تتغير النظرة إلى مساحات لعب الأطفال في السعودية بالتوازي مع التحولات العمرانية التي تشهدها مدن المملكة، إذ لم تعد الحديقة أو الساحة العامة مجرد مساحة ترفيهية تضم مجموعة من الألعاب التقليدية، بل بدأت تتحوَّل إلى جزء من البيئة الحضرية يجمع بين الحركة والتفاعل الاجتماعي والتعليم، مع متطلبات تصميمية تفرضها طبيعة المناخ المحلي وهوية كل موقع.
ويظهر أحد النماذج غير التقليدية لهذا التوجُّه في منطقة «بوليفارد رنواي» في الرياض، حيث جرى تركيب سبع وحدات للعب العلمي داخل طائرة «بوينغ 777» حقيقية، بما يتيح للأطفال إجراء تجارب تعتمد على الضوء وبناء دوائر كهربائية والتعرُّف بصورة تفاعلية على بعض المبادئ العلمية، في تجربة تقول الشركة المصنّعة للمعدات إنها الأولى من نوعها كملعب علمي للأطفال داخل طائرة.
ويأتي التوسُّع في تطوير هذه المساحات في وقت تشهد فيه السعودية تنفيذ مشروعات واسعة لتطوير المدن والأحياء السكنية والحدائق والوجهات السياحية والترفيهية، ضمن مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى رفع جودة الحياة وتوسيع الخيارات المتاحة للسكان والزوار في مجالات الثقافة والرياضة والترفيه.
ومع نمو هذه المشروعات، تبرز تحديات تتجاوز تصميم مساحة اللعب نفسها إلى قدرة المعدات والمنشآت على التعامل مع الظروف المناخية في المملكة، خصوصاً درجات الحرارة المرتفعة والتعرُّض المستمر لأشعة الشمس، إلى جانب كثافة الاستخدام في المواقع التي تستقطب أعداداً كبيرة من الزوار.
وتفرض هذه الظروف متطلبات فنية تتعلق بنوعية الفولاذ المستخدم والحماية من التآكل، واختيار المواد البلاستيكية القادرة على الاحتفاظ بخصائصها تحت أشعة الشمس المباشرة، فضلاً عن جودة المثبتات وإمكانية استبدال المكونات بصورة منفردة، بما يسمح بإجراء عمليات الصيانة من دون الحاجة إلى إعادة بناء مساحة اللعب بالكامل.
ولا تقتصر المسألة على الاعتبارات الفنية، إذ بات التصميم جزءاً من الهوية المعمارية والثقافية للمشروع، مما يدفع الشركات العاملة في هذا المجال إلى تعديل منتجاتها وفق طبيعة الموقع ومتطلبات المطورين والجهات المشغلة.
حضور في السوق السعودية
وفي هذا السياق، تعمل شركة «ليبر» (Leber) الروسية في السوق السعودية منذ عام 2024، وورّدت معدات للعب والرياضة إلى عدد من المواقع في الرياض والخبر والعلا وضواحي جدة، إضافة إلى مجمع سكني تابع لشركة «أرامكو السعودية».
وتختلف متطلبات كل مشروع بحسب طبيعته؛ ففي حديقة البدر، على سبيل المثال، جرى تصنيع الهياكل بألوان مستوحاة من علم السعودية، بينما فرض مشروع «بوليفارد رنواي» تحدياً مختلفاً تمثل في دمج وحدات اللعب العلمي داخل مقصورة طائرة ركاب، ضمن مساحة ومسارات حركة ومتطلبات تشغيل محددة مسبقاً.
وتقول الشركة إن نشاطها لا يقتصر على السعودية، إذ جرى تركيب مرافق للعب والرياضة تابعة لها في عدد من الأسواق، من بينها الإمارات وقطر والكويت والأردن والمغرب، إضافة إلى سنغافورة والبرازيل وصربيا ومنغوليا وكازاخستان وأوزبكستان وأرمينيا.
وتعتمد مشروعات الشركة على دورة تطوير تبدأ بإعداد نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد، وصولاً إلى تصنيع مكونات من المعدن وألواح الضغط العالي «HPL» والحبال والخشب المصمت، مع استخدام الجلفنة بالغمس الساخن للمكونات المعدنية ومواد بلاستيكية مقاومة للاهتراء وأنواع خاصة من الفولاذ المقاوم للصدأ.
كما يجري تعديل النماذج القياسية وفقاً للكود التصميمي والمواصفات الفنية الخاصة بكل موقع، وهي مسألة تكتسب أهمية أكبر في المشروعات الحضرية التي تسعى إلى بناء هوية بصرية موحدة بدلاً من استخدام تجهيزات متشابهة في مواقع مختلفة.
اللعب بوصفه وسيلة للتعلم
وتشكل مساحات اللعب العلمية جانباً آخر من توجه الشركة، إذ طورتها بالتعاون مع باحثين من جامعة موسكو الحكومية «لومونوسوف»، بهدف تحويل بعض مبادئ الفيزياء إلى تجارب عملية يمكن للأطفال التفاعل معها مباشرة.
ويستطيع الأطفال من خلال هذه الوحدات تشغيل آليات مختلفة ومقارنة مصادر الضوء ومراقبة التأثيرات الصوتية والبصرية، بما يجعل عملية التعرف على الظواهر العلمية جزءاً من اللعب نفسه بدلاً من تقديمها في إطار تعليمي تقليدي.
ويقدم هذا النوع من المساحات نموذجاً يمكن من خلاله الجمع بين التعليم والترفيه في المرافق العامة المفتوحة، من دون الحاجة بالضرورة إلى إنشاء منشأة تعليمية داخلية منفصلة أو الاعتماد على جلسات محددة المواعيد ورسوم للدخول.
صُنع في روسيا
وحصلت معدات اللعب التي تنتجها «ليبر» على اعتماد ضمن العلامة الوطنية «صُنع في روسيا»، وهو برنامج يديره مركز التصدير الروسي بهدف الترويج للمصنّعين الذين جرى التحقق من توافق منتجاتهم مع معايير البرنامج ومساعدتهم على الوصول إلى الأسواق والعملاء الدوليين.
ومن شأن هذا الاعتماد أن يوفِّر للمطورين والجهات الراغبة في التعاقد مع الشركة مستوى أولياً من تقييم المورّد، مع بقاء عملية اختيار المنتجات مرتبطة بالمعايير الفنية للمشروع ومتطلبات السلامة والتشغيل وشروط التوريد المعمول بها في السوق المحلية.
ودخلت «ليبر» السوق السعودية من خلال منتجات معتمدة وشراكة مع جهة محلية، قبل أن تتوسَّع إلى تنفيذ مشروعات تطلب بعضها تعديلات في الألوان والمواد المستخدمة، وصولاً إلى تغيير طبيعة تجربة اللعب بما يتلاءم مع الموقع.
ويشير هذا التحول إلى اتجاه أوسع في تصميم المساحات العامة، حيث لم يعد تقييم ملاعب الأطفال مرتبطاً بعدد الألعاب أو حجمها فحسب، وإنما بقدرتها على الجمع بين عناصر الصحة والحركة والتعليم وتجربة الزوار، فضلاً عن مدى انسجامها مع البيئة العمرانية المحيطة وقدرتها على تحمل الظروف المناخية وكثافة الاستخدام.
وفي ظل التوسُّع العمراني والترفيهي الذي تشهده مدن السعودية، يصبح التحدي أمام المطورين والمصممين هو تحويل المساحات العامة إلى وجهات تمتلك وظيفة وهوية وتجربة خاصة بها. وفي بعض الحالات، قد يصل ذلك إلى إعادة توظيف مساحة غير متوقعة تماماً؛ مثل مقصورة طائرة «بوينغ 777» تتحول من مكان مخصص لنقل المسافرين إلى مساحة يختبر فيها الأطفال قوانين الضوء والصوت والكهرباء بأنفسهم.
