حوار مع البحر★★★
إخراج: مؤيد عليان
السعودية، قطر، فلسطين (2025)
تبدأ أحداث فيلم «حوار مع البحر» بمشاهد لمظاهرة فلسطينية سلمية تواجهها قوات الأمن الإسرائيلية بالعنف: اعتقال المتظاهرين، وضربهم بالعصي وأعقاب البنادق، وإلقاء قنابل الغاز عليهم، والانقضاض عليهم وزجّهم في سيارات الاعتقال. ومع نهاية هذا الفصل، الذي يستغرق نحو 3 دقائق، ينطلق التصفيق في القاعة تضامناً مع المضطهدين.
إنه رد فعل مفهوم ويحظى اليوم بتأييد واسع في الغرب. ويبدو أن المخرج وكاتب السيناريو مؤيد عليان اختار هذه البداية لكسب جولة أولى لمصلحة الفيلم، قبل الشروع في سرد أحداثه.
لكن ما إن يبدأ الفيلم حكايته حتى نكتشف أن العلاقة بين ذلك التمهيد والأحداث ضعيفة. تبدأ القصة فعلياً بتسلُّم كمال (كمال الباشا) قراراً من المحكمة يلزمه بدفع ديون ابنه وائل، المتأخرة منذ نحو 20 عاماً، وإلا فسيُستولى على منزله. المشكلة أن الربط بين وضع عام نراه في صورة قمع مظاهرة وبين القصة نفسها ليس مبرراً تماماً. فالمظاهرة ناجمة عن وضع شعبي عام، في حين أن الأحداث التي يواجهها كمال ليست وثيقة الصلة به، بل هي نتيجة قرار قد يؤدي إلى الاستيلاء على المنازل، لكن مبرراته مختلفة. صحيح أنها تقع على خلفية لا تخلو من الاضطهاد، لكنها شخصية إلى حد بعيد.
ابن كمال، الذي لن نراه، مات غرقاً قبل 20 عاماً، لكن السلطات القضائية لا تملك شهادة تثبت وفاته، مما يدفع الأب إلى البحث عن الحقيقة: هل الجثة المشوّهة التي انتُشلت من الماء هي بالفعل جثة ابنه؟
يُؤخذ على السيناريو وجود ثغرات تُضعف قدرته على الإقناع. وكان الأجدى أن يكون الأب واثقاً من وفاة ابنه، وأن ينحصر همّه في إثبات ذلك في السجلات الإسرائيلية، لإنقاذ نفسه من خسارة منزله ومحتوياته. وكان يمكن الربط بين بحثه في هذا الاتجاه وبين الشخصيات التي يلتقي بها، من دون تغيير طبيعة تلك اللقاءات والمواقف المتضامنة معه أو المعادية له.
كذلك، فإن التبرير المقدَّم لرفض ابنته التحدث إليه، والمتمثل في تهوّره في قراراته المالية، مما جعل حياتها وحياة والدتها جحيماً، لا يبدو كافياً، خصوصاً أن المشاهد يدرك أن الابنة ستعود إلى حنان أبيها.
يثير الفيلم شعوراً بأنه يدخل من الباب نفسه الذي يخرج منه، رغم تعدد أحداثه.
أفضل ما فيه فكرة البحث عن الحقيقة من خلال الرغبة في مقابلة الفتاة الإسرائيلية التي قيل إنها كانت برفقة الابن. لكن حقيقة أنها لم تكن آخر من رآه تفضي إلى معلومات لاحقة تكشف عن علاقة حب جمعت بين الابن وفتاة فلسطينية. ومن المؤكد أن هذا التتابع كان يمكن أن يأتي أكثر سلاسة، لو لم ينشغل الفيلم باستعراض مواقف شخصيات يهودية، بعضها متعاطف وبعضها الآخر عدائي.
ثمة صلات بين هذه الأحداث والوضع الفلسطيني القائم، لكنها تظل استنتاجية. وما كان ينقص الفيلم هو حبكة مختلفة ومبررات أكثر تماسكاً. ومع ذلك، فإن تنفيذ المخرج عليان على المستويين الفني والتقني، تصويراً ومونتاجاً، جيد بلا ريب، كما أن إدارته ممثليه جيدة، رغم وجود نزعة عاطفية واضحة في بعض المواضع.
ويُذكر أن كمال الباشا نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا عام 2017.
إلى ذلك، ينجح الفيلم بوصفه قصة عن البحث عن شخص مفقود وإجابات عن أسئلة معلّقة، أكثر مما ينجح في محاولته تسييس الحكاية وربطها بوضع عام وقضية كبرى.
وينجح «حوار مع البحر» كذلك في بناء حالة من التعاطف مع القضية المطروحة، بصرف النظر عن هنّاته. ويعود جزء كبير من ذلك التعاطف إلى أداء كمال الباشا، الذي يجسّد شخصية رجل مثقل بإحباط عميق حيال واقعه والوضع العام في وطنه، من دون أن يتحدث عنهما مباشرة. ويكسبه ذلك تعاطف المشاهد، رغم أن المخرج لا يقدّمه بوصفه شخصاً منزّهاً عن الأخطاء.
★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز





