فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

حكومة لوكورنو تواجه عجزاً متزايداً وتكلفة دين مرتفعة وتهديدات سياسية تعقِّد تمرير خطتها المالية

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)

دخلت فرنسا أسبوعاً حاسماً على الصعيدين المالي والسياسي، مع اجتماع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو وحكومته لبحث موازنة عام 2027، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة وتتصاعد مخاوف الأسواق من ارتفاع الدين وكلفة الاقتراض، مما دفع عوائد السندات الفرنسية إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.

وبلغ عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات 4.1503 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، بعدما ارتفع 2.5 نقطة أساس، فيما صعد عائد السندات لأجل عامين إلى 3.1012 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية مهمة صعبة تتمثل في إعداد موازنة 2027 وسط اقتصاد ضعيف، وزيادات في الإنفاق جرى إقرارها بالفعل، ومعارضة سياسية تهدد بإسقاط الحكومة أو تعطيل تمرير الموازنة قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو (أيار) 2027.

وعقد لوكورنو اجتماعاً موسَّعاً لحكومته (الاثنين)، بدأ في قصر الإليزيه باجتماع لمجلس الوزراء، قبل الانتقال إلى اجتماع مغلق في مقر الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني، خُصص جزء منه لمناقشة موازنة العام المقبل.

ومن المقرر تقديم مشروع قانون المالية في نهاية سبتمبر (أيلول)، وسط ضغوط متزايدة لتمويل قطاعات عدة، إذ سبق للحكومة أن أقرَّت زيادات إضافية في الإنفاق بنحو 10 مليارات يورو لوزارات الدفاع والداخلية والعدل والتعليم والبحث والبيئة.

كما تواجه الحكومة ضغوطاً لتقديم دعم إضافي للقطاع الزراعي بعد موجة من الحرائق وموجات الحر والجفاف التي أضرَّت بالزراعة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إلى جانب احتمال تمديد مساعدات الوقود و«شيك الطاقة».

وفي المقابل، تبدو قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق محدودة، في ظل تباطؤ النمو وارتفاع تكلفة خدمة الدين.

ومن المتوقع أن يذكّر وزير الاقتصاد رولان ليسكور أعضاء الحكومة بهذه الضغوط، إذ جاء النمو الاقتصادي ضعيفاً خلال النصف الأول من العام، مما يجعل تحقيق توقع النمو السنوي البالغ 0.7 في المائة بعيد المنال، بينما ارتفعت أسعار الفائدة إلى أكثر من 4 في المائة، ما يزيد أعباء الدين العام.

ويهدد ذلك بدفع عجز الموازنة إلى تجاوز الهدف الحكومي البالغ 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية ووزيرة الدولة لشؤون الطاقة والاقتصاد الرقمي مود بريجون ووزير التعليم الفرنسي إدوار جيفري في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في باريس (أ.ف.ب)

تقليص الإنفاق يواجه مقاومة سياسية

وتضيق مساحة المناورة أمام لوكورنو بعدما استبعد المساس بالإسكان الاجتماعي وبرامج التدريب المهني، كما أبدى تحفظاً على تمديد الضريبة الإضافية المفروضة على الشركات الكبرى بالشكل نفسه.

ويركز رئيس الوزراء بدلاً من ذلك على خفض بعض بنود الإنفاق الاجتماعي، بما في ذلك إصلاح نظام الإجازات المرضية، ووقف تعويض بعض الأدوية القديمة، إضافة إلى عدم زيادة معاشات التقاعد بما يتماشى بالكامل مع التضخم، باستثناء المعاشات الصغيرة.

وتواجه هذه المقترحات معارضة سياسية قوية. فقد أعلن زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون عزمه إسقاط الحكومة، بينما لم يستبعد زعيم حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا أي خيار ضد الموازنة.

وحذَّرت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون من أن بدء عام 2027 من دون موازنة سيكون «أمراً لا يمكن تصوره وغير مسؤول»، في محاولة لاحتواء الضغوط السياسية، ولا سيما مع تهديد الحزب الاشتراكي أيضاً بالتصويت لحجب الثقة.

وتأمل حكومة لوكورنو في التوصل إلى صيغة تسمح بإقرار موازنة مؤقتة للنصف الأول من عام 2027، يمكن للحكومة المقبلة تعديلها بعد الانتخابات الرئاسية.

الأسواق تراقب باريس

وتنعكس المعركة المالية والسياسية على الأسواق الفرنسية في وقت تتعرض فيه السندات العالمية لضغوط من ارتفاع التضخم وتوقعات أسعار الفائدة.

وعلى الرغم من ارتفاع عوائد السندات، عادت بورصة باريس إلى التوازن خلال تعاملات الاثنين، بعدما بدأت الجلسة على ارتفاع. وصعد مؤشر «كاك 40» بنحو 0.12 في المائة إلى 8411.24 نقطة عند الساعة 10:30 صباحاً بتوقيت باريس، بعد ارتفاعه 0.98 في المائة يوم الجمعة.

ويواجه المستثمرون في الوقت نفسه تأثيرات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وارتفاع أسعار النفط، بعدما قفز خام برنت بنحو 3.61 في المائة إلى 91.28 دولار للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بالنسبة نفسها تقريباً إلى 86.40 دولار.

وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى دعم أسهم شركات النفط، إذ صعد سهم «توتال إنرجيز» 1.37 في المائة، في حين ارتفعت أسهم شركات «برنار ريكار» و«ستيلانتيس» و«رينو» و«ميشلان».

لكن ارتفاع عوائد السندات يظل مصدر ضغط على الأسهم، إذ يجعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية للمستثمرين ويرفع في الوقت نفسه تكلفة الاقتراض على الشركات.

وتراقب الأسواق أيضاً تداعيات تصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، الذي شدَّد في «جاكسون هول» على ضرورة إعادة التضخم إلى مستوى 2 في المائة، مما عزَّز التوقعات بإمكانية رفع أسعار الفائدة الأميركية في سبتمبر.

وتأتي الضغوط على السندات الفرنسية في وقت يترقب فيه المستثمرون أيضاً مسار السياسة النقدية في منطقة اليورو، فيما أصبحت الموازنة الفرنسية والانتخابات الرئاسية المقبلة عاملين متزايدي الأهمية في تحديد علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون لتمويل الحكومة الفرنسية.

وبذلك تجد باريس نفسها أمام معادلة صعبة: حكومة تحتاج إلى الإنفاق لدعم الاقتصاد وتمويل الأولويات الأمنية والاجتماعية والاستثمارية، في وقت تتراجع فيه فرص النمو وترتفع فيه كلفة الاقتراض، بينما يهدد الانقسام السياسي قدرة الحكومة على تمرير موازنة تحظى بثقة الأسواق والبرلمان في آن واحد.


مقالات ذات صلة

فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

تحليل إخباري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)

فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا شعارات منصات تواصل اجتماعي (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أصدر المجلس الدستوري في فرنسا، الجمعة، قراراً بمنع مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً، قائلاً إنه ينتهك حرية التعبير.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أعضاء البرلمان الفرنسي يشاركون بجلسة التصويت على مشروع قانون الموت الرحيم في الجمعية الوطنية وهي المجلس الأدنى للبرلمان الفرنسي... باريس 15 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«الجمعية الوطنية» الفرنسية توافق على مشروع قانون الموت الرحيم

أعطت «الجمعية الوطنية» الفرنسية موافقتها النهائية، الأربعاء، على مشروع قانون يسمح للبالغين المصابين بأمراض مستعصية بتلقي أدوية مميتة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«هيوماين» و«إيه إم دي» تطوران بنية للذكاء الاصطناعي بـ250 ميغاواط في السعودية

شعار «هيوماين» (شاترستوك)
شعار «هيوماين» (شاترستوك)
TT

«هيوماين» و«إيه إم دي» تطوران بنية للذكاء الاصطناعي بـ250 ميغاواط في السعودية

شعار «هيوماين» (شاترستوك)
شعار «هيوماين» (شاترستوك)

وسّعت شركتا «هيوماين» و«إيه إم دي» شراكتهما لتطوير المرحلة الأولى من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية بسعة تصل إلى 250 ميغاواط خلال العامَيْن إلى الأعوام الثلاثة المقبلة، مع بدء نشر سعة أولية تبلغ 25 ميغاواط.

ويأتي التوسع ضمن التعاون الاستراتيجي بين الشركتَين لدعم تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المملكة، الذي يتضمّن استثمارات تصل إلى 10 مليارات دولار.

الذكاء الاصطناعي في صندوق

وفي إطار الشراكة، أطلقت «هيوماين» و«إيه إم دي» حلاً جديداً باسم «الذكاء الاصطناعي في صندوق» (AI in a Box)، وهو حل متكامل وجاهز للتشغيل يستهدف الشركات والمؤسسات العاملة في السعودية، خصوصاً التي تخطو خطواتها الأولى في مجال الذكاء الاصطناعي.

ويتيح الحل للمؤسسات الوصول إلى قدرات حوسبة الذكاء الاصطناعي، واختبار حالات استخدام جديدة والتوسع فيها، ويستهدف قطاعات من بينها النفط والغاز والخدمات المالية والتصنيع. وطورت «هيوماين» الحل بالاعتماد على وحدات معالجة الرسومات عالية الأداء «إيه إم دي إنستينكت» ومعالجات «إيه إم دي إيبيك» الموفرة للطاقة، لتوفير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي قابلة للتوسع.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين»، طارق أمين، إن الحل يتيح للمؤسسات البدء بحالات استخدام محددة، ثم إثبات جدواها والتوسع لاحقاً إلى عمليات نشر مؤسسية واسعة النطاق.

كما تخطط «هيوماين» و«إيه إم دي» و«سيسكو»، من خلال مشروع مشترك، لنشر بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بقدرة تصل إلى 1 غيغاواط في السعودية بحلول عام 2030.

وفي الإطار نفسه، أعلنت الرئيسة التنفيذية لـ«إيه إم دي» (AMD)، الدكتورة ليزا سو، تشغيل أكبر عنقود للاستدلال في الذكاء الاصطناعي تابع للشركة خارج الولايات المتحدة في السعودية، وذلك ضمن شراكتها مع «هيوماين».

وقالت خلال جلسة حوارية مع وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبد الله السواحه، ضمن مؤتمر «ليب 26» في الرياض، إن الشركة متحمسة للتقدم المحرز في مجال الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أهمية الشراكة مع المملكة ودعم «رؤية 2030» والتوجهات المستقبلية في قطاع التقنية.

الرئيسة التنفيذية لـ«إيه إم دي» تتحدث في مؤتمر «ليب 26» مع وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي المهندس عبد الله السواحه (إكس)

وأوضحت أن عنقود الاستدلال الأكبر لـ«إيه إم دي» خارج الولايات المتحدة أصبح يعمل في المملكة، ضمن الشراكة مع «هيوماين»، منوهةً بالتقدم الذي تحقق في فترة زمنية قصيرة.

الاستدلال يتجاوز التدريب

وأكدت ليزا سو أن السوق دخلت مرحلة جديدة في الذكاء الاصطناعي، مشيرةً إلى أن الاستدلال تجاوز التدريب باعتباره عبئاً في العمل الرئيسي، في ظل تزايد الحاجة إلى تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتقديم نتائجها إلى المستخدمين.

وقالت إن التركيز في المرحلة الحالية ينصب على كفاءة الحوسبة، بما يشمل عدد الرموز التي يمكن معالجتها مقابل كل دولار وكل وحدة من الطاقة، مؤكدةً أهمية تحسين هذه الكفاءة على نطاق واسع.

وأضافت أن الدول والشركات حول العالم تسعى إلى زيادة قدراتها ورفع إنتاجيتها، وأن أساس ذلك يتمثّل في توفير قدرات الحوسبة وتجهيزها لتلبية الطلب المتنامي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

تكامل الطاقة والحوسبة والتطبيقات

وأشارت الرئيسة التنفيذية لـ«إيه إم دي» إلى أن تطوير منظومة الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على النماذج وحدها، بل يتطلّب تكامل مجموعة من العناصر، تشمل الطاقة والحوسبة وطبقات التطبيقات، إلى جانب النماذج المستخدمة في تشغيل الخدمات.

وكشفت ليزا سو عن أن الشركة تمضي قدماً في توفير الجيل المقبل من سلسلة «MI450» ومنصة «Helios» في المملكة، بدءاً من العام المقبل، في إطار توسعها في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

Your Premium trial has ended


وزير الاتصالات يفتتح «ليب 26» ويعلن سلسلة من الصفقات التقنية في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)
TT

وزير الاتصالات يفتتح «ليب 26» ويعلن سلسلة من الصفقات التقنية في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)

افتتح وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله السواحة أعمال النسخة الخامسة من «ليب 26»، الاثنين، في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات بملهم، تحت شعار «إلى عوالم جديدة»، كاشفاً عن سلسلة من الاستثمارات والمشروعات الجديدة في قطاعات التقنية والذكاء الاصطناعي، مبيناً في الوقت ذاته أن شركة «إكس إيه آي» ستنفذ أول توسع لها خارج الولايات المتحدة في السعودية، من خلال مشروع بقدرة أولية تبلغ 50 ميغاواط، على أن يرتفع إلى 500 ميغاواط في مراحل لاحقة.

وتطرق وزير الاتصالات وتقنية المعلومات إلى إعلان شركة «إنفيديا» عن أحد أكبر مصانع الذكاء الاصطناعي في العالم داخل المملكة، واصفاً المشروع بأنه أحد «الجواهر التاجية» للاقتصاد السعودي، ويجسد رؤية المملكة في التحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي.

وذكر أن الاقتصاد الرقمي في بلاده هو الأكبر والأسرع والأكثر جرأة وينمو بما نسبته 70 في المائة، وتعد السعودية من الدول المتقدمة تقنياً، مفصحاً عن أن تمكين المرأة في المنظومة يصل إلى 36 في المائة وهي الرقم واحد بين دول مجموعة العشرين، وكذلك إحدى أكبر قصص النجاح في الفضاء، كأول امرأة في محطة الفضاء الدولية.

وبيَّن السواحة أن بلاده تواصل العمل مع شركائها الدوليين لقيادة التحولات التقنية وتسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يدعم مستهدفات «رؤية 2030» ويعزز مكانة المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.

ويشارك في النسخة الخامسة أكثر من ألف متحدث وخبير عالمي، وأكثر من 1800 شركة تقنية، إلى جانب ما يزيد على 600 شركة ناشئة، وأكثر من 1900 مستثمر وممثل لصناديق الاستثمار الجريء.

وتناقش النسخة الحالية أحدث التوجهات التي ترسم مستقبل التقنية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية والبيانات والأمن السيبراني والتقنية المالية والصحية والمدن الذكية والطاقة والمناخ والفضاء والألعاب والتقنية الرياضية والتجارة الرقمية.

كما تقدم النسخة الخامسة مجموعة من المساحات والتجارب النوعية، تشمل «LEAP Connect» لبناء الروابط والشراكات، و«Sports Tech Hub» لاستكشاف مستقبل التقنية الرياضية، و«World Tech Zone» لعرض الابتكارات العالمية، و«LEAP Studios» لصناعة المحتوى المباشر، إلى جانب برامج الشركات الناشئة والمستثمرين ومنصات الإعلان عن الاستثمارات والاتفاقيات والمبادرات التقنية.


محاولات ترمب لخفض أسعار النفط تضر بالاقتصاد الأميركي

شخصان يزودان سيارتهما بالوقود في إحدى المحطات بمدينة شيكاغو الأميركية (رويترز)
شخصان يزودان سيارتهما بالوقود في إحدى المحطات بمدينة شيكاغو الأميركية (رويترز)
TT

محاولات ترمب لخفض أسعار النفط تضر بالاقتصاد الأميركي

شخصان يزودان سيارتهما بالوقود في إحدى المحطات بمدينة شيكاغو الأميركية (رويترز)
شخصان يزودان سيارتهما بالوقود في إحدى المحطات بمدينة شيكاغو الأميركية (رويترز)

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتجي الطاقة الأحفورية الذين يحصلون على كثير من الأموال نتيجة الاضطراب الكبير في الإمدادات في السوق العالمية، الناجم عن إغلاق مضيق هرمز.

وقال ترمب إنه كان يتعين على «شركات النفط أن تعيد بعضاً من هذه الأموال إلى عامة الشعب، ومن الأفضل بالنسبة لها خفض سعر التجزئة، أي سعر المستهلك».

ويرى الدكتور بنجامين زيشر وهو زميلٌ بارز في معهد المشاريع الأميركية، حيث يُعنى بسياسات الطاقة والبيئة، وشغل سابقاً منصب كبير الاقتصاديين في مؤسسة «راند»، وأستاذ مساعد للاقتصاد في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، أنه «على نطاق ضيق، يتعين علينا أن نتساءل ما إذا كانت هذه التعليقات تعكس تفكيراً اقتصادياً سليماً. وعلى نطاق أوسع: ما التأثيرات التي يمكن أن نتوقعها عندما يسعى صناع السياسات إلى الحد من ردود فعل أسعار السوق والأرباح إزاء أي اضطراب كبير في سلسلة التوريد؟».

ويقول زيشر، في تحليله، إنه كان نحو 25 في المائة من التجارة البحرية العالمية في النفط الخام والمنتجات البترولية، ونحو 19 في المائة من الغاز الطبيعي المسال، يمر عبر مضيق هرمز، حتى بدأت إيران في التهديد ومهاجمة شحنات النفط التي تسلك المضيق.

وبناء على ذلك، تسببت الأعمال العدائية مع إيران وتهديداتها لطرق الشحن في اضطراب بإمدادات الطاقة سواء الأكبر أو بين الأكبر في التاريخ الحديث لسوق النفط الخام العالمية. ومن ثم لا يمكن أن يشعر أي أحد بأن هناك مفاجأة بالنسبة لارتفاع أسعار النفط الخام بشكل حاد هذا العام، ومعها ارتفعت أسعار المنتجات البترولية المكررة، خصوصاً وقود النقل.

وكان للأسعار المرتفعة التأثير الواضح في زيادة الأرباح ربع السنوية أو السنوية التي حققها منتجو الطاقة الأحفورية، ويذكر موقع «أويل برايس» أنه خلال العام الماضي، زادت أرباح قطاع الطاقة بنسبة 128.2 في المائة مقابل 37.9 في المائة بالنسبة لمؤشر «ستاندارد آند بورز 500».

ولكن ذلك هو فقط بداية القصة؛ الأسعار ترتفع والأسعار تنخفض ومعها العائدات الاقتصادية للاستثمار التي يحققها منتجو الطاقة الأحفورية. وخلال أعوام 1999 - 2025، تراوحت هذه العائدات الاقتصادية بين 38.97 في المائة و64.19 في المائة.

وخلال الفترة نفسها، تراوحت العائدات الاقتصادية حسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» من 36.55 في المائة إلى 32.15 في المائة مع متوسط سنوي 9.99 في المائة. ويلاحظ مع ذلك أن عوائد استثمارات الطاقة أكثر تقلباً بنسبة 11 في المائة - أي أكثر خطورة - من عوائد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وقال زيشر: «ولنتأمل الآن بعض التداعيات المترتبة على الاقتراح الذي يدعو إلى أن يعيد منتجو النفط بعضاً من الأرباح إلى عامة الناس. وما يعنيه هذا في الأساس هو أن احتمالات الارتفاع ستكون محدودة، في حين أن مخاطر الجانب السلبي ليست كذلك».

في نهاية المطاف، لن يدعو أي سياسي إلى أن يقدم الجمهور مساهمات لمنتجي النفط، بوصف ذلك تعويضاً عن عام سيئ... (ولا ينبغي لهم ذلك).

ويعني التفاوت هذا أنه بمرور الوقت لن يتمكن منتجو النفط من تحقيق معدل عائد تنافسي؛ وسوف تكون النتيجة الواضحة نقص الاستثمار ونقص إنتاج الثروة الوطنية التي تجسدها موارد الطاقة الأحفورية.

وستكون النتيجة أيضاً غير متسقة مع أجندة «الهيمنة على الطاقة» المعلنة للإدارة، والتي تعتمد على مستوى فعال من الاستثمار في إنتاج الطاقة المحلية.

الأسعار المصطنعة

اقترح ترمب أن تستهدف شركات النفط أسعاراً للبنزين بالتجزئة تبلغ نحو 2.50 دولار للغالون (بلغت الأسعار بدءاً من 27 أغسطس/آب نحو 4.10 دولار). وتكمن إحدى المشكلات في اختلاف الأسعار لمنتجات متطابقة تقريباً، وستختلف الأرباح بين المنتجين نظراً لاختلاف ظروف التكلفة وغيرها من المعايير الأساسية، وبالتالي سيقدمون تخفيضات سعرية متفاوتة.

وعلى نحو أوسع نطاقاً، تعكس أسعار البنزين بالتجزئة ظروف السوق التنافسية، وليس هدفاً محدداً بشكل تعسفي. فإذا أدت ظروف العرض والطلب إلى سعر توازن السوق - السعر الذي يوازن بين العرض والطلب - عند نحو 4 دولارات، فإن سعراً مصطنعاً قدره 2.50 دولار سيؤدي إلى طوابير طويلة أمام محطات البنزين، حيث يتنافس المستهلكون على البنزين «الرخيص» بالانتظار في الطوابير.

وتقدم حالات النقص والطوابير والتشوهات الجغرافية الهائلة التي لوحظت خلال سبعينات القرن الماضي، درساً مفيداً حول الآثار التي تترتب على إبقاء الأسعار دون مستويات توازن السوق.

وهناك مسألة أخرى تتمثل في أن تكلفة النفط الخام تبلغ 57 في المائة فقط من سعر التجزئة للبنزين. وتبلغ تكاليف التكرير 21 في المائة، والتوزيع والتسويق - نقل البنزين إلى محطات البيع بالتجزئة وتشغيل المحطات نفسها 8 في المائة، والضرائب الفيدرالية وضرائب الولايات 14 في المائة.

علاوة على ذلك، تشمل السياسة الفيدرالية من بين كثير من التشوهات معيار الوقود المتجدد - وهو إلزامية الإيثانول - مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التكرير وأسعار البنزين. وقد دعمت الإدارة البرنامج، الذي يعد أكثر من مجرد دعم ضخم للمصالح الزراعية في الغرب الأوسط.

الفرص البديلة

تدرك السوق بوضوح أن التهديدات التي تواجه نقل الطاقة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وربما غيرها من المعوقات، قد ازدادت بشكل ملحوظ على المدى الطويل، بغض النظر عن نتيجة الأعمال العدائية الحالية في الخليج والمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

وربما تساعد الزيادات المخطط لها والمستمرة في سعة خطوط الأنابيب وما شابه ذلك، ولكن من الواضح أن هذه البدائل تكلفتها أعلى من النقل الآمن عبر الممرات المائية؛ ولهذا السبب لم يتم استخدام هذه التوسعات حتى الآن.

ويعني هذا التحول طويل الأمد في بيئة التهديدات، ارتفاع الأسعار بشكل دائم عما كانت عليه في السابق، ومع مرور الوقت، زيادة الاستثمار في البنية التحتية للطاقة والإنتاج في الولايات المتحدة.

وسوف يكون ذلك بوضوح استجابة سوقية فعالة لتحول كبير في الأوضاع الدولية، مما سيؤدي، مرة أخرى، إلى زيادة في الثروة الوطنية الأميركية. أما السياسات التي تحد من العوائد الناتجة عن هذه الأسعار المرتفعة فتضعف تلك الاستجابة الاستثمارية.

واختتم زيشر تحليله بالقول: «لا تكمن القضية الأساسية فيما إذا كانت أسعار البنزين المرتفعة مرغوبة أم لا - فمن الواضح أنها تكبد المستهلكين تكاليف حقيقية - بل فيما إذا كان قمع إشارات السوق الناجمة عن اضطراب كبير في الإمدادات سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقليل العرض والاستثمار والكفاءة الإنتاجية للاقتصاد. والإجابة الواضحة هي نعم».