ربما يكون الشيء الوحيد الذي تحتاج إلى معرفته حقاً عن مركز خط الوسط في كرة القدم الحديثة، هو أن إنزو ماريسكا يعتقد أن مارك غويهي يجيد في هذا المركز أفضل من ماتيو كوفاسيتش! غويهي، وهو في الأصل مدافع، بدأ الموسم وهو يلعب في خط وسط مانشستر سيتي، متقدماً في خيارات ماريسكا على كوفاسيتش، ونيكو غونزاليس (الذي رحل الآن)، وماتيوس نونيز. في هذا السياق، يمكن النظر إلى صفقة انتقال إنزو فرنانديز إلى مانشستر سيتي مقابل 125 مليون جنيه إسترليني، وهو رقم قياسي في تاريخ النادي، من زاويتين: إما أنها صفقة قوية تعلن عن نوايا النادي في أن يكون منافساً شرساً، أو أنها عبارة عن مبلغ ضخم دُفع للتعاقد مع لاعب ليكون بديلاً لغويهي!
أنا أمزح بالطبع! ففي واقع الأمر يختلف فرنانديز اختلافاً كبيراً عن غويهي بصفته لاعب خط وسط، ويرجع ذلك أساساً إلى أن اللاعب الأرجنتيني هو لاعب خط وسط بارع بالفعل. فهو لاعب قادر على اللعب في أكثر من مركز والقيام بأكثر من مهمة داخل المستطيل الأخضر، ويعود إلى الخلف لاستلام الكرة من حارس المرمى أو قلبي الدفاع لبناء الهجمات، وقادر على إعادة تدوير الكرة أو التقدم بها في المساحات الضيقة، والتوغل إلى الثلث الهجومي لاعب خط وسط مهاجماً، والتسلل إلى منطقة الجزاء، وتقديم تهديد هجومي كبير على مرمى المنافسين. وكما هو الحال مع إليوت أندرسون، الذي انضم من نوتنغهام فورست مقابل 116 مليون جنيه إسترليني، يُعدّ فرنانديز واحداً من الجيل الجديد من لاعبي خط الوسط في الدوري الإنجليزي الممتاز الذين يبدو أنهم يقدمون كل شيء، وإن كان ذلك بمهارات متواضعة، ويبدو أن أبرز سماتهم هي عدم المغامرة في اللعب!

هذه هي الطريقة الوحيدة لتفسير المبلغ المبالغ فيه الذي دفعه مانشستر سيتي لتشيلسي في سباق كان فيه مانشستر سيتي هو المنافس الواقعي الوحيد لضم اللاعب. أنغيلو ستيلر لاعب شتوتغارت - على سبيل المثال لا الحصر - هو لاعب خط وسط مشابه في العمر نفسه، وكان من الممكن أن يكون متاحاً بنصف السعر. لكن على عكس ستيلر، يمتلك فرنانديز خبرات كبيرة وأثبت جدارته بالفعل في الدوري الإنجليزي الممتاز، ومعروف جيداً. وأياً كانت عيوبه – بدءاً من بطء تعافيه من الإصابات وصولا إلى نوبات غضبه وتعصبه التي تكلفه الكثير – فإنها لم تؤثر في القيمة الكبيرة لصفقة انتقاله لمانشستر سيتي.
وبذلك، يصبح فرنانديز أول لاعب في التاريخ ينتقل مرتين مقابل أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني، كما سيجدد التعاون مع مدرب مانشستر سيتي ماريسكا، الذي كان قد غادر تشيلسي في يناير (كانون الثاني) الماضي. ويعكس التعاقد مع الدولي الأرجنتيني رغبة سيتي في تعزيز خط وسطه بعد إنهاء الموسم الماضي في المركز الثاني بالدوري الإنجليزي الممتاز، متأخراً بسبع نقاط خلف البطل آرسنال. ويأتي فرنانديز إلى ملعب الاتحاد بعد موسم مميز مع تشيلسي في 2025 -2026، سجل خلاله 15 هدفاً وقدم سبع تمريرات حاسمة في مختلف المسابقات، ليحتل المركز الثاني في قائمة هدافي الفريق خلف جواو بيدرو. كما لعب دوراً بارزاً مع منتخب الأرجنتين في كأس العالم 2026، مسجلاً أهدافاً حاسمة في دور الستة عشر وقبل النهائي، قبل أن يكتفي منتخب بلاده بالمركز الثاني خلف إسبانيا.
في الواقع، إذا كان هناك موضوع واحد اتسمت به سوق الانتقالات الصيفية لعام 2026، فإنه يتمثل في ارتفاع أسعار لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز بشكل مبالغ فيه، وخاصة اللاعبين الذين نجحوا بالفعل في التأقلم مع الدوري، والذين خاضوا غمار المنافسة من قبل. لقد ضم مانشستر يونايتد أندريه سانتوس، وكارلوس باليبا، ويوري تيليمانس في صيف هادئ نسبياً. وأنفق توتنهام كل ما في وسعه لضم ساندرو تونالي (92.5 مليون جنيه إسترليني) وماتيوس فرنانديز (85 مليون جنيه إسترليني). في هذا السياق، تبدو صفقة آرسنال لضم برونو غيمارايش مقابل 75 مليون جنيه إسترليني صفقة رخيصة للغاية!

ومع ذلك، هذه مبالغ كانت ستثير دهشة الجميع في أي فترة انتقالات صيفية أخرى في الدوري الإنجليزي الممتاز، وكان يمكن تقبل هذه المبالغ المالية الكبيرة لو أنها دُفعت لنجوم لامعين ولاعبين استثنائيين. فمع كامل الاحترام للجميع، هل يرتقي أي من لاعبي خط الوسط الذين تعاقدت معهم أندية الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الصيف إلى مستوى باتريك فييرا أو روي كين، أو لامبارد أو جيرارد أو دي بروين أو كانتي؟ ربما تكمن المفارقة في هذا الصيف في أن أغلى جيل من لاعبي خط الوسط في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز هو أيضاً - نسبياً - من أكثر الأجيال تواضعاً.
ودليلاً على ذلك، قم بإعداد قائمتك الخاصة بأفضل لاعبي خط الوسط في العالم، واحسب عدد اللاعبين منهم الذين يلعبون في الدوري الإنجليزي الممتاز. مع بعض الاستثناءات القليلة، ستجد أن أفضل لاعبي خط الوسط يلعبون في دوريات أخرى: فيتينيا وجواو نيفيس في باريس سان جيرمان، وجود بيلينغهام في ريال مدريد، وبيدري ورودري في برشلونة، وجوشوا كيميتش في بايرن ميونخ. ويمكنك أيضاً إضافة فرينكي دي يونغ، وفابيان رويز، وفيدي فالفيردي، وأوريليان تشواميني، ووارن زائير إيمري.
أما في الدوري الإنجليزي الممتاز، فهناك ديكلان رايس، ومويسيس كايسيدو، وبرونو فرنانديز، وربما لاعبان آخران. يتميز إنزو بأنه لاعبٌ بارع، وماتيوس لاعب واعد، وباليبا قدم أداءً مميزاً خلال فترات قصيرة. لكن بالنسبة لدوري يُعدّ الأغنى والأكثر جاذبية في العالم، فإن غياب المواهب الاستثنائية في خط الوسط - وخاصةً المواهب المبدعة - ليس مجرد حالة شاذة، لكنه خللٌ قد يتحول إلى مرض مزمن.

ويُجسّد إشراك ماريسكا لغويهي في خط الوسط، وإن كان بمثابة رسالةٍ واضحةٍ لإدارة مانشستر سيتي، هذه المشكلة تماماً. وقال المدير الفني الإيطالي: «هذا البلد وهذا الدوري يحتاجان إلى لاعبي خط وسط أقوياء»، وكان يقصد بالقوة هنا القوة البدنية، والعزيمة، والقدرة على الالتحامات، والبراعة في استخدام الكتفين والمرفقين، ولاعبين أقوياء لديهم القدرة على تغطية كل شبرٍ من الملعب. لم يعد رودري وبرناردو سيلفا وكيفن دي بروين، الذين تجاوزوا الثلاثين من عمرهم وانتقلوا إلى دورياتٍ أبطأ، قادرين على القيام بهذا الأمر. في هذا الدوري، أصبح الركض والالتحامات أهم من التمرير، وأصبح دومينيك سوبوسلاي أهم لاعبٍ في ليفربول بفضل قدرته على التمركز في الملعب أكثر من كونه لاعباً قادراً على فعل أي شيء بمجرد وصول الكرة إليه.
لكن، بينما تُعدّ القوة البدنية أحد عناصر المعادلة، فإنها ليست العنصر الوحيد بأي حال من الأحوال. فبالنسبة لمسؤولي كرة القدم الخاضعين لرغبات المُلاك المتقلبين والحساسين للرأي العام، يُوفر اللاعبون المعروفون نوعاً من الأمان المنشود. فالتعاقد مع لاعب معروف بمبلغ كبير يُقلل من مخاطر الإضرار بالسمعة. فعندما يُنفق آرسنال 72 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع نيكولاس بيبي ولا ينجح الأمر، يُلقى اللوم على آرسنال. وعندما يُنفق مانشستر سيتي 100 مليون جنيه إسترليني على جاك غريليش ولا ينجح الأمر، يُلقى اللوم بطريقة أو بأخرى على غريليش! وينطبق الأمر نفسه على أندرسون أو فرنانديز أو مورغان روجرز، الذين لم يُثبت أي منهم جدارته، لكنهم على الأقل مسؤولون عن فشلهم، وهو ما قد يُعتبر في عالم الإدارة أمراً واحداً. هكذا ينتهي بك الأمر بدوري أشبه بحلقة مفرغة، وسباق لا يقتصر فيه الهدف على التعاقد مع اللاعب الأنسب مقابل مبلغ مناسب، بل على استغلال تقلبات السوق، حيث يُنظر إلى عدم الكفاءة والإسراف على أنهما دليل على الطموح. في الواقع، ستكافئك السوق على ذلك: يتعاقد تشيلسي مع أليخاندرو غارناتشو، فلا يُقدم شيئاً، ثم تبيعه لاحقاً إلى أستون فيلا بربح بسيط! فما الذي قد يُثنيك عن الاستمرار في هذا النهج لأطول فترة ممكنة؟

في بعض الأحيان، يبدو وكأن الدوري الإنجليزي الممتاز قد تحول إلى مجرد أداة لبيع وشراء اللاعبين. لم يظهر الإرهاق نتيجة المشاركة في كأس العالم حتى الآن، لكن سرعان ما سيصبح اللعب بأسلوب الضغط العالي في أربع أو خمس بطولات أمراً مستحيلاً. وحسب بيانات صحيفة «نيويورك تايمز»، لا يزال الدوري الإنجليزي الممتاز يتميز بسرعات عالية أكثر من غيره من الدوريات الخمسة الكبرى، لكن هذا الاتجاه يتراجع هنا في حين يرتفع في أماكن أخرى. فربما يكون هذا الموسم هو الموسم الذي تعود فيه روح التماسك والمهارة والتدريب والإبداع التي طال انتظارها!
سبق لي أن أجريت مقابلة مع مدرب شباب له تاريخ طويل في تصعيد اللاعبين للدوري الإنجليزي الممتاز، وقد أعرب لي عن أسفه لأن أكاديميات الناشئين بدأت تهمل المهارات الفنية لصالح تصعيد «عدائي 800 متر»! ويبدو هذا الموسم وكأنه موسم محوري لكرة القدم الإنجليزية، وكأنه اختبار للهويات والقيم، ومقياس لما تريد أن تكون عليه في نهاية المطاف. فهل ستكون كرة القدم الإنجليزية الأسرع والأكثر شراسة، أم الأفضل والأجمل؟ إذا انتقل مارك غويهي مقابل 150 مليون جنيه إسترليني عند فتح فترة الانتقالات القادمة، فسنعرف الإجابة عن هذا السؤال!
* خدمة «الغارديان»

