فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

حكومة سيباستيان لوكورنو تواجه برلماناً منقسماً وضغوطاً متزايدة من أسواق السندات

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)

تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الأقلية لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم، في وقت تتزايد فيه ضغوط المستثمرين للسيطرة على العجز والدين العام، بينما تقترب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين.

وتأتي المعركة المالية في توقيت بالغ الحساسية، إذ تعاني فرنسا بالفعل أحد أعلى مستويات العجز في منطقة اليورو، بينما قد تجعل الحسابات الانتخابية خفض الإنفاق والإصلاحات المالية أكثر صعوبة. ويزيد من المخاطر أن الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تضع السياسة المالية تحت ضغط أكبر، في ظل صعود مرشحين من أقصى اليمين واليسار، بينما تطرح القوى السياسية برامج قد تزيد الضغوط على المالية العامة.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو يستعرض حرس الشرف خلال مراسم استقباله لدى وصوله إلى مامودزو في جزيرة مايوت الفرنسية (أ.ف.ب)

وتستعد الحكومة لتحديد هدف عجز الموازنة لعام 2027 خلال الأسابيع المقبلة، على أن تقدم مشروع قانون الموازنة إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) بحلول 6 أكتوبر (تشرين الأول)، في خطوة يُتوقع أن تطلق أسابيع من التجاذبات السياسية والقلق في أسواق السندات.

وكانت الحكومة قد تعهَّدت بإجراءات كبيرة لخفض الإنفاق عندما يصل مشروع الموازنة إلى النواب في أكتوبر، بينما طرح وزير المالية رولان ليسكوير تجميد جزء من إنفاق المعاشات التقاعدية العام المقبل بهدف تحقيق وفورات، لكن تفاصيل الخطة لا تزال محدودة.

وتواجه باريس في الوقت نفسه صعوبة في تحقيق هدف خفض العجز هذا العام إلى 5.0 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ5.1 في المائة العام الماضي، في ظل ضعف النمو والإنفاق الطارئ المرتبط بموجات الحر، بينما تزيد أزمة الطاقة الضغوط على المالية العامة.

الأسواق تراقب فرنسا من كثب

لم تعد معركة الموازنة شأناً سياسياً داخلياً فقط، إذ بدأ المستثمرون خلال الصيف إعادة تسعير الديون الفرنسية تحسباً لمزيد من التقلبات قبل الانتخابات. وارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية، التي تحمل تصنيفاً ائتمانياً ممتازاً، للشهر الثالث على التوالي، ليصل إلى نحو 88 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ أواخر 2024.

وقال كيفن توزيت، من شركة إدارة الأصول الفرنسية «كارميغناك»، إن الفارق قد يصل إلى 100 نقطة أساس، مع وجود مجال لمزيد من الاتساع بعد ذلك.

وساعدت الشكوك بشأن التزام السياسيين الفرنسيين بخفض العجز على دفع عوائد السندات الفرنسية إلى مستويات تتجاوز نظيرتها الإيطالية، رغم ارتفاع عبء الدين في إيطاليا.

وتواجه فرنسا أيضاً استحقاقات ائتمانية مهمة، إذ تستعد وكالات التصنيف لتحديث تقييماتها للبلاد خلال الأسابيع المقبلة، بدءاً من «فيتش» يوم الجمعة، بعدما خفضت تصنيف فرنسا قبل عام إلى مستوى «إيه +»، وهو الأدنى في تاريخ التصنيف السيادي للبلاد لدى الوكالة.

ولا تقتصر الضغوط على خفض العجز الحالي، إذ ستحتاج الحكومة إلى الاقتراض بمبالغ أكبر خلال السنوات الخمس المقبلة لإعادة تمويل مئات المليارات من اليوروهات من السندات التي أصدرتها خلال جائحة «كوفيد-19» عندما كانت أسعار الفائدة منخفضة للغاية.

وتزداد حساسية الأسواق الفرنسية أيضاً أمام التطورات العالمية، بعدما وصلت تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة واليابان أخيراً إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، مع تنامي المخاوف بشأن ارتفاع أعباء الديون. وعادةً ما تنتقل التحركات الحادة في سندات الخزانة الأميركية إلى أسواق السندات الرئيسية الأخرى.

وزير الاقتصاد والمالية والصناعة والطاقة والسيادة الرقمية الفرنسي رولان ليسكيور (إ.ب.أ)

الانتخابات تزيد صعوبة خفض العجز

تتداخل معركة موازنة 2027 بصورة مباشرة مع الانتخابات الرئاسية المقررة في جولتين يومي 18 أبريل و2 مايو، مما يقلل هامش المناورة أمام الحكومة ويزيد احتمالات تأجيل القرارات المالية الصعبة.

وأظهر استطلاع أجرته «هاريس تولونا» أن خمسة سيناريوهات انتخابية من أصل أربعة، بحسب التقديرات الواردة في الاستطلاع، قد تقود إلى جولة إعادة بين زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، بينما أظهر الاستطلاع تقدم لوبان أمام جميع منافسيها، مع بقاء احتمال حدوث مفاجآت متأخرة قائماً كما جرت العادة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

ويمثل كل من ميلانشون ولوبان تحولاً كبيراً في السياسة الاقتصادية. فقد دعا ميلانشون إلى إلغاء الدين الذي يحمله البنك المركزي، بينما تؤيد لوبان خفض سن التقاعد إلى 60 عاماً لبعض الفئات.

وقال ديفيد زان، رئيس الدخل الثابت الأوروبي لدى «فرانكلين تمبلتون»، إن المشهد لا يزال شديد الضبابية، لكن المرشحين يميلون عموماً إلى سياسات مالية أكثر مرونة، بدلاً من تبني برامج تركز على إصلاح العجز وخفض الدين.

هل تعود المادة 49.3؟

ومن المتوقع أن تصبح المادة 49.3 من الدستور الفرنسي إحدى الأدوات الرئيسية في معركة الموازنة، وهي آلية تتيح لرئيس الوزراء تمرير مشروع قانون في الجمعية الوطنية من دون طرحه للتصويت، بعد أن يربط الحكومة بمسؤوليتها السياسية عن النص.

ومنذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024 التي أفرزت جمعية وطنية بلا أغلبية واضحة، اعتمدت حكومات الأقلية المتعاقبة على هذه المادة لتمرير قوانين الموازنة من دون تصويت برلماني.

لكن استخدام المادة يفتح الباب أمام المعارضة لتقديم مذكرة حجب ثقة، مما يجبر الحكومة على تقديم تنازلات، عادةً إلى الاشتراكيين أو الوسطيين أو المحافظين، لضمان بقائها.

وقد تكون مساحة التسوية أضيق هذه المرة، مع استعداد الأحزاب للانتخابات الرئاسية ومحاولتها ترسيخ مواقعها السياسية قبل بدء الحملة الانتخابية رسمياً.

وسبق أن أدَّت الموازنة إلى إسقاط رئيسي وزراء منذ انتخابات 2024، مما يعكس حجم المخاطر السياسية المحيطة بالملف المالي.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره اجتماعاً عاماً لفريق العمل المعني بمكافحة الهجرة غير الشرعية (أ.ف.ب)

ماذا لو لم تمر الموازنة؟

إذا فشل البرلمان في إقرار موازنة 2027 بحلول نهاية العام ولم تلجأ الحكومة إلى المادة 49.3، يمكنها تمرير قانون طوارئ قصير الأجل يمدد العمل بموازنة 2026 إلى حين إقرار موازنة كاملة بعد الانتخابات.

لكن هذا السيناريو قد يؤدي إلى حالة من الشلل المالي غير المسبوقة، وفق تحذير سابق لوزارة المالية الفرنسية، مع تجميد الاستثمارات والزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي، في وقت تستمر فيه تكاليف برامج الرعاية الاجتماعية في الارتفاع.

وقد يؤدي تمديد الموازنة إلى زيادة العجز بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، ما سيضعف ثقة المستثمرين ويدفع تكاليف الاقتراض إلى الارتفاع.

كما أن الانتخابات قد تؤدي إلى حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، ما يعني أن إقرار موازنة كاملة لعام 2027 قد يتأخر إلى النصف الثاني من العام، بالتزامن مع بدء العمل على موازنة 2028.

الموازنة بمرسوم؟

وإذا تمكنت الحكومة من البقاء حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) من دون إقرار قانون للموازنة، فقد تحاول تمريرها بمرسوم، متجاوزةً البرلمان في أهم تشريع مالي سنوي. ولم يُستخدم هذا الخيار مطلقاً في ظل الجمهورية الخامسة، بينما يرى خبراء قانونيون أنه سيكون خياراً بالغ الخطورة وقد يؤدي إلى تصويت جديد بحجب الثقة عن الحكومة.

وعلى خلاف المسار المنصوص عليه في المادة 49.3، فإن سقوط الحكومة بعد إقرار موازنة بمرسوم لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء الموازنة.

لكن قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون على تشكيل حكومة جديدة قبل الانتخابات ستكون محدودة، ما قد يترك حكومة لوكورنو لتصريف الأعمال. وفي هذه الحالة، قد تصبح موازنة المرسوم حلاً مؤقتاً إلى حين تشكيل حكومة جديدة تتمكن في أواخر 2027 من الحصول على دعم برلماني لخطتها المالية.

الدين يفرض حساباته

حتى في حال نجاح الحكومة الحالية في خفض العجز، ستظل فرنسا أمام تحدٍ طويل الأجل يتمثل في إعادة تمويل كميات ضخمة من الديون التي أُصدرت خلال سنوات الفائدة شديدة الانخفاض.

ويرى مستثمرون أن قدرة الرئيس الحالي أو المقبل على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة لخفض العجز لا تزال موضع شك، بينما تزيد الانتخابات من صعوبة اتخاذ إجراءات قد تكون مكلفة سياسياً.

وبذلك، تتحول موازنة 2027 إلى اختبار مزدوج لفرنسا: اختبار لقدرة النظام السياسي على إنتاج توافق مالي في ظل برلمان منقسم، واختبار لثقة الأسواق في قدرة باريس على السيطرة على العجز والدين قبل أن تصبح تكاليف الاقتراض عبئاً أكبر على المالية العامة.


مقالات ذات صلة

باكستان تحذّر من تأخر تعافي اقتصادها بسبب استهداف منشآت الطاقة في الخليج

وزير المالية الباكستاني محمد أورنغزيب (رويترز)

باكستان تحذّر من تأخر تعافي اقتصادها بسبب استهداف منشآت الطاقة في الخليج

حذّر وزير المالية الباكستاني محمد أورنغزيب من أن استمرار الاعتداءات على البنية التحتية للطاقة في السعودية ودول الخليج سيطيل أمد التعافي الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)

الصين توسع انفتاح أسواقها المالية وتعرض التعاون مع أوروبا

تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في النظام المالي العالمي عبر توسيع انفتاح أسواقها أمام المستثمرين الأجانب وتسريع الاستخدام الدولي لليوان

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ناقلة تحمل نفطاً روسياً في المحيط الهندي (أ.ف.ب)

روسيا تؤكد وفرة الديزل وتستأنف صادراتها للأسواق العالمية

أكدت روسيا امتلاكها كميات كافية من الديزل لتلبية الطلب المحلي ومواصلة التصدير، في وقت بدأت فيه إمدادات الوقود الروسي الوصول إلى الأسواق العالمية

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد «البنك المركزي» في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

واشنطن تدعو اليابان لتكييف الين والفائدة مع التضخم

تزايدت الضغوط على اليابان لإعادة ضبط سياستها النقدية بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية، بعدما أكدت وزارة الخزانة الأميركية أن البلاد تجاوزت مرحلة الانكماش

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

الأسهم الصينية تتعافى... واليوان يواصل مكاسبه

تعافت الأسهم الصينية، الجمعة، من أدنى مستوياتها في 14 شهراً، مدعومة بإعلانات شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي عن خطط لإعادة شراء أسهمها وتوقعات قوية للأرباح.

«الشرق الأوسط» (بكين)

صندوق النقد: اليابان قد تضطر إلى تسريع رفع الفائدة إذا تجاوز التضخم التوقعات

لوحة خشبية تحمل اسم رئيسة وزراء اليابان بجانب شجرة ماساكاكي التي أرسلتها قرباناً إلى ضريح ياسكوني في اليوم الأول من مهرجان الخريف في طوكيو (أ.ف.ب)
لوحة خشبية تحمل اسم رئيسة وزراء اليابان بجانب شجرة ماساكاكي التي أرسلتها قرباناً إلى ضريح ياسكوني في اليوم الأول من مهرجان الخريف في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد: اليابان قد تضطر إلى تسريع رفع الفائدة إذا تجاوز التضخم التوقعات

لوحة خشبية تحمل اسم رئيسة وزراء اليابان بجانب شجرة ماساكاكي التي أرسلتها قرباناً إلى ضريح ياسكوني في اليوم الأول من مهرجان الخريف في طوكيو (أ.ف.ب)
لوحة خشبية تحمل اسم رئيسة وزراء اليابان بجانب شجرة ماساكاكي التي أرسلتها قرباناً إلى ضريح ياسكوني في اليوم الأول من مهرجان الخريف في طوكيو (أ.ف.ب)

قال صندوق النقد الدولي إن بنك اليابان قد يحتاج إلى تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة إذا ارتفع التضخم بوتيرة تفوق التوقعات، في وقت تواجه فيه السلطات اليابانية ضغوطاً متزايدة لاحتواء ارتفاع الأسعار وتوضيح كيفية تمويل خطط الإنفاق وخفض الضرائب، وسط مخاوف الأسواق من تفاقم الدين العام.

وقال مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في الصندوق، كريشنا سرينيفاسان، إن البنك المركزي الياباني يسير في الاتجاه الصحيح من خلال تطبيع السياسة النقدية ورفع الفائدة تدريجياً نحو مستويات تتوافق مع استقرار النشاط الاقتصادي.

وأضاف، في مقابلة مع «رويترز» على هامش الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، أن تجاوز التضخم التوقعات قد يستدعي تشديد السياسة النقدية بوتيرة أسرع، لتجنب انفلات توقعات التضخم، مشدداً على أن قرارات البنك ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية.

وتأتي هذه التصريحات قبيل اجتماع السياسة النقدية لبنك اليابان في وقت لاحق من أكتوبر (تشرين الأول)، وسط توقعات بأن يُبقي البنك الفائدة دون تغيير، مع احتمال صدور إشارات تمهّد لرفعها في ديسمبر (كانون الأول).

وكان محافظ البنك، كازو أويدا، قد أكد الجمعة، أن البنك سيركز على تثبيت التضخم الأساسي قرب مستهدفه البالغ 2 في المائة، مشدداً على عزمه مواصلة رفع الفائدة.

ورفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة في سبتمبر (أيلول)، وهو أعلى مستوى له منذ 31 عاماً، بعد زيادة سابقة في يونيو (حزيران)، في ظل تصاعد الضغوط التضخمية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الواردات بفعل ضعف الين.

الين يتحرك تحت تأثير المضاربات

وفيما يتعلق بسوق الصرف، أظهر تحليل للصندوق أن جانباً كبيراً من تحركات الين منذ منتصف عام 2025 لا يرتبط بالعوامل الاقتصادية الأساسية، مثل فروق عوائد الفائدة، بل يتزامن مع تحركات المراكز المضاربية في العقود الآجلة للعملة اليابانية.

وقال سرينيفاسان إن السلطات اليابانية ملتزمة تماماً بنظام سعر الصرف الحر، موضحاً أنها سمحت للعملة بالتحرك في السوق بوصف ذلك خط الدفاع الأول، نظراً لعمق سوق الصرف اليابانية.

وكانت اليابان قد نفذت تدخلاً نادراً ومنسقاً مع الولايات المتحدة في 31 يوليو (تموز)، بعدما اقترب الين من أدنى مستوياته في نحو 40 عاماً، وسط مخاوف من انعكاسات تراجعه على استقرار الأسواق المالية.

ويزيد ضعف العملة اليابانية الضغوط التضخمية عبر رفع تكلفة المواد الخام والسلع المستوردة، ما يعزز التحديات التي تواجه السياسة النقدية.

مصادر تمويل الإنفاق

على صعيد المالية العامة، حذّر الصندوق من أن غموض مصادر تمويل خطط الإنفاق الجديدة وخفض ضريبة الاستهلاك قد يزيد مخاوف المستثمرين بشأن المخاطر المالية في اليابان، التي تراكمت عليها مستويات مرتفعة من الدين بعد سنوات من الإنفاق الحكومي.

وقال سرينيفاسان إن اليابان تحتاج إلى توضيح كيفية تمويل هذه الخطط، إلى جانب وضع إطار مالي متوسط الأجل يحدد مسار الإيرادات والإنفاق ويعزز ثقة الأسواق.

وتشمل الخطط المطروحة خفض ضريبة الاستهلاك لمدة عامين بدءاً من أبريل (نيسان) المقبل، وهو ما يثير تساؤلات بشأن تأثيره على الإيرادات العامة في وقت تتزايد فيه تكاليف الاقتراض عالمياً.

ومع ذلك، أشار المسؤول إلى أن اليابان حققت تقدماً في ضبط أوضاعها المالية منذ جائحة «كوفيد-19»، مقارنة ببقية دول مجموعة السبع، مدعومة جزئياً بارتفاع الإيرادات الضريبية.


غورغييفا: واثقون من التوصل إلى اتفاق مع لبنان بشأن برنامج مع صندوق النقد

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ف.ب)
TT

غورغييفا: واثقون من التوصل إلى اتفاق مع لبنان بشأن برنامج مع صندوق النقد

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ف.ب)

أعربت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا عن ثقتها بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع لبنان بشأن برنامج مع الصندوق، مؤكدة أن العمل مع السلطات اللبنانية مستمر، لكنه لا يزال يتطلب إنجاز مزيد من الخطوات.

وقالت غورغييفا، خلال مؤتمر صحافي في بانكوك، إن الصندوق يعمل مع لبنان، وإنها واثقة من نجاح الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج، لكنها أشارت إلى أن هناك بعض العمل الإضافي الذي يتعين إنجازه قبل بلوغ هذه المرحلة.

وتأتي تصريحاتها في وقت يسعى فيه لبنان إلى التوصل إلى اتفاق جديد مع الصندوق، بعد تعثر تنفيذ التفاهم الأولي الذي توصل إليه الطرفان في أبريل (نيسان) 2022، وسط استمرار العمل على إصلاح القطاع المصرفي ومعالجة الخسائر المالية.

وكان الصندوق قد رحّب بإقرار قانون إصلاح القطاع المصرفي في لبنان في أغسطس (آب)، لكنه شدد على ضرورة استكمال إصلاحات تشريعية ومالية أخرى، من بينها معالجة الفجوة المالية وإقرار موازنة عام 2027 وإطار مالي متوسط الأجل يضمن استدامة الدين.

ويُعد التوصل إلى اتفاق مع الصندوق خطوة مهمة في مسار الإصلاح الاقتصادي اللبناني، فيما تظل معالجة الخسائر المتراكمة في النظام المالي وتحديد آلية توزيعها من أبرز الملفات التي تواجه السلطات اللبنانية.


الجدعان: الحروب واضطرابات الإمدادات تزيد المخاطر على الاقتصاد العالمي

الجدعان خلال مشاركته في اجتماع المحافظين العرب مع رئيس مجموعة البنك الدولي يوم الجمعة (إكس)
الجدعان خلال مشاركته في اجتماع المحافظين العرب مع رئيس مجموعة البنك الدولي يوم الجمعة (إكس)
TT

الجدعان: الحروب واضطرابات الإمدادات تزيد المخاطر على الاقتصاد العالمي

الجدعان خلال مشاركته في اجتماع المحافظين العرب مع رئيس مجموعة البنك الدولي يوم الجمعة (إكس)
الجدعان خلال مشاركته في اجتماع المحافظين العرب مع رئيس مجموعة البنك الدولي يوم الجمعة (إكس)

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان، رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، أن استمرار الحروب والصراعات واضطرابات سلاسل الإمداد يفرض تكاليف إنسانية واقتصادية كبيرة على العالم، ويزيد الضغوط على الأسعار، خصوصاً في البلدان الأكثر فقراً وهشاشة، مشدداً على أهمية تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي، وتكثيف التعاون الدولي، وإنهاء النزاعات لتحقيق نمو مستدام واستقرار طويل الأجل.

وأوضح بيان رئاسة الاجتماع الرابع والخمسين للجنة، الصادر في بانكوك السبت، أن الاقتصاد العالمي تمكن من تجاوز سلسلة الصدمات الأخيرة بأداء أفضل من المتوقع، غير أن الهوامش الوقائية تآكلت، ما يجعل استمرار قدرته على الصمود غير مضمون. وحذّر البيان من أن تصاعد الصراعات والتوترات التجارية وارتفاع الدين العام وتكاليف إعادة التمويل قد تزيد مواطن الضعف الاقتصادي والمالي، في وقت تشهد فيه الاقتصادات تحولات هيكلية متسارعة بفعل التطور التكنولوجي والتغيرات الديموغرافية والمخاطر المناخية.

وشددت اللجنة على ضرورة معالجة مواطن الضعف في المالية العامة، وتعزيز استدامة الدين، وحماية الفئات الأكثر هشاشة والاستثمارات الداعمة للإنتاجية والنمو. كما أكدت أهمية استقلال البنوك المركزية، وأمن تدفقات الطاقة وحرية الملاحة، وتطوير التعاون الدولي في مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية.

في البداية، أشادت اللجنة بالقيادة التي اضطلعت بها السعودية للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، ورحبت بتمديد الجدعان رئيساً للجنة لمدة عام واحد.

وأفادت اللجنة بأن الاقتصاد العالمي تجاوز موجة الصدمات الأخيرة بأداء أفضل من المتوقع، لكنها حذّرت من تآكل الهوامش الوقائية التي عززت قدرته على الصمود، مؤكدة أن استمرار هذه القدرة لم يعد أمراً مضموناً.

الجدعان مشاركاً في أحد الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين (إكس)

ولا تزال الحروب والصراعات تخلّف أعباء إنسانية باهظة وتكاليف اقتصادية كبيرة، فيما تزيد اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات التجارية من الضبابية والضغوط على الأسعار.

في المقابل، أسهم التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في دعم الاستثمار والتجارة، مع إمكانات لرفع الإنتاجية. وأوضحت اللجنة أن هذه التطورات تزامنت حتى الآن مع استقرار النمو العالمي عموماً، إلا أن المكاسب الاقتصادية لا تزال متفاوتة، فيما تواجه البلدان منخفضة الدخل والدول الهشة خطر اتساع الفجوة بينها وبين بقية الاقتصادات.

وحذّرت اللجنة من أن المخاطر تميل إلى الجانب السلبي، مشيرة إلى أن تصاعد الصراعات والتوترات التجارية قد يعطّل طرق التجارة الحيوية، ويزيد الضغوط على أسعار السلع الأساسية، بما فيها منتجات الطاقة المكررة، فضلاً عن تفاقم مخاطر أمن إمدادات الطاقة والغذاء.

كما نبهت إلى أن ارتفاع عوائد السندات السيادية في الاقتصادات ذات الأهمية النظامية قد ينعكس على الأوضاع المالية العالمية، لا سيما في ظل ارتفاع مستويات الدين العام واحتياجات إعادة التمويل لدى العديد من البلدان. وقد تؤدي هذه الضغوط، إلى جانب الضبابية المحيطة بتأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة على الاقتصاد والقطاع المالي، إلى زيادة مواطن الضعف الاقتصادي والمالي.

وأضافت أن تسارع التحولات التكنولوجية، والتغيرات الديموغرافية، وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة والكوارث الطبيعية، فضلاً عن التجزؤ الجيواقتصادي، يزيد تعقيد الخيارات والمفاضلات التي تواجه صانعي السياسات.

ضبط المالية العامة

وشددت اللجنة على أن تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي يتطلب سياسات اقتصادية كلية سليمة ومتسقة وتعاوناً متعدد الأطراف، بما يدعم نمواً قوياً وواسع القاعدة.

ودعت إلى معالجة مواطن الضعف في المالية العامة بصورة عاجلة، والمضي في جهود ضبط الإنفاق والإيرادات، بدعم من أطر مالية موثوقة متوسطة الأجل، بما يضمن استدامة المالية العامة والدين وإعادة بناء الهوامش الوقائية، وفقاً لظروف كل دولة. وأكدت في الوقت نفسه ضرورة حماية الفئات الأكثر هشاشة والاستثمارات ذات الأولوية التي تعزز الإنتاجية والنمو.

وفي السياسة النقدية، أكدت اللجنة التزام البنوك المركزية بضمان استقرار الأسعار وفقاً للمهام المنوطة بها، مع مواصلة تعديل السياسات استناداً إلى البيانات والتواصل الواضح بشأن القرارات. وشددت على أن استقلال البنوك المركزية يمثل ركيزة أساسية لمصداقية السياسات والحفاظ على استقرار توقعات التضخم.

كما أكدت أهمية الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة مواطن الضعف والمخاطر التي تهدد الاستقرار المالي ومعالجتها عن كثب. ورحبت بـ«مخطط بانكوك» الذي يستهدف تعزيز الضمانات المتعلقة بالتمويل الرقمي، ورفع القدرة على الصمود في مواجهة الهجمات السيبرانية، وتطوير الجهود الدولية لمكافحة الاحتيال الرقمي.

وفي ما يتعلق بالنمو والإنتاجية، دعت اللجنة إلى مواصلة الإصلاحات التي تعزز دور القطاع الخاص، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والتحول الرقمي لرفع الإنتاجية، مع معالجة المخاطر المرتبطة بهذه التقنيات وتوسيع نطاق الاستفادة من منافعها.

وأكدت كذلك ضرورة التعاون الدولي لمواجهة التحديات العالمية وضمان استقرار النظام النقدي الدولي وفاعلية أدائه، ومعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية، وتجنب السياسات المشوهة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد من خلال إصلاحات تراعي ظروف كل دولة والتعاون متعدد الأطراف، بما يدعم اقتصاداً عالمياً منصفاً ومنفتحاً.

وفي ملف الطاقة، شددت اللجنة على أهمية ضمان تدفقات آمنة وموثوقة للطاقة، والتمسك بمبدأ حرية الملاحة، باعتبارهما عنصرين أساسيين للاستقرار الاقتصادي العالمي. كما أكدت الالتزام بالتعهدات المتعلقة بأسعار الصرف الواردة في تفاهم أبريل (نيسان) 2021.

دعم الدول المثقلة بالديون

كما أكدت اللجنة أهمية مساندة البلدان في تنفيذ الإصلاحات ومعالجة مواطن الضعف المرتبطة بالديون، من خلال سياسات اقتصادية كلية سليمة، وتعبئة الموارد المحلية، وتحسين الحوكمة.

وأولت اهتماماً خاصاً بالتحديات التي تواجه البلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل الأكثر هشاشة، بما فيها الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات والدول النامية الصغيرة.

وفي ملف الديون السيادية، شددت اللجنة على ضرورة مواصلة تحسين عمليات إعادة الهيكلة، بما في ذلك ضمن «الإطار المشترك»، والبناء على التقدم المحرز، ودفع العمل في «المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية» قدماً، لضمان تنفيذ عمليات إعادة الهيكلة بصورة منظمة ومنسقة، وفي الوقت المناسب، وبطريقة يمكن التنبؤ بها.

كما دعت جميع الأطراف المعنية، بما فيها الدائنون من القطاع الخاص، إلى تعزيز الشفافية بشأن الديون.

وشجعت اللجنة على زيادة الدعم المقدم إلى البلدان التي تتمتع بديون مستدامة وبرامج إصلاح وخطط نمو قوية، لكنها تواجه تحديات تمويلية قصيرة الأجل، وذلك من خلال تسريع تنفيذ النهج القائم على الركائز الثلاث لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي.

وأعربت عن شكرها للأعضاء الذين قدموا الضمانات اللازمة لدعم قدرة الإقراض المستدامة ذاتياً للصندوق الاستئماني للنمو والحد من الفقر، مع التطلع إلى تقديم الأعضاء الآخرين الضمانات المطلوبة سريعاً.

إصلاحات صندوق النقد

ورحبت اللجنة بأجندة السياسات العالمية للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي، وبالموافقة أخيراً على مجموعة شاملة من المراجعات المتعلقة بالسياسات، التي تستهدف تعزيز الرقابة الاقتصادية وتحليل الديون والإقراض وتنمية القدرات.

ودعت إلى تنفيذ هذه الإصلاحات سريعاً وبفاعلية، مع ضمان تطبيقها بصورة منصفة ومتسقة بين الأعضاء، كما أيدت تعزيز التكامل بين تنمية القدرات والرقابة الاقتصادية والإقراض.

وأوضحت أن هذه التغييرات من شأنها مساعدة الدول على تحديد المخاطر وإدارة الضبابية وتطبيق سياسات سليمة وأطر موثوقة، بما يعزز القدرة على الصمود ويدعم النمو.

كما رحبت بالعمل الذي يجريه الصندوق بشأن الآثار الاقتصادية الكلية والآثار المرتبطة بالسياسات لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مع التطلع إلى مزيد من التحليلات والمشورة في هذا المجال ضمن نطاق اختصاص المؤسسة.

زيادة موارد الصندوق

وجددت اللجنة تأكيد أهمية وجود صندوق نقد دولي قوي، قائم على نظام الحصص ومزود بموارد كافية، بما يضمن استمرار دوره المحوري في شبكة الأمان المالي العالمية.

ودعت إلى استكمال الموافقات المحلية اللازمة لإقرار زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة للحصص، من دون مزيد من التأخير.

كما أشارت إلى أن المبادئ التوجيهية للدرعية ستوفر أساساً للمناقشات المستقبلية بشأن إصلاحات الحصص والحوكمة، بما في ذلك في إطار المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

تحديث عمليات الصندوق وتعزيز تمثيل النساء والمناطق

أيدت اللجنة جهود صندوق النقد الدولي الرامية إلى تحديث عملياته، وتعزيز إدارة المخاطر المؤسسية، والاستثمار في موظفيه، بما يحافظ على مرونته وقدرته على الاستجابة ومواكبة متطلبات المستقبل، بما في ذلك من خلال الاستخدام الداخلي المدروس لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

وأعربت عن تقديرها للعمل الذي ينجزه موظفو الصندوق وما يبذلونه من جهود، ضمن نظام قائم على الجدارة، كما دعت إلى مواصلة تحسين تمثيل المناطق والنساء في الوظائف داخل المؤسسة.

وشددت كذلك على أهمية تعزيز تمثيل النساء في المجلس التنفيذي للصندوق وفي المناصب القيادية بالمجلس، وأكدت ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق الأهداف الطوعية المعتمدة في هذا المجال.

كما أكدت أن اختيار جميع المرشحين ينبغي أن يستند إلى معايير الجدارة التي تعتمدها كل دولة عضو.

وأخيرا، أشارت اللجنة إلى أن اجتماعها المقبل من المتوقع أن يُعقد في واشنطن العاصمة في أبريل (نيسان) 2027.