يعتمد العرض المسرحي المصري - الإيطالي «قصة حب جولدوني في فنيسيا» على إعادة تقديم تقاليد كوميديا ديلارتي الإيطالية، من خلال تجربة مصرية شارك الممثلون في صناعتها منذ مرحلة التدريب الأولى، فالعرض لا يُقدم نصّاً جاهزاً لكارلو جولدوني، وإنما يستفيد من شخصياته ومن تقاليد القناع والارتجال، مع إعادة تشكيلها داخل ورشة قادها المخرج والدراماتورج الإيطالي أليسو ناردين، ليخرج المشروع للنور ضمن عروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.
العرض الذي قدّم على خشبة معهد الموسيقى العربية بالقاهرة احتل الارتجال فيه موقعاً أساسياً، بعدما قدّم المشاركون مشاهد وأفكاراً خلال التدريب، ثم عمل ناردين على إعادة ترتيبها وربطها لتكوين حكاية متماسكة، وهو أسلوب يرتبط بطبيعة كوميديا ديلارتي التي تمنح الممثل مساحة كبيرة للحركة والارتجال والتفاعل مع الجمهور؛ لذلك لم يكن المطلوب من الممثلين حفظ شخصيات جاهزة بقدر ما كان عليهم اكتشافها من خلال الحركة والتفاعل والأداء الجماعي.
وتدور الحكاية حول الحب والرغبة والاختيار، من خلال شخصيات تستعيد عالم جولدوني وكوميديا ديلارتي. وتظهر «عزيزة»، ابنة بانتالوني، في مواجهة رغبة والدها في تزويجها من رجل ثري، في حين يرتبط خطها العاطفي بـ«كاظم» الذي يحاول الوصول إليها بالغناء والكلمات العاطفية. ومن خلال هذه العلاقة تظهر موضوعات أخرى تتعلق بالأسرة والمصلحة والحرية الشخصية، في حين تظل الكوميديا حاضرة في طريقة بناء المواقف وتحريك الشخصيات.

ويجمع العرض بين المرجعية الإيطالية والبيئة المصرية، من خلال الأداء واللغة وطريقة تقديم الشخصيات، فالمسرحية تستفيد من العناصر الأساسية في كوميديا ديلارتي، لكنها لا تتوقف عند شكلها التقليدي، وإنما تستخدمها في سياق جديد قريب من الجمهور المصري.
العرض هو نتاج ورشة «القناع وكوميديا ديلارتي» بقيادة أليسو ناردين، وشارك في أدائه محمد طارق أبو هندي، وشيماء محمد فوزي، وميار الطرابيلي، وشادي محمد عبد السلام، وآخرون.
وقال المخرج الإيطالي أليسو ناردين لـ«الشرق الأوسط» إن المهرجان طرح دعوة مفتوحة للمشاركة في الورشة والعمل معه، وتقدم إليها أكثر من 500 ممثل، مشيراً إلى أنه كان يستهدف اختيار 11 أو 12 ممثلاً فقط، باعتبار أن الورشة تنتهي بإنتاج عرض مسرحي يُقدم ضمن فعاليات المهرجان، وجرت مرحلة التصفيات الأولى، قبل أن يتولى هو الاختيار النهائي من بين نحو 60 متقدماً، ليستقر الاختيار في النهاية على 11 ممثلاً.
وأكد ناردين أن العمل لم ينطلق من سؤال حول كيفية الجمع بين ممثلين مصريين وشخصيات تنتمي إلى عالم كارلو جولدوني، لأن هذه الصيغة، من وجهة نظره، تختزل تجربة أكثر اتساعاً، لأن المشروع جمع بين تقاليد القناع الإيطالية، وتقنيات أدائية طورها خلال سنوات من العمل، وبين الثقافة المصرية المعاصرة، لينشأ العرض تدريجياً من تفاعل هذه العناصر داخل الورشة، وليس من محاولة وضع ثقافة إلى جوار أخرى.

وأضاف أن جولدوني كان نقطة الانطلاق التي عاد إليها المشروع ليستفيد من تجربته وشخصياته، ومن التحول الذي أحدثه في المسرح الإيطالي خلال القرن الثامن عشر، لكن العرض لم يتعامل معه بوصفه نصّاً نهائياً يجب نقله إلى الخشبة، وبدلاً من ذلك، استُخدمت أعماله ودراماتورجيته بوصفها مادة أولية أعيد تشكيلها من خلال الارتجال والعمل الجماعي، وصولاً إلى صيغة مسرحية جديدة.
وأشار ناردين إلى أن العمل بالقناع يفرض على الممثل تغيير علاقته بجسده؛ لأن الشخصية لا تعتمد على ملامح الوجه وإنما على دقة الحركة والإيقاع وطريقة استخدام الجسد، وهو ما يتطلب من المؤدي الوصول إلى ما يُشبه طبيعة جسدية جديدة تختلف عن حركته اليومية، ما احتاج إلى تدريب مكثف استمر شهراً كاملاً، بمعدل تراوح ما بين 7 و 9 ساعات من العمل يومياً.
وربط ناردين اختياره لكوميديا ديلارتي والقناع بخبرته الطويلة في هذا المجال، موضحاً أن القناع بالنسبة له ليس مجرد تقنية أدائية، وإنما وسيلة يمكن من خلالها تناول موضوعات إنسانية معقدة بطريقة تصل مباشرة إلى الجمهور، مشيراً إلى أن الحب جاء مدخلاً إلى أسئلة أوسع تتعلق بالتضحية والحرية الشخصية والاختيار بين رغبات الفرد وضغوط الأسرة، مع الاحتفاظ بالكوميديا، باعتبارها وسيلة للتواصل وفتح هذه الأسئلة.

وأوضح أن العرض لم يأخذ إحدى دراماتورجيات جولدوني ويقدمها كما هي، وإنما تشكّلت دراماتورجيا جديدة انطلقت من الارتجال، واستفادت من شخصيات وأفكار ظهرت في أعماله المختلفة. وأصبح الممثلون جزءاً من عملية صناعة المادة نفسها.
وفي الختام، أكد ناردين أن اختلاف اللغات لم يكن عائقاً أمام تفاعل الجمهور مع العرض، مشيراً إلى وجود متفرجين يتحدثون العربية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، ومع ذلك شاركوا في التجربة، وفهموا ما يجري على الخشبة.
ويرى أن السبب يعود إلى اعتماد العرض على الجسد بوصفه لغة قائمة بحد ذاتها، تستطيع نقل المعنى والانفعال حتى عندما لا تصل الكلمات كاملة إلى المتلقي.





