كيف واجهت أميركا أزمات تمويل ديونها عبر التاريخ؟

من استقطاب المستثمرين إلى الدفاع عن الدولار

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)
TT

كيف واجهت أميركا أزمات تمويل ديونها عبر التاريخ؟

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)

تزداد المخاوف بشأن آفاق المالية العامة في الولايات المتحدة، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، فيما تجاوز الدين الوطني 40 تريليون دولار.

وليس هذا أول تحدٍّ كبير تواجهه واشنطن في مجال التمويل. ويقول وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن بإمكان الولايات المتحدة تجاوز مشكلة الدين من خلال تحقيق النمو. لكن التاريخ يشير إلى أنه عندما لا تتمكن وزارة الخزانة من الاعتماد على المزيج المعتاد من المستثمرين وأدوات الدين وظروف السوق، فإنها تلجأ أيضاً إلى ابتكار أساليب جديدة لتأمين التمويل.

وفيما يلي ستة تحديات تمويلية واجهتها واشنطن، وكيف تمكّنت من تجاوزها:

1- استحداث مشترين جدد

أجبرت الحرب الأهلية الأميركية واشنطن على الاقتراض بمستويات غير مسبوقة، فقد ارتفع الدين الفيدرالي من نحو 65 مليون دولار عام 1860 إلى نحو 2.7 مليار دولار عام 1865، أي إنه تضاعف تقريباً كل عام خلال تلك الفترة. وبالمقارنة، نما الدين العام الأميركي بمعدل سنوي مركب قدره 6.6 في المائة منذ عام 1946، وفقاً لـ«مورغان ستانلي».

ولامتصاص الإصدارات الجديدة، وضعت واشنطن قواعد أدت إلى إنشاء فئة جديدة من المشترين، فقد ألزمت قوانين البنوك الوطنية المصارف ذات الترخيص الفيدرالي بدعم عملتها بسندات الحكومة الأميركية.

كما نجح المموّل جاي كوك في استقطاب مشترين، إذ تولى بيع الديون على مستوى البلاد عبر المصارف ووكلاء فرعيين، إلى جانب الحملات الإعلانية والنداءات الوطنية.

وكانت سندات كوك، المعروفة باسم «فايف-توينتيز» التي تحمل فائدة 6 في المائة، قابلة للاستدعاء بعد خمس سنوات وتُستحق بعد 20 عاماً، مع دفع الفائدة بالذهب. أما سندات «7-30»، التي كانت لأجل ثلاث سنوات، فكانت تدفع فائدة قدرها 7.30 في المائة، أي 3.65 دولار سنوياً، وسُوّقت على أساس أنها تكلف «بنساً واحداً في اليوم» مقابل استثمار قدره 50 دولاراً، وفق «رويترز».

وساعدت هذه الحملات في تحويل الدين الفيدرالي إلى منتج استثماري متاح على نطاق واسع لصغار المستثمرين.

العلم الأميركي يرفرف على أحد مباني شارع «وول ستريت» في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)

2- الاستعانة بـ«وول ستريت»

بحلول فبراير (شباط) 1895، أدت حالة الركود وخروج الذهب والمخاوف من التحول إلى الفضة إلى انخفاض احتياطي الذهب لدى وزارة الخزانة إلى 41.3 مليون دولار، وهو مستوى يقل كثيراً عن العتبة البالغة 100 مليون دولار التي كانت ذات أهمية سياسية بالغة.

وكانت مبيعات السندات للجمهور قد وفّرت متنفساً مؤقتاً فقط.

وفي ظل غياب بنك مركزي، استعان الرئيس غروفر كليفلاند باثنين من كبار الممولين الخاصين، هما «جي بي مورغان» و«أوغست بلمونت» الابن، لقيادة تحالف مصرفي وافق على توفير أكثر من 65 مليون دولار من الذهب، جاء جزء كبير منه من أوروبا، والمساعدة في وقف المزيد من عمليات السحب.

وفي المقابل، حصل التحالف على نحو 62 مليون دولار من سندات الخزانة لأجل 30 عاماً، بفائدة 4 في المائة.

وأسهمت الصفقة في استقرار احتياطي الذهب، لكنها جعلت «مورغان» و«بلمونت» رمزاً لنفوذ «وول ستريت» في صنع السياسات العامة، الأمر الذي عزّز حركة شعبوية كانت تتنامى بالفعل.

3- استقطاب المدخرين وربط العوائد

تطلّب تمويل الحرب العالمية الثانية اقتراضاً منخفض التكلفة، إلى جانب الحد من الإنفاق المدني لكبح التضخم. لذلك لجأت واشنطن إلى سندات الحرب.

ومن خلال برامج شراء طوعية عبر اقتطاعات من الرواتب، كان نحو 27 مليون أميركي يشترون هذه السندات بصورة منتظمة بحلول يونيو (حزيران) 1943. وبنهاية الحرب، كانت سندات الحرب قد موّلت نحو نصف الدين المتراكم خلال فترة الحرب.

وعزّز مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا النظام من خلال إخضاع السياسة النقدية لاحتياجات تمويل الخزانة. وابتداءً من أبريل (نيسان) 1942، ثبّت «الاحتياطي الفيدرالي» عوائد أذون الخزانة عند 0.375 في المائة، وفرض عملياً سقفاً على عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل عند 2.5 في المائة من خلال عمليات الشراء في السوق المفتوحة.

وأبقى ذلك تكلفة الاقتراض الحكومي منخفضة، لكنه زاد الضغوط التضخمية.

وبمجرد رفع ضوابط زمن الحرب، انفجرت ضغوط الأسعار التي كانت تلك الضوابط قد أخمدتها، مما أدى إلى تضخم حاد في فترة ما بعد الحرب جعل الإبقاء على هذا الربط أمراً مستحيلاً. وانتهى العمل به في نهاية المطاف مع اتفاق «الخزانة» و«الاحتياطي الفيدرالي» في مارس (آذار) 1951.

4- تنفيذ «عملية تويست»

بحلول أوائل ستينات القرن الماضي، كانت المطالبات الأجنبية بالدولار تتجاوز احتياطيات الذهب الأميركية، مما هدد الثقة بقابلية تحويل الدولار إلى ذهب. وكانت واشنطن تريد الحد من تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج من دون خنق النمو المحلي.

وجاءت «عملية تويست» لتحقيق الهدفين معاً، إذ باع «الاحتياطي الفيدرالي» أذون الخزانة قصيرة الأجل واشترى سندات خزانة طويلة الأجل، ما أدى إلى رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل لدعم الدولار، مع إبقاء أسعار الفائدة طويلة الأجل منخفضة لتشجيع الاستثمار.

وعززت وزارة الخزانة الاستراتيجية من خلال إصدار «سندات روسا» المقوّمة بعملات أجنبية، التي بيعت للبنوك المركزية الأجنبية، وحُصّنت من مخاطر انخفاض قيمة الدولار.

وأُعيد إحياء «عملية تويست» خلال الفترة من 2011 إلى 2012، للمساعدة في دعم التعافي الاقتصادي بعد الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009.

5- ترك السوق تحدد السعر

حتى أوائل سبعينات القرن الماضي، كانت وزارة الخزانة تبيع السندات والأوراق المالية بشروط تحددها مسبقاً. لكن ارتفاع التضخم وتقلب أسعار الفائدة في أواخر الستينات جعلا نظام التسعير الثابت محفوفاً بالمخاطر، كما جعلا وزارة الخزانة عرضة لدفع عوائد أعلى من اللازم للمستثمرين أو عدم الاستفادة من الطلب المتاح في السوق.

ولإتاحة المجال للسوق لتحديد السعر، بدأت وزارة الخزانة عام 1970 بطرح سندات ذات كوبون من خلال المزادات، وكانت تحدد سعر الكوبون مسبقاً، في حين يتنافس المستثمرون على السعر.

وبحلول منتصف عام 1973، حلّت المزادات محل أساليب التسعير الثابت القديمة في طرح سندات وأوراق الخزانة.

وفي عام 1974، أدخلت وزارة الخزانة مزادات قائمة على العائد لبعض الأوراق المالية ذات الكوبون، بحيث أصبحت نتائج المزاد تحدد كلاً من السعر وسعر الكوبون.

ونقل هذا الإصلاح عملية اكتشاف الأسعار إلى المستثمرين، وأرسى الأساس لسوق سندات الخزانة الأميركية بصورته الحالية.

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

6- الدفاع عن الدولار

تعرّض الدولار لضغوط جديدة عام 1978، ما دفع إدارة الرئيس جيمي كارتر إلى شن حملة دفاع قوية بصورة استثنائية، شملت إصدار ديون حكومية أميركية مقوّمة بعملات أجنبية.

وفي الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1978، أعلن كارتر برنامج دعم منسقاً مع ألمانيا الغربية واليابان وسويسرا، جرى بموجبه تجميع موارد بالعملات الأجنبية تصل قيمتها إلى ما يعادل 30 مليار دولار لاستخدامها في التدخل بالأسواق.

وتضمن البرنامج توسيع خطوط مبادلة العملات، وسحباً أميركياً من حصة الاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي، ومبيعات من حقوق السحب الخاصة، إلى جانب الاقتراض بالعملات الأجنبية.

وكانت «سندات كارتر»، المقوّمة بالمارك الألماني والفرنك السويسري والمبيعة في الأسواق الألمانية والسويسرية، عنصراً محورياً في هذه الجهود. فقد وفرت سيولة بالعملات الأجنبية كان من الممكن استخدامها لشراء الدولار والمساعدة في دعم العملة الأميركية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

الاقتصاد مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

أكدت شركة النفط الأميركية العملاقة «شيفرون» الأربعاء أنها ستوسع عملياتها في فنزويلا بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي عن اتفاق لتطوير احتياطيات البلاد النفطية

تحليل إخباري ترمب يستمع إلى الصحافيين في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)

تحليل إخباري ترمب تعهّد بكبح الإنفاق... لكن الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار

تجاوز الدين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار خلال الأشهر التسعة عشر الأولى من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، في تطور يعكس اتساع الفجوة بين تعهداته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجع العقود الآجلة الأميركية بضغط من ارتفاع النفط وعوائد السندات

تراجعت العقود الآجلة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، مع ارتفاع عوائد السندات وأسعار النفط في أعقاب التوترات الأميركية-الإيرانية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مدخل بورصة نيويورك في وول ستريت (رويترز)

لماذا تبقى عوائد الخزانة الأميركية مرتفعة؟

لا يتوقع أحد أن تتخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها، لكن الوضع المالي الأميركي يتدهور مع تجاوز الدين الحكومي الفيدرالي 40 تريليون دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)

رايت في كاراكاس لدعم توسع «شيفرون»... وواشنطن تراهن على مضاعفة إنتاج النفط الفنزويلي

وصل وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إلى كراكاس، في زيارة تستهدف دفع الاستثمارات الأميركية في قطاع النفط الفنزويلي.

«الشرق الأوسط» (كاراكاس - واشنطن)

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أكدت شركة النفط الأميركية العملاقة «شيفرون» الأربعاء أنها ستوسع عملياتها في فنزويلا، بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن اتفاق طموح لتطوير احتياطيات البلاد النفطية، ومنح وزارة الدفاع الأميركية حصة من الأرباح.

وقالت «شيفرون» إنها حصلت على مساحات إضافية في حزام أورينوكو النفطي، حيث تتمتع الشركة بوجود راسخ، مشيرة إلى أن خطط المشروعات المشتركة تتضمن استثمار أكثر من 7 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتستهدف الشركة، بموجب خطط التوسع الجديدة، أكثر من مضاعفة إنتاجها النفطي إلى نحو 600 ألف برميل يومياً مقارنة بمستويات الإنتاج في 2026.

ويأتي الإعلان بعد يوم من تأكيد مسؤول أميركي أن مسؤولين في «شيفرون» ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت سيزورون فنزويلا الأربعاء، للكشف رسمياً عن الاستثمارات الجديدة.

وتُعد «شيفرون» ثاني أكبر شركة نفط أميركية، والشركة الأميركية الوحيدة التي تتمتع بوجود كبير في فنزويلا، حيث تعمل في البلاد منذ عام 1923.

وتدير مشروعات «شيفرون» المشتركة، عبر شركتي «بتروإنديبندنسيا» و«بتروبيار»، عمليات لإنتاج النفط الثقيل للغاية في حزام أورينوكو، بينما تعمل شركة «بتروبوستان» في ولاية زوليا غرب فنزويلا.


سعر الغاز الأوروبي عند أعلى مستوياته منذ 3 أعوام

بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
TT

سعر الغاز الأوروبي عند أعلى مستوياته منذ 3 أعوام

بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)

ارتفع سعر الغاز الأوروبي، الأربعاء، إلى أعلى مستوى له منذ بداية عام 2023، مدفوعاً باستئناف إيران والولايات المتحدة الضربات هذا الأسبوع؛ ما يعقّد عملية ملء المخزونات قبل فصل الشتاء.

وقرابة الساعة 08,35 بتوقيت غرينتش، كانت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي، المرجعي في أوروبا، تسجّل 73.85 يورو للميغاواط/ساعة، بعدما بلغت 75.33 يورو، وهو أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023.

وتُعدّ احتياطيات الغاز الأوروبية منخفضة بالنسبة لهذه الفترة من العام؛ ما يعني أن الحاجة كبيرة إلى التزوّد بهذه المادة قبل الشتاء.

وتنافس أوروبا آسيا على بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال، وهي تستعد لحظر استيراده من روسيا بالكامل ابتداءً من يناير 2027.

وأوضح جوناثان شروير، المحلل لدى «يوني كريديت»، أن «الصيف الحار بشكل استثنائي في أوروبا وفي الدول الآسيوية الرئيسية المستوردة للغاز، أدى إلى زيادة الطلب على الغاز الطبيعي المسال لتغذية أنظمة التكييف». وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

بدوره، رأى آرنه لوهمان راسموسن، المحلل لدى «غلوبال ريسك مانجمنت»، أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط «يجعل من الصعب أكثر فأكثر الركون إلى فرضية عودة تدفقات الغاز الطبيعي المسال إلى طبيعتها سريعاً»؛ وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد.

وشنت إيران الأربعاء هجمات على قواعد عسكرية أميركية في الخليج، بعد انتهاء جولة من الضربات الأميركية ضدها، في توسيع لدائرة التصعيد مع تعثر الجهود الدبلوماسية للخروج من الحرب التي دخلت شهرها السابع.

وتبقى حركة الملاحة في مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، أدنى بكثير من مستوياتها المعتادة.

ورأى شروير أن «إمدادات النفط أفضل قليلاً؛ إذ تمكّنت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من التصدير عبر خطوط أنابيب بديلة» تُربَط تباعاً بخليج عُمان والبحر الأحمر.

لكن الأمر مختلف بعض الشيء بالنسبة للغاز الطبيعي المسال الذي تُعدّ قطر أبرز منتجيه في الخليج، وهي لا تحظى بأي مسار بديل للتصدير؛ ما يفسّر سبب ارتفاع سعر الغاز أكثر من النفط منذ بداية الحرب بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في فبراير (شباط).


«عوائد اليابان» تواصل الصعود والأسهم تتراجع

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«عوائد اليابان» تواصل الصعود والأسهم تتراجع

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

دخلت الأسواق اليابانية جلسة الأربعاء تحت ضغط مزدوج من ارتفاع عوائد السندات وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، مع ازدياد الرهانات على أن «بنك اليابان» قد يسرع وتيرة رفع أسعار الفائدة، في وقت دفعت فيه جولة جديدة من الضربات بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط إلى الارتفاع، وأعادت مخاوف التضخم العالمي إلى الواجهة.

وارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3 في المائة في بداية التعاملات، قبل أن يصل إلى 3.015 في المائة لاحقاً، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 1996. كما قفز عائد السندات لأجل 5 سنوات إلى مستوى قياسي عند 2.275 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عامين إلى 1.86 في المائة، وهو الأعلى منذ أبريل (نيسان) 1995.

وتعكس هذه التحركات تغيراً سريعاً في توقعات السياسة النقدية اليابانية. فالأسواق تتوقع بصورة شبه مؤكدة أن يرفع «بنك اليابان» سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة خلال اجتماعه هذا الشهر، لكن بعض المستثمرين بدأوا يضعون في الحسبان احتمال أن تكون الزيادة أكبر أو أن تتبعها خطوات متسارعة في الاجتماعات اللاحقة.

وقال تاكاشي فوجيوارا، كبير مديري الصناديق في «ريسونا لإدارة الأصول»، إن عائد السندات لأجل 10 سنوات مرشح لمزيد من الصعود مع زيادة توقعات رفع الفائدة بوتيرة أسرع. وأضاف أن رفع «بنك اليابان» الفائدة 25 نقطة أساس قد لا يكون كافياً لدعم الين إذا أقدم «الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» أيضاً على رفع الفائدة في سبتمبر الحالي، وهو ما يُبقي الفجوة بين العوائد اليابانية والأميركية عاملاً رئيسياً في حركة العملة.

ويترقب المستثمرون كذلك تصريحات هاجيمي تاكاتا، عضو «مجلس بنك اليابان»، المعروف بمواقفه المتشددة، بعدما كان قد عارض في يوليو (تموز) الماضي قرار تثبيت الفائدة، ودعا لرفعها إلى 1.25 في المائة. ومع تسارع التضخم وضعف الين، لا يستبعد بعض المتعاملين أن يطالب تاكاتا بتحرك أكبر.

وقال فوجيوارا إن السوق تستعد حتى لاحتمال دعوة تاكاتا إلى زيادة بمقدار 50 نقطة أساس، وهو سيناريو من شأنه أن يرفع عوائد الآجال القصيرة بصورة إضافية ويضغط على أسعار السندات. ولا ترتبط الضغوط فقط بالسياسة النقدية؛ فالحكومة اليابانية تواجه أيضاً احتياجات تمويل متصاعدة، مع وصول طلبات الوزارات والهيئات الحكومية لموازنة السنة المالية 2027 إلى نحو 143 تريليون ين، أي نحو 893 مليار دولار. وتشير التوقعات إلى أن وزارة المالية قد تزيد مبيعات السندات لأجل عامين و5 سنوات لتمويل الإنفاق؛ مما يزيد المعروض ويضع ضغوطاً صعودية إضافية على العوائد.

وفي الوقت نفسه، انضمت السوق اليابانية إلى موجة بيع عالمية في السندات، بعدما ارتفعت عوائد الخزانة الأميركية عقب تجدد الضربات في الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط، بما يعزز المخاوف من استمرار التضخم ويدفع المستثمرين إلى توقع سياسة نقدية أكبر تشدداً في الاقتصادات الكبرى.

وانعكست هذه البيئة مباشرة على الأسهم اليابانية. فقد هبط مؤشر «نيكي» 2.85 في المائة إلى 64325.64 نقطة، بينما تراجع مؤشر «توبكس» 2.4 في المائة إلى 4081.6 نقطة، منهياً سلسلة مكاسب استمرت 9 جلسات. وقال دايسوكي هاشيزومي، كبير الاستراتيجيين في «دايوا للأوراق المالية»، إن السوق تعرضت لعمليات بيع واسعة مع استعداد المستثمرين لتأثير ارتفاع أسعار النفط. وكانت أسهم التكنولوجيا من أبرز الخاسرين؛ إذ تراجع سهم «سوفت بنك غروب» 6.42 في المائة، وانخفضت «طوكيو إلكترون» 3.4 في المائة، و«أدفانتست» 2.52 في المائة.

وتتأثر أسهم النمو والتكنولوجيا عادة بارتفاع العوائد؛ لأن زيادة معدل الخصم تقلل القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، مما يجعل التقييمات المرتفعة أصعب في بيئة نقدية متشددة. لكن اللافت أن الضغط امتد أيضاً إلى قطاعات يُفترض أنها تستفيد عادة من ارتفاع الفائدة. فقد تراجعت أسهم «ميتسوبيشي يو إف جيه» و«سوميتومو ميتسوي» رغم أن البنوك غالباً ما تستفيد من اتساع هوامش الفائدة، مما يعكس حجم القلق العام في السوق. كما هبطت «تويوتا» 3.39 في المائة و«هوندا» 2.37 في المائة، في جلسة انخفضت فيها 210 أسهم من أصل 225 مكوناً لمؤشر «نيكي».

وتكشف تحركات الأربعاء أن السوق اليابانية تواجه مرحلة إعادة تسعير واسعة، لا تتعلق فقط بقرار فائدة واحد، بل بمسار كامل من التشديد النقدي وارتفاع تكاليف التمويل وزيادة إصدار الديون الحكومية. وإذا استمرت عوائد السندات فوق 3 في المائة، فقد يتحول هذا المستوى من حاجز نفسي إلى مرجع جديد لتسعير الرهون العقارية وتمويل الشركات ومخاطر الأسهم. كما سيزيد الضغط على الحكومة في وقت تحاول فيه تمويل موازنة متضخمة من دون فقدان ثقة سوق السندات. ولهذا؛ فإن المستثمرين يراقبون الآن 3 مؤشرات مترابطة: مدى تشدد «بنك اليابان»، وقدرة الحكومة على امتصاص تكاليف الدين الأعلى، واستمرار ارتفاع النفط الذي قد يُبقي التضخم مرتفعاً. وأي تشدد إضافي في واحد من هذه المحاور قد يدفع العوائد إلى مستويات أعلى ويُبقي الأسهم، خصوصاً التكنولوجيا، تحت الضغط.