تفتح مذكرات نائب الرئيس السوري الراحل عبدالحليم خدام دفتر الأيام الثلاثة التي أعقبت وفاة الرئيس الراحل حافظ الأسد في 10 حزيران (يونيو) 2000، ويرويها من موقع من كان داخل الغرفة حيث رُتّبت الخلافة.
وتروي المذكرات التي حررها وقدّمها الزميل إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة»، وتصدر مطلع سبتمبر (أيلول) عن دار «رف» التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام SRMG، قصة مكالمة هاتفية قبل الوفاة بثلاثة أيام.

اتصل خدام بحافظ الأسد مستأذناً في السفر إلى بانياس، فدار حديث مطول عن الصحة والعمر قال فيه الأسد: «لقد حملت أعباءً أكثر من طاقتي»، وختم بطلب: «اتصل بي عندما تصل». وعند عودة خدام إلى دمشق يوم السبت، أُبلغ أن القصر الجمهوري يطلبه وأن «الدكتور بشار» ينتظره في المنزل، وعندها أدرك أن الرئيس توفي.
في قاعة الاستقبال وجد أعضاء القيادة مع بشار وصهره آصف شوكت، والنقاش يدور حول آلية إعلان الوفاة. وأبلغه وزير الدفاع العماد مصطفى طلاس أن القيادة القطرية اتخذت قرارين: ترشيح بشار للرئاسة، وتعديل المادة 83 من الدستور المتعلقة بسن رئيس الجمهورية، إذ كان بشار في الرابعة والثلاثين والدستور يشترط الأربعين، على أن يجتمع مجلس الشعب مساءً لإقرار التعديل.
في مساء يوم الوفاة نفسه، يروي خدام أنه اجتمع ببشار في منزله واقترح ترفيعه إلى رتبة «فريق» وتعيينه قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، «حتى تصبح له صفة شرعية في الدولة» قبل الاستفتاء. سأله بشار: «ألا يجب أخذ رأي العماد مصطفى طلاس؟»، فأجاب: «من الممكن إبلاغه بالقرار وليس سؤاله». وفي اليوم التالي عُرض الاقتراح على طلاس بحضور بشار، فـ«اصفرّ وجه» وزير الدفاع وصمت، ثم قال إنه سيطلب إعداد المرسوم.

وهنا تسجل المذكرات نقطة الخلاف الأكثر لفتاً: تأخر المرسوم، وحين سُئل مدير مكتب طلاس عن السبب أجاب أن العماد يريد ترفيع بشار إلى رتبة «عماد» لا «فريق»، صيغة كانت تُبقي موقع القائد العام للجيش، عملياً، في متناول وزير الدفاع نفسه. ويعلق خدام بأن قناعته كانت أن طلاس «لا يصلح لهذا الموقع»، وأنه كان قد اتخذ قراراً بدعم بشار «حتى النهاية، حتى لو كان ذلك على حساب الرفاق القدامى».

وتعيد المذكرات مسار الوريث إلى بدايته: يروي خدام أنه علم، في أثناء وجود الجميع في القرداحة لدفن باسل الأسد عام 1994، أن السيدة أنيسة مخلوف وشقيقها محمد مخلوف اجتمعا وقررا إنهاء بعثة بشار الدراسية في لندن ليشغل مكان شقيقه الراحل.
وبالفعل أُرسل إلى دورة عسكرية، ثم أصبح مكتبه، وهو مكتب باسل نفسه، «مقصداً للوزراء أو للطامعين في الوزارة». ويختم خدام تقييمه للحظة الانتقال بعبارة قاسية: «يجب ألا ننسى أن الأسد الأب بنى نظاماً وضع فيه السوريين أمام خيارين: إما القبول بالنظام بكل ما فيه من أخطاء أو الحرب الأهلية».
المادة ليست قصة بروتوكول عسكري؛ إنها تكشف هشاشة لحظة الانتقال في نظام بُني لعقود حول شخص واحد، وكيف تداخل الحزب والدستور والجيش والعائلة في ساعات قليلة لإنتاج خلافة أريد لها أن تبدو طبيعية. تفاصيل الساعات الاثنتين والسبعين ترد في فصل «وفاة حافظ الأسد» من الكتاب.








