قال المخرج الهندي غورفيندر سينغ إن اختياره الرحمة، بدلاً من الانتقام، لتكون القوة العاطفية المحركة لفيلمه «رحمة» (Rehmat)، جاء رغبة في تحدي السرديات التي تقدمها أفلام كثيرة تتناول الانتقام وتغلفه بالأفكار القومية والدينية، مشيراً إلى أن الرحمة تمثل بالنسبة إليه طريقة لمواجهة هذه السرديات وإعادة الاعتبار لقيم إنسانية قديمة.
وأوضح سينغ في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن إقليم «البنجاب» كان دائماً جزءاً من ثقافة توفيقية تعايشت فيها الديانات، مشيراً إلى أن الحكم الاستعماري البريطاني الذي أدَّى إلى تقسيم المنطقة عام 1947 على أسس دينية غيَّر ذلك الواقع بصورة جذرية، لكن آثار الماضي المتسامح لا تزال حاضرة، مؤكداً أن استقبال الغرباء يمثل جزءاً من هذا الإرث.
وتدور أحداث «رحمة» في «البنجاب» بالهند، من خلال ثلاث حكايات مترابطة؛ الأولى عن امرأة تخفي رجلاً غريباً مصاباً داخل منزلها، بينما تواجه عائلته الحزن واختيارات صعبة، والثانية عن أسرة تعيش تحت وطأة اختفاء أحد أفرادها، أما الحكاية الثالثة فتدور حول رجل مسن غامض، وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في المسابقة الدولية الرئيسية للدورة الـ79 من مهرجان «لوكارنو السينمائي» في نسخته الماضية.

وقال سينغ إنه يتعمد عدم تقسيم شخصياته إلى أبطال وأشرار، ويرفض رؤية العالم باعتباره أبيض وأسود قدر الإمكان، خصوصاً في ظل الآيديولوجيات القائمة على الانقسام والكراهية، مشيراً إلى أن «صعود التعصب في الهند وأجزاء أخرى من العالم يمثل نتيجة لهذه الحالة، لأن الإنسان يعيش دائماً في حالة من الالتباس بشأن ما هو صواب وما هو خطأ، وهذا الالتباس يرتبط أيضاً بالتعاطف»، على حد تعبيره.

وأضاف المخرج أن مهمته لا تتمثل في تقديم إجابات أخلاقية جاهزة للجمهور، بل في وضع الشخصيات داخل مواقف تضطرها إلى اتخاذ قرارات قد تبدو محيرة له وللمشاهد معاً، موضحاً أن «المشكلة في الأخلاق تقسم العالم إلى الصواب والخطأ، والخير والشر، والطيب والشرير، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً من هذه الثنائية، ومن ثم لا يفرض الفيلم أحكاماً أخلاقية على الشخصيات وأفعالها».
وقال سينغ إن «رحمة» يتحدث عن الفقد، لكنه لا يتخلى عن الأمل، لأن الأمل هو ما يساعد الناس على الاستمرار مهما كانت قسوة حياتهم، لافتاً إلى أن «تقديم المشاعر، سواء كانت الخسارة أو الأمل، بصورة عاطفية مبالغ فيها يمثل مشكلة، لأنه يمنع المشاهد من الوصول بنفسه إلى إحساسه تجاه الحدث، ووضع الأشياء والمشاعر في حالة من المقابلة يساعد على استحضار المشاعر بصورة أكثر صدقاً»، على حد تعبيره.
وعن اختيار عنوان «رحمة» بدلاً من إطلاق اسم إحدى الشخصيات على الفيلم، قال غورفيندر سينغ إن «العمل لا يدور حول شخصية واحدة، وأفلامي عموماً لا تتمحور حول فرد واحد، فلا أستطيع تقديم الصورة الكاملة من منظور شخص واحد، والحكاية في (رحمة) تتوزع بين شخصيات وتجارب وذكريات تتقاطع مع بعضها البعض».
وأرجع اختياره سرد ثلاث حكايات مترابطة بدلاً من متابعة بطل واحد إلى رغبته في التخلص من فكرة الخطية التقليدية للحبكة لأن مجموعات مختلفة من الشخصيات تصبح مهمة في أوقات مختلفة من الفيلم، تاركة وراءها ذكرياتها وآثارها التي تتداخل مع الحاضر.

وحول حضور الماضي بشكل مستمر داخل الحاضر في «رحمة»، قال المخرج إن «الماضي هو الحدث السابق في أي حكاية، لكنه يظل يترك آثاره وانطباعاته على الحاضر، والأماكن التي يعيش فيها الأشخاص تستحضر قرابة قرن ونصف القرن من تاريخ البنجاب، ولذلك لم يتعامل مع العمارة باعتبارها مجرد خلفية للأحداث، وإنما جعلها سرداً موازياً لما يحدث أمام الكاميرا، بحيث تحمل الجدران والأبنية ذاكرة المكان مثلما تحملها الشخصيات».
وأوضح سينغ أن «الفيلم ينتقل بين طبقات معمارية وزمنية مختلفة، بدءاً من منزل حضري معاصر للطبقة الوسطى، مروراً بمنزل ريفي في البنجاب يعود إلى مرحلة ما بعد التقسيم، ثم منزل يعود إلى ما قبل التقسيم، وصولاً إلى مبنى مدرسة من القرن التاسع عشر بناه المستعمرون، معتبراً أن هذه الطبقات تنكشف واحدة تلو الأخرى، وأن الأماكن تسكن الفيلم مثل الشخصيات، وتحكي قصتها الخاصة».

وعن عودة رشيد علي إلى المكان الذي ولد فيه، وما إذا كان الوطن يتحول في لحظة ما من مكان إلى ذاكرة، قال سينغ إن «الإجابة صعبة بالنسبة إليه لأنه لم يعش تجربة التهجير شخصياً، وهي تجربة عاشها جيل أجداده»، مشيراً إلى أن الوطن الذي تركه أجداده، في الجزء الغربي من «البنجاب» الذي أصبح الآن في باكستان، كان بالنسبة لهم ماضياً مريراً، لطخته ذكريات المجازر الطائفية التي شهدوها عام 1947، ولذلك لم يكن استحضاره مرتبطاً بالحنين أو تمجيد الماضي.
وكشف سينغ أن اختيار اسم «رحمة» جاء نتيجة مصادفة غريبة أثناء التصوير، عندما غنت مجموعة من النساء في الفيلم أغنية دينية، لم يكُنَّ يعرفن مسبقاً ماذا سيغنين، موضحاً أن الأغنية كانت تتحدث عن الرحمة والأمل، فوجد نفسه أمام العنوان الذي كان يبحث عنه من دون أن يدرك ذلك، وحدث ذلك في منتصف التصوير.
وعن عدم اعتماده على موسيقى تصويرية تقليدية، قال سينغ إن موسيقى الخلفية تمثل عنصراً خارجياً يُستخدم عادة للتأكيد على الصوت والصورة أو تعزيز تأثيرهما، ولذلك لا يعتبرها جزءاً أصيلاً من فن السينما.
وأكَّد أن «رحمة» كان مختلفاً منذ مرحلة الكتابة، لأنه كان مقتنعاً منذ البداية بأنه لن يعتمد على موسيقى تصويرية في الخلفية، بحيث لا تأتي الأغاني من خارج التجربة السينمائية، وإنما تصبح جزءاً من الدراما وشخصياتها وحياتها اليومية.








