وسّعت إسرائيل، الخميس، عملياتها في جنوب لبنان، بين التوغلات والاعتقالات والتفجيرات والقصف المدفعي، في تصعيد امتد من حاصبيا إلى النبطية والقطاعين الأوسط والغربي، وبرز فيه اعتقال 3 لبنانيين خلال توغل قوة إسرائيلية داخل بلدة حلتا، إلى جانب تفجير ضخم في كفر تبنيت وتحركات عسكرية داخل المنصوري.
هذا في وقت نقلت فيه وكالة «رويترز» عن 3 مسؤولين مطلعين قولهم إن «إيران حذّرت الولايات المتحدة من أنها ستردّ بقوة على أي هجوم إسرائيلي على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، حيث يتحصن عسكريون إيرانيون إلى جانب مقاتلي جماعة (حزب الله)».
ونقلت الوكالة أيضاً عن مصادر أمنية لبنانية: «إنه من المعتقد أن (حزب الله) أنشأت مركز قيادة تحت الأرض ومخازن أسلحة داخل تلة علي الطاهر، التي تطل على جنوب شرقي لبنان، وأصبحت واحدة من أبرز ساحات المواجهة في الحرب بين إسرائيل والجماعة، في الوقت الذي تدخل فيه الحرب الدائرة في المنطقة شهرها السابع.
والخميس توغلت قوة إسرائيلية صباحاً داخل حلتا في قضاء حاصبيا، وحاصرت عدداً من المنازل ومنعت الأهالي من مغادرتها، قبل أن تعتقل 3 من أبناء البلدة، هم قاسم وحاتم وزعل عبد العال».
وبالتزامن، نفّذت القوات الإسرائيلية تفجيرات في القنطرة وحداثا ووادي برعشيت وبني حيان، فيما نفّذ الجيش الإسرائيلي بعد الظهر تفجيراً ضخماً في كفر تبنيت، وُصف بأنه الأكبر من نوعه في البلدة، وأحدث دوياً تردد في مناطق مختلفة من الجنوب، وتصاعدت إثره سحب كثيفة من الدخان شوهدت من مسافات بعيدة.
واستهدف قصف مدفعي إسرائيلي المنصوري، بينما ألقت مسيّرة قنبلتين صوتيتين على طريق العزية - المنصوري، بالتزامن مع نقل آليات إسرائيلية غالونات مفخخة باتجاه البلدة، وتوغل دبابة «ميركافا» وجرافة «D9» داخلها. وفي القطاع الشرقي، أطلقت المدفعية الإسرائيلية فجراً 5 قذائف باتجاه مجرى نهر الليطاني - الخردلي، غرب دير ميماس، وشرق قلعة الشقيف، فيما سجل تحليق للطيران المسيّر الإسرائيلي فوق منطقة صور.

النبطية تحت ضغط الضربات
وجاءت التطورات امتداداً لعمليات إسرائيلية واسعة شهدتها منطقة النبطية ومحيطها، وطالت علي الطاهر والدبشة ودوحة كفررمان والنبطية الفوقا، وصولاً إلى أحياء سكنية في مدينة النبطية، إلى جانب تفجيرات وعمليات تمشيط في حولا وكفر تبنيت وبيت ليف.
ورفعت العمليات الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي إلى 8921 قتيلاً و30559 جريحاً، وفق أرقام وزارة الصحة العامة الواردة في المعطيات المنشورة.

من جبل الشيخ إلى علي الطاهر
وفي قراءة عسكرية للتوغلات الأخيرة ودلالاتها، قال العميد الركن المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط»: «الاعتقالات في منطقة حلتا يجب النظر إليها ضمن الصورة العسكرية الأوسع في القطاع الشرقي، إذ إن إسرائيل تحتفظ بقوة عسكرية كبيرة في منطقة جبل الشيخ، المتصلة جغرافياً بمحور راشيا وحاصبيا والبقاع الغربي، وصولاً إلى المرتفعات المؤدية نحو إقليم التفاح وجزين».
وأضاف: «يمكن قراءة هذه التحركات كرسالة إسرائيلية مرتبطة بما يجري في مرتفعات علي الطاهر، لأن هذه المنطقة تشكل، من الناحية العسكرية، مفتاحاً للانتقال باتجاه إقليم التفاح ومرتفعات جزين وجبل الريحان، ومنها إلى تخوم البقاع الغربي. وهذه الجغرافيا مترابطة، فيما يتركز الضغط الإسرائيلي حالياً على علي الطاهر والتلال المحيطة بها باعتبارها نقطة مفصلية».
وتابع صخر: «وفق القراءة العسكرية للمشهد، أصبحت مرتفعات علي الطاهر مكشوفة إلى حد كبير بالنار، سواء فوق الأرض أو عند مداخلها ومخارجها، بما في ذلك النقاط التي تعتقد إسرائيل أنها قد تشكل مداخل أو مخارج لمنشآت تحت الأرض في القرى والبلدات المحيطة».
ورأى أن «الانتقال من السيطرة بالنار إلى محاولة الاقتحام، إذا اتُخذ قرار إسرائيلي بذلك، قد يفتح الطريق أمام التقدم لاحقاً شمالاً أو شمالاً شرقياً باتجاه إقليم التفاح ومرتفعات جزين وجبل الريحان وصولاً إلى تخوم البقاع الغربي. وفي المقابل، تنشط القوات الإسرائيلية المتمركزة في جبل الشيخ على المحور الشرقي، وتنفذ بين حين وآخر تحركات ميدانية باتجاه مناطق مختلفة، تتخللها إقامة حواجز مؤقتة وعمليات توقيف».
وقال صخر إن «ما تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان يندرج، ضمن محاولة ترسيخ السيطرة، سواء عبر الوجود العسكري المباشر أو من خلال السيطرة بالنار والاستطلاع والمراقبة، وإذا أخذنا المساحة التي تتعامل معها إسرائيل باعتبارها نطاقاً أمنياً».
وأضاف: «يمكن ملاحظة هذا النهج في القطاع الغربي، ولا سيما محور المنصوري والخط الساحلي، وفي القطاع الأوسط في محيط بنت جبيل، وصولاً إلى القطاع الشرقي عند الخيام ومحيطها. ويتركز الاهتمام حالياً شمال هذا القطاع، وتحديداً على علي الطاهر، حيث تتواصل الضربات والاستهدافات في إطار ترسيخ السيطرة وتهيئة الأرض لأي تحرك عسكري محتمل»، معتبراً أنّ إسرائيل «تسعى وفق أهدافها المعلنة وممارساتها الميدانية إلى إزالة أي وجود مسلح تعتبره تابعاً لـ(حزب الله) جنوب الليطاني، فيما تبقى عقدة شمال الليطاني بالنسبة إليها. ومن هنا تكتسب علي الطاهر أهمية خاصة، لأن السيطرة عليها، إذا حصلت، ستكون ذات أهمية في محاولتها ضرب منظومة القيادة والسيطرة التابعة للحزب في جنوب لبنان وعلى جانبي الليطاني».

أهالي الحدود يطالبون بوقف التدمير
وفي موازاة التصعيد، حذّر «تجمع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية» من أن القرى الحدودية والمتاخمة لها تتعرض، بحسب بيانه، للتدمير والجرف ومحو المعالم وطمس الهوية والتراث والذاكرة، منتقداً غياب تحرك قانوني ودبلوماسي وسياسي يوازي حجم ما تتعرض له المنطقة.
وطالب التجمع بتحرك شعبي ورسمي واحتجاج دبلوماسي، ودعم من المجتمع المدني والنواب والوزراء والمسؤولين، وتقديم شكوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والهيئات الدولية القانونية والإنسانية، إلى جانب التفاف وطني حول قضية القرى الحدودية والعمل العاجل على وقف الجرف والتدمير وتأمين عودة الأهالي.
كما دعا إلى إيجاد حلول فورية لأوضاع النازحين ومشكلاتهم، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء وبدء العام الدراسي وما يرافقهما من أعباء ومصاريف إضافية.
روايات إسرائيلية عن علي الطاهر والسيبراني
وفي موازاة الوقائع الميدانية، واصلت وسائل إعلام إسرائيلية نشر معلومات بشأن علي الطاهر. وقالت صحيفة «معاريف» إن «القوات الإسرائيلية تتحرك بحذر خشية وجود عبوات أو وسائل هجومية داخل ما تصفه بشبكة أنفاق ومنشآت، وإنها تعمل على تفكيك بنى عسكرية والتحقق من منشآت وأنفاق ووسائل قتالية»، مع إصرار الجيش الإسرائيلي، بحسب الصحيفة، على استكمال عملياته في المنطقة وربطها بعمليات يقول إنه نفّذها في القنيطرة ومجدل زون وقلعة الشقيف.
وفي سياق موازٍ، نقلت القناة «12» الإسرائيلية تقديرات منسوبة إلى الجيش الإسرائيلي تعتبر فيها أن «حزب الله»، بالتعاون مع إيران، يطور منظومة هجومية سيبرانية تتيح له مواصلة استهداف إسرائيل عندما تتراجع المواجهة العسكرية المباشرة. وأشارت إلى أن الحزب نفّذ خلال الحرب أكثر من 600 محاولة هجوم سيبراني من دون تحقيق اختراقات كبيرة أو نتائج واسعة التأثير. مشيرة إلى شعبة الدفاع السيبراني التابعة لشعبة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الجيش الإسرائيلي تتولى مواجهة هذه المحاولات، بالتنسيق مع أجهزة أمنية أخرى.







