب «البديل من أجل ألمانيا» عن المدينة إلى أنه لا يحظى بشعبية كبيرة فيها.
كذلك، غداة صدور نتائج الانتخابات، بدا الإحباط واضحاً في ماغدبورغ لدى شريحة واسعة من السكان، وقال أحد الشبان في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن فوز الحزب «يضر بالبلاد وسيؤدي إلى تدهور إضافي في اقتصاد الولاية»، وأردف: «سيحكم هذا الحزب ويغير الأمور بشكل سلبي».
تخوّف من تراجع الاستثمارات الأجنبية
وحقاً، حذّر خبراء اقتصاديون من تراجع الاستثمارات في الولاية، وقالوا إن الولاية قد تغدو «أقل جاذبية للمستثمرين... خاصة الأجانب» في حال قادها حزب «البديل من أجل ألمانيا». وراهناً تثير عدة «تعهدات» في الكثير من القطاعات في برنامج الحزب قلق المستثمرين من الهجرة والبيئة إلى الاقتصاد. وكمثال، في مجال الهجرة، تعهد الحزب ببدء عمليات ترحيل جماعي لكل من لا يحمل إقامات دائمة، والسعي لتطبيق سياسة تفرقة في المدارس بين طلاب المهاجرين والطلاب الألمان.
أيضاً، يرى اقتصاديون أن خطوات كهذه قد تؤدي إلى هجرة اليد العاملة المهاجرة عن الولاية، ما سيفاقم من مشكلة اليد العاملة فيها. وما يجدر ذكره، في هذا المجال، أن ساكسونيا - أنهالت تعد ذات أعلى متوسط عمر للسكان بين كل الولايات؛ إذ تضم أكبر نسبة مسنين مقارنة بالولايات الأخرى، ما يعني أن اليد العاملة فيها قاعدة أصغر من الولايات الأخرى.
بل، على الرغم من أن نسبة المهاجرين في الولاية لا تزيد على 9 في المائة - وهي نسبة أدنى - من المعدل العام في ألمانيا، والذي يصل إلى 15 في المائة، فإن الولاية تعتمد بشكل كبير على اليد العاملة المهاجرة، خاصة في قطاعات العناية بالمسنين والتمريض. وفي استطلاع للرأي قبل صدور نتائج الانتخابات، قال قرابة 90 في المائة من المهاجرين إنهم سيغادون الولاية في حال فوز «البديل من أجل ألمانيا».
خبراء اقتصاديون يقولون إن الولاية قد تغدو «أقل جاذبية للمستثمرين...
خاصة الأجانب» في حال قادها «البديل من أجل ألمانيا»
العرب في عين العاصفة
وبالفعل، يبدو الإحباط كبيراً في أوساط المهاجرين في ساكسونيا - أنهالت. ومن هؤلاء طارق رجب، وهو شاب سوري وصل إلى ألمانيا قبل 10 سنوات ويحمل الجنسية الألمانية. طارق، الذي يعمل في عيادة تخصصية للتأهيل الحركي في ماغدبورغ ولديه طفلان يستعدان لدخول المدارس، أكد صراحةً أنه بدأ بوضع خطط لمغادرة الولاية. وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الاطلاع على برنامج الحزب في الولاية شكّل له «صدمة»، خاصةً، فيما يتعلق بالدراسة وفصل الأطفال المهاجرين أو من هم من أصول مهاجرة، مثل أولاده الذين يحملون الجنسية الألمانية ومولودين في ألمانيا، وتعليمهم من قبل أساتذة من أصول مهاجرة تمهيداً لترحيلهم.
ويؤكد طارق أنه والعديد من أصدقائه الموجودين في الولاية كلهم يناقشون مسألة مغادرتهم إلى ولاية أخرى «تقدّر عملهم، وتكون مكاناً آمناً لهم ولعائلاتهم». بالفعل، تتكرر كلمة «أمان» على ألسنة مَن هم من أصول مهاجرة في الولاية. وقد عبر أحدهم عن انعدام الشعور بالأمان بعد الآن، خاصة أن «زوجته محجبة» كما قال. ولذا فهو يخشى من زيادة مشاعر العدائية تجاهها وإمكانية تعرضها لإهانات أو عنف بسبب حجابها.
حتى الآن، من غير الواضح إلى أي مدى سيتمكّن الحزب في حال تسلمه السلطة في الولاية من تطبيق سياساته المتعلقة بالمهاجرين، كون الحكومة الفيدرالية مسؤولة عن سياسة الهجرة بشكل عام، ولكن محلّلين يقولون إنه بإمكانه من دون شك تصعيب حياة المهاجرين في الولاية.
وعلى صعيد التعليم، يريد الحزب كذلك تغيير المناهج الدراسية للتخفيف من تكرار مسؤولية ألمانيا التاريخية عن جرائم النازية، مقابل التركيز على إنجازات البلاد. ويريد كذلك رفع أعلام ألمانيا أمام المدارس وإلزام الطلاب بغناء النشيد الوطني. ورفع العلم الألماني، راهناً، مرتبط في ألمانيا بمشاعر قومية متطرفة وغير محبذ رفعه.
إلا أن هذه الخطط وغيرها دفعت بالمستشار ميرتس إلى وصف «البديل من أجل ألمانيا» بأنه يسعى لسياسة «تطهير عرقي». وفي نقاش محموم داخل البرلمان بعد أيام على انتخابات الولاية، قال ميرتس إن خطط الترحيل الجماعي التي يريد «البديل من أجل ألمانيا» تطبيقها، ليست إلا مرادفاً للتطهير العرقي بناء على المنشأ ولون البشرة.
وحذّر ميرتس من أن ملايين المهاجرين العاملين في ألمانيا يعتبرون أساسيين للمجتمع الألماني. وتابع: «لو جرى إجبار العاملين في ألمانيا على المغادرة بسبب سياسة الترحيل التي تروّجون لها، فعندها لن تتمكّن القطاعات الحيوية من العمل، ولن تبقى دار مسنين مفتوحة، ولا مستشفى قادراً على استقبال المرضى، أو مطعم يُبقي أبوابه مفتوحة».
الترحيل الجماعي... فكرة متداولة
للتذكير، حزب «البديل من أجل ألمانيا» يكرر طرح سياساته حول «إعادة الترحيل الجماعي» للمهاجرين. ولقد شارك مسؤولون من الحزب، من بينهم زيغموند، في مؤتمر سرّي كشف عنه صحافيون ألمان، عقد في ولاية براندبورغ قبل سنتين، ناقش الترحيل الجماعي للمهاجرين ومن هم من أصول مهاجرة. وفي حينه، أثار المؤتمر فضيحة وصرخة داخلية بسبب أوجه الشبه بينه وبين الاجتماع الذي عقده النازيون في مكان قريب ناقشوا فيه ما بات يعرف بـ«الحل النهائي» الذي أدى إلى «المحرقة النازية».
بالتوازي، إضافة إلى «الترحيل الجماعي»، يروّج الحزب المقرب من الكرملين، لوقف منح اللجوء للأوكرانيين وأيضاً لوقف دعم كييف عسكرياً ومادياً. ويريد إعادة العلاقات مع روسيا والعودة لاستيراد الغاز الروسي الرخيص. ومع أن الولايات لا دور لها في السياسة الخارجية، يمكن للحزب الترويج لسياساته بصوت أعلى من موقع سلطة. وفي سياسة البيئة، يريد الحزب وقف تطوير مزارع الطاقة الهوائية وإعادة فتح مناجم الفحم الشديدة التلوث. وكل هذه يعدُّها خبراء اقتصاديون أنها تخلق مناخاً معادياً للاستثمارات، خاصة أن الولايات استثمرت بشكل كبير في الطاقة المتجددة في السنوات الماضية.
وتثير مواقف الحزب المقرّبة من موسكو مخاوف السياسيين الألمان، وقد حذّر وزير الدفاع بوريس بيستوريوس من اطلاع الحزب على تقارير استخباراتية سرية في حال تسلمه الولاية، قد يستخدمها لأغراض معادية لألمانيا. وللعلم، تستضيف ساكسونيا - أنهالت عدداً من الثكنات العسكرية للجيش الألماني، وتحوي بالتالي معلومات حساسة تتعلق بدعم أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي «ناتو».ونقلت وسائل إعلام ألمانية أن بيستوريوس يفكر بسحب «مجلّد الرد السريع» في حالة الطوارئ الذي يتعين على كل ولاية أن تحفظه وتطبقه في حال الطوارئ. ويخشى الوزير وقوع «المجلّد» المكوّن من 1000 صفحة في يد الحزب اليميني المتطرف؛ خشية تسريب معلومات منه لروسيا.

الأنظار على الانتخابات التالية... ومواقف واشنطن
> بعد الفوز الكبير لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف في ساكسونيا - أنهالت، وتأهبه لانتخابات محلية أخرى يحل فيها أيضاً بالطليعة في ولاية ماكلنبورغ - بومرانيا الشرقية، تعود الدعوات لحظره ووقف تمدّده. إلا أن هذه الدعوات ما زالت خافتة، تحيط بها انتقادات خوفاً من زيادة النقمة الشعبية وفشل الحظر في المحكمة العليا لغياب الأدلة الكافية. ولكن، في هذه الأثناء الحزب المتطرف من دعم أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك صاحب منصة «إكس»، وحليفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي هنأه على فوزه الأخير. والواقع، أن هذا الدعم يزيد من تعقيد العلاقات بين برلين وواشنطن، وبخاصة، بعدما أدت تهنئة ترمب للحزب على منصة «إكس» إلى إلغاء اتصال هاتفي كان مجدولاً بين ميرتس وترمب من قبل المستشارية، من دون إعلان سبب. وتبع ذلك لاحقاً تحذير من الناطق باسم الحكومة الألمانية بأن برلين لا تحتاج تعليقات من الخارج على شؤون داخلية. وهذا، في حين يخرج معارضو اليمين المتطرف في مظاهرات كبيرة منذ أيام هاتفين: «لن يتكرر أبداً»، في إشارة إلى إرث النازيين. ولكن، مع هذا، المخاوف تزداد يوماً بعد يوم.



