تكلفة الحرب تفجر سجالاً داخل إيران

«الحرس الثوري» رد على مساعد للرئيس قال إنه كان سيتخلى عن التخصيب لو علم أن المواجهة ستقتل خامنئي

تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تكلفة الحرب تفجر سجالاً داخل إيران

تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

اتسعت الخلافات داخل إيران بشأن تكلفة الحرب وجدوى التفاوض والتمسك بتخصيب اليورانيوم، بعدما دخل «الحرس الثوري» على خط سجال بدأ من داخل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، قبل أن يمتد إلى نجل الرئيس وخصوم الحكومة ومعسكر رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف.

ورد نائب الشؤون السياسية في «الحرس الثوري»، يد الله جواني، على تصريحات نائب الرئيس للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه، الذي قال إنه كان سيتخلى عن التخصيب لو علم أن الحرب ستؤدي إلى مقتل المرشد السابق علي خامنئي.

وقال جواني إن من يعتقدون أن التخلي عن التخصيب كان سيمنع الحرب «إما لا يملكون معرفة تاريخية دقيقة، وإما يفتقرون إلى التحليل الصحيح»، معتبراً أن الملف النووي ليس أصل المواجهة بين طهران وواشنطن.

نائب الشؤون السياسية في «الحرس الثوري» يد الله جواني خلال مقابلة تلفزيونية (جماران)

وأضاف أن القضايا النووية وحقوق الإنسان والصواريخ ودعم الجماعات المسلحة ليست، سوى «ذرائع للضغط»، وأن الخلاف الأساسي يتعلق باستقلال إيران ونظامها السياسي.

ودعا جواني إلى إبراز «واقع قوة إيران»، قائلاً إن المشكلات ونقاط الضعف ينبغي بحثها داخل الحكومة ولجان البرلمان المتخصصة، بدلاً من عرضها إعلامياً بطريقة تمنح الخصوم انطباعاً بأن إيران ضعيفة.

وقال إن الولايات المتحدة دخلت الحرب نتيجة «خطأ في الحسابات»، وإنها لو توقعت ما ستواجهه خلال الأشهر الستة الماضية لما بدأت العمليات. وأضاف أن إيران يجب أن تحافظ على عناصر قوتها وألا تسمح بتكرار هذا التقدير.

وفي السياق نفسه، قال جهاز استخبارات «الحرس الثوري» إن خصوم إيران، بعد «200 يوم من مقاومة الإيرانيين»، يسعون إلى «استنزاف الاستقرار والقدرة الوطنية على الصمود عبر الحرب النفسية». وأضاف أن الرد يجب أن يشمل تعطيل «قدرة قيادة العدو» وضرب شبكات المتعاونين معه والتصدي لمن «يخربون الاستقرار والوحدة».

وتشهد إيران خلافات متزايدة داخل مؤسسات الحكم بشأن التفاوض مع واشنطن، وشروط فتح هرمز، وتكلفة الحصار والحرب، وحدود التنازلات المقبولة لإنهاء المواجهة.

ثمن التخصيب

وبدأ السجال بعدما طرح قائم بناه بصورة مباشرة العلاقة بين التمسك بالتخصيب والتكلفة التي تحملتها إيران خلال الحرب. وقال نائب الرئيس للشؤون التنفيذية: «لو كنت أعلم أن أميركا ستقتل مرشدنا، لتخليت عن التخصيب». وأضاف أن «العقلانية تقتضي ألا ندفع تكلفة كبيرة من أجل هدف يمكن تحقيقه بتكلفة أقل»، متسائلاً: «أي تكلفة أكبر من استشهاد مقام القيادة؟».

وأثارت التصريحات ردود غاضبة بين المحافظين، قبل أن تتدخل المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني للدفاع عنه.

وقالت مهاجراني إن الحكومة تعتبر فقدان علي خامنئي «أثقل تكلفة للحرب»، مشيرة إلى أن كلام قائم بناه «واضح ومفهوم» من هذه الزاوية. ودعت إلى تجنب «القراءات الهامشية» والتركيز على «الحفاظ على الوحدة والتماسك الوطني».

قائم بناه يقف (يسار) إلى جانب بزشيكان ووزير الداخلية إسكندر مؤمني خلال اجتماع الأحد

ولاحقاً، انضم يوسف بزشكيان، نجل الرئيس ومستشاره الإعلامي، إلى السجال مدافعاً عن قائم بناه. وقال إنه لا يعارض تخصيب اليورانيوم، وإنه سيلتزم بأي قرار يتخذه المجلس الأعلى للأمن القومي والمرشد الإيراني، لكنه دعا إلى معرفة تكلفة القرارات ومنافعها قبل اتخاذها.

وكتب عبر شبكات التواصل: «حياتنا ليست مرتبطة بالتخصيب. إذا لم نخصب فلن نموت»، مضيفاً أن «الإنسان العاقل يزن ربح الشيء وخسارته ثم يتخذ القرار». وقال إن إنتاج الطاقة النووية الإيرانية لا يتوقف على التخصيب المحلي، مشيراً إلى أن وقود محطة بوشهر يُستورد من روسيا. وأضاف أن إيران تمتلك تقنيات أخرى «أكثر أهمية» لأمن الدولة وإدارتها، لكنها لا تحظى بالاهتمام نفسه، وقال: «لسنا متعصبين تجاهها إلى هذا الحد».

وهاجمت صحيفة «كيهان» بشدة على قول نجل الرئيس إن «التخصيب ليس من أصول الدين ولا من أعراضنا»، ووصفت تصريحاته بأنها «غير منطقية ومثيرة للشبهات»، واتهمته بالدفاع عن كلام قائم بناه الذي اعتبرته منافياً للمصالح الوطنية. وعنونت الصحيفة مخاطبة الرئيس: «سيد دكتور... أرسل ابنك أيضاً إلى المزرعة نفسها».

ومن جهتها، انضمت وكالة «دانشجو» التابعة لـ«الباسيج» الطلابي إلى الانتقادات، عادّةً أن التخصيب أحد «الخطوط الحمراء للنظام» وأنه ينبغي التعامل معه باعتباره من القضايا الأساسية للدولة.

وقال محمد كاظم أنبارلويي، نائب الأمين العام لحزب «المؤتلفة الإسلامية»، إن «طريق تقدم البلاد لا يُفتح بالتراجع أو المساومة»، مضيفاً أنه عندما يسعى الخصم إلى تدمير إيران «لا شرف في مثل هذا السلام».

سيارات تمر أمام لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل حاوية تموين يوم السبت الماضي (أ.ب)

ومن جانبه، قال ممثل المرشد في خراسان، رضوي أحمد علم الهدى، إن الخلاف الأميركي مع إيران لا يتعلق أساساً بالبرنامج النووي أو مواردها أو سياساتها الإقليمية.

وقال علم الهدى إن الملف النووي والتكنولوجيا ومشكلات إيران في غرب آسيا «ذرائع»، وإن الولايات المتحدة «ستظل معادية لإيران ما دام النظام متمسكاً بنهجه».

وحذر في الوقت نفسه من أن الضغوط الاقتصادية تستهدف زيادة الخلافات الداخلية، داعياً المسؤولين إلى عدم السماح بتحويل المشكلات المعيشية إلى انقسامات سياسية.

التكلفة المعيشية

وامتد الخلاف إلى معسكر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بعدما أثار مستشاره ومساعده أمير إبراهيم رسولي انتقادات عندما جمع بين المطالبة بالانتقام لمقتل علي خامنئي وارتفاع تكاليف المعيشة.

وقال رسولي: «سنظل حتى اليوم الأخير مطالبين بدم مرشدنا، لكن حفاضات الأطفال التي كنت أشتريها لابني قبل الحرب بـ360 ألف تومان، أصبحت اليوم بـ865 ألفاً». وأضاف: «يجب أن نطابق المبادئ والشعارات مع واقع المجتمع».

وهاجمه روح الله إيزدخواه، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، واتهمه بصناعة «ثنائية سخيفة ومخجلة» بين المطالبة بالانتقام وارتفاع الأسعار.

صورة انتشرت عبر قنوات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» على شبكة «تلغرام» من حملة تبرع بالحفاظات رداً على تصريحات مستشار قاليباف

وقال إيزدخواه إن القفزة الرئيسية في سعر حفاضات الأطفال سبقت الحرب، وربطها بتغيير سعر الصرف لا بالحرب نفسها.

وتحول كلام رسولي إلى مادة للسخرية في تجمعات ليلية، حيث ظهرت لافتة تدعو إلى «جمع مساعدات لشراء حفاضات» له، وفق وسائل إعلام إيرانية.

واعتذر رسولي لاحقاً، قائلاً إن «من حق الناس أن ينزعجوا»، وإنه يأسف إذا كان المثال الذي استخدمه «جرح مشاعر الناس».

وفي مشهد، دعا سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى مراجعة الاعتقاد بأن المفاوضات قادرة على حل المشكلات.

وقال جليلي أمام طلاب إن تصوراً ساد العام الماضي بإمكان معالجة المشكلات عبر التفاوض، لكن الولايات المتحدة هاجمت إيران خلال المفاوضات، حسب قوله. وأضاف أن الردع يتحقق عندما يعرف الطرف المقابل أن تحركاته «لن تبقى بلا رد».

ودعا، في ظل الحصار الاقتصادي والبحري، إلى استخدام إمكانات إيران «إلى أقصى حد»، ووضع مضيق هرمز بين الأدوات التي ينبغي الاستفادة منها.

وقال إن إيران، بحدودها مع 15 دولة ووصولها إلى البحر ومواردها من النفط والغاز والمعادن، تملك إمكانات لمواجهة الضغوط الاقتصادية.

إيراني يجلس أسفل مجسم لكأس العالم معروض تحت جسر في طهران يوم 7 يونيو 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأضاف أن الحرب لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة والإعلام والأمن، وأن على إيران الاستعداد للعمل على هذه الجبهات بالتوازي.

وتزامن السجال مع نشر بيانين منسوبين للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي شدد فيهما على تجنب الخلافات الداخلية وعدم تحويل نقاط الضعف إلى مادة للسجال العام.

ورد مجلس الوزراء على رسالة خامنئي بإعلان تمسكه بمواصلة المسارين الدبلوماسي والعسكري في آن واحد. وجاء في بيان الحكومة: «نعتبر ميدان الدبلوماسية وميدان الدفاع جناحين متكاملين ومتناسقين ولا ينفصلان لحماية المصالح الوطنية وأمن البلاد وكيانها، ونعمل على دفع المسارين بصورة متزامنة ومتوازنة».

وشدد البيان على أن كبح التضخم وإدارة الأسواق وتوفير فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي بين أولويات الحكومة، إلى جانب خفض الاعتماد على الدولار تدريجياً.


مقالات ذات صلة

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

اعتبر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن الرد الأميركي على شروط طهران السبعة لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر صمود إيران؟

حاولت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات...

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال كلمته الافتتاحية في المنتدى (الشرق الأوسط) p-circle 00:33

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة... والسعودية ماضية في الوفاء بالتزاماتها

تتصدر تحديات أمن الطاقة واستقرار الإمدادات أجندة مجتمع الطاقة العالمي في الرياض، مع انطلاق أسبوع الطاقة الذي يجمع وزراء وقادة صناعة وخبراء من مختلف الدول.

عبير حمدي (الرياض)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصعيد في «هرمز» وسط تمسك طهران بشروطها

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في شهرين.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
الاقتصاد صهاريج لتخزين النفط في شيبوشي بمحافظة كاغوشيما اليابانية (رويترز)

وكالة الطاقة الدولية تدعو إلى الإسراع بالسحب من الاحتياطيات النفطية

دعت وكالة الطاقة الدولية أعضاءها إلى تسريع الإفراج عن كميات النفط التي تعهدوا بها في إطار اتفاق سابق، مشيرة إلى أزمة الديزل العالمية التي تضرب الأسواق حالياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
TT

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

​نقلت وسائل إعلام حكومية في إيران، الأحد، عن ‌الأمين العام ‌للمجلس ​الأعلى ‌للأمن القومي ⁠محسن ​رضائي قوله ⁠إن رد الولايات المتحدة على الشروط ⁠السبعة التي طرحتها ‌طهران ‌لإعادة ​فتح ‌مضيق ‌هرمز «غير كافٍ». وأضاف رضائي أن على واشنطن ‌توضيح القضايا التي لا تزال ⁠غامضة بالنسبة ⁠لطهران.

ورأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أول من أمس، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات». وقال بزشكيان في كلمته خلال قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان: «إن الحوار لا يكتسب معنى ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا قام على الاحترام المتبادل والالتزامات المتبادلة، وإذا كان خالياً من الضغوط والتهديدات». وكان بزشكيان قد التقى، الخميس، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد وصولهما إلى تركمانستان للمشاركة في قمة رابطة الدول المستقلة، وهي منظمة تضم جمهوريات سوفياتية سابقة. وانطلقت القمة، الجمعة، في منتجع أفازا المطل على بحر قزوين. وتعد إيران وروسيا من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات. وقال بوتين، وفق ما نقلت وكالات أنباء روسية: «نحن مستعدون لبذل كل ما بوسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، معتبراً أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية لإنهاء الحرب» التي اندلعت مع ضربات أميركية إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط) الماضي.


تصعيد في «هرمز» وسط تمسك طهران بشروطها

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تصعيد في «هرمز» وسط تمسك طهران بشروطها

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة لمضيق هرمز إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط الأسبوع الماضي أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري، وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية. وفي موازاة التصعيد الميداني، تتمسك طهران بتنفيذ شروطها السبعة في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، في حين أكد رئيسها مسعود بزشكيان على أهمية مواصلة المشاورات الدبلوماسية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عُمان، قائلة إنها حاولت اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية. وأوضحت القيادة، في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة على مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»، ما أدى إلى تعطيل نظام الدفع بالكامل، من دون إلحاق أضرار بالطاقم.

وأضافت أن السفينة حاولت عبور المياه الإقليمية بعد مغادرة ميناء إيراني، مشددة على ضرورة التزام البحارة بتحذيرات الحصار الصادرة عن القوات الأميركية. ودعت «القيادة المركزية» أطقم السفن إلى متابعة إشعارات الملاحة البحرية والتواصل مع القوات البحرية الأميركية عبر «القناة 16»، المخصصة للاتصالات المباشرة بين السفن، أثناء الإبحار في خليج عُمان ومداخل مضيق هرمز.

كما وجهت تحذيراً إلى شركات الملاحة العاملة في المنطقة بضرورة التقيد بالتعليمات البحرية. وبحسب «القيادة المركزية»، عطّلت القوات الأميركية أربع سفن تجارية، وأجبرت 135 سفينة أخرى على تغيير مسارها والعودة، خلال ثلاثة أشهر من التطبيق الصارم للحصار. وأضافت أنها دمّرت، خلال الفترة نفسها، عشر ناقلات قالت إنها مرتبطة بالشبكة السرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وتقدر قيمتها بمليارات الدولارات.

تراجع حركة الملاحة

قدّمت القيادة المركزية الأميركية إحاطة لشركائها الدوليين في قطاع الشحن البحري حول مضيق هرمز (سنتكوم)

وفي تطور آخر، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الأحد، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في مضيق هرمز، استناداً إلى إفادة قبطانها. وقالت الهيئة إن السفينة أصيبت بمقذوف مجهول في جانبها الأيسر، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها، مؤكدة سلامة أفراد الطاقم. ولم تتضمن المعلومات المعلنة تفاصيل إضافية بشأن هوية السفينة أو الجهة المسؤولة عن الحادث.

وكانت وسائل إعلام إيرانية رسمية قد نقلت، يوم السبت، عن «الحرس الثوري» أن ناقلة نفط انفجرت واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري أثناء عبورها المضيق، من دون الكشف عن اسم الناقلة أو العلم الذي ترفعه.

وتأتي هذه الحوادث في وقت يشهد فيه الممر المائي الحيوي تزايداً في المخاطر الأمنية، مع استمرار الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، التي بدأت في أواخر فبراير (شباط) الماضي، وتبادل التهديدات والهجمات التي طالت الملاحة البحرية.

ويزيد تراجع حركة العبور المخاوف من اضطراب سلاسل إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط الخام، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20 في المائة من الاستهلاك العالمي للنفط.

وتضع التطورات المتلاحقة حركة الشحن أمام مخاطر متزايدة، في ظل تعارض الإجراءات الأميركية الرامية إلى فرض الحصار مع القيود والتهديدات الإيرانية التي تؤثر في الملاحة عبر المضيق.

طهران تتمسك بشروطها

جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في «شارع آزادي» بطهران يوم 29 يوليو 2026 (أ.ب)

سياسياً، جددت إيران تمسكها بالشروط السبعة التي طرحتها في إطار المفاوضات مع الولايات المتحدة، ضمن ما يُعرف بـ«خطة الأيام السبعة»، مؤكدة أنها غير قابلة للتعديل أو التراجع. وقال حسن قشقاوي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إن الشروط أُقرت من قبل «المراجع العليا» للنظام، ولا يمكن تغييرها على أي مستوى من مستويات صنع القرار، بحسب تصريحات نقلتها وكالة «مهر» الإيرانية.

وأضاف قشقاوي أن الشروط السبعة ليست موضع تفاوض أو مراجعة، معتبراً أن التجارب السابقة مع واشنطن تفرض تنفيذها بالكامل قبل اتخاذ أي خطوات أخرى. واتهم الولايات المتحدة بالتراجع عن التزامات سابقة، والابتعاد عن المسار الدبلوماسي.

وفي ما يتعلق بالرد الأميركي على المقترح الإيراني، قال قشقاوي إن الوسيط القطري نقل موقف واشنطن إلى طهران خلال وجود وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في نيويورك، وإن التواصل بشأن الرد جرى قبل عودته إلى إيران، خلافاً لما وصفه بادعاءات وتغطيات إعلامية بشأن مسار الاتصالات.

ووفقاً لروايته، طلبت واشنطن فتح مضيق هرمز أولاً، على أن تُنفذ المطالب الإيرانية تدريجياً بعد ذلك. ويتركز الخلاف، بحسب قشقاوي، على ترتيب تنفيذ الالتزامات؛ إذ تريد الولايات المتحدة البدء بفتح المضيق، في حين ترفض طهران اتخاذ خطوة مسبقة قبل تنفيذ شروطها السبعة كاملة.

بزشكيان يدعو إلى الدبلوماسية

بزشكيان في أثناء لقائه قيادات عسكرية (الرئاسة الإيرانية)

وفي موازاة تشدد الموقف التفاوضي، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أهمية استمرار المشاورات الدبلوماسية، وتوسيع التفاعلات البنّاءة بين دول المنطقة، والاستفادة من الإمكانات المشتركة لتعزيز التفاهم والتعاون.

وجاءت تصريحاته خلال اتصال هاتفي مع سلطان عُمان هيثم بن طارق، بحسب وكالة «فارس» الإيرانية شبه الرسمية. كما أعرب بزشكيان عن شكره لمسقط على جهودها الرامية إلى تعزيز السلام والاستقرار الإقليميين، وفق ما نقلته وكالة «بلومبرغ».

وتعكس هذه المواقف تزامن المسارين العسكري والدبلوماسي: تصعيد في البحر يهدد حركة الملاحة وإمدادات الطاقة، واتصالات سياسية لم تتجاوز حتى الآن الخلاف بشأن شروط التفاوض وترتيب تنفيذ الالتزامات. ويبقى مستقبل حركة العبور في مضيق هرمز مرتبطاً بتطورات المواجهة الميدانية، وإمكان التوصل إلى تفاهم يتيح استئناف الملاحة بصورة أكثر استقراراً.


«القائمة العربية» في إسرائيل تعرض «شبكة أمان» لأي بديل لحكومة نتنياهو

مواطن عربي في إسرائيل يحمل لافتة تطالب بوقف الجرائم ضد العرب خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (رويترز)
مواطن عربي في إسرائيل يحمل لافتة تطالب بوقف الجرائم ضد العرب خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (رويترز)
TT

«القائمة العربية» في إسرائيل تعرض «شبكة أمان» لأي بديل لحكومة نتنياهو

مواطن عربي في إسرائيل يحمل لافتة تطالب بوقف الجرائم ضد العرب خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (رويترز)
مواطن عربي في إسرائيل يحمل لافتة تطالب بوقف الجرائم ضد العرب خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (رويترز)

في الوقت الذي تُظهر فيه استطلاعات الرأي في إسرائيل أن الأحزاب العربية ستكون «لسان الميزان» بين المعسكرين المتنافسين على رئاسة الحكومة الإسرائيلية في الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتبدي «القائمة العربية الموحدة» بقيادة منصور عباس الاستعداد للتفاوض للمشاركة في حكومة يشكلها غادي آيزنكوت، قال رئيس «القائمة العربية المشتركة»، يوسف جبارين، إن قائمته مستعدة لمنح «شبكة أمان» لأي حكومة بديلة لحكومة بنيامين نتنياهو، مؤكداً أن الهدف هو العمل على تغيير الحكومة الحالية، واستخدام الأدوات المتاحة لتحقيق ذلك.

ويتنافس المترشحون للانتخابات في إسرائيل على 120 مقعداً تمثل مجمل عضويات البرلمان (الكنيست)، وتظهر استطلاعات رأي متتابعة أن المتنافسين الرئيسيين نتنياهو وآيزنكوت، لن يتمكنا من حيازة الأغلبية (60+1)، ما يظهر حاجتهما إلى دعم من القائمتين العربيتين (الموحدة أو المشتركة).

وثمة تباين بين القائمتين العربيتين بشأن المشاركة في الحكومة الإسرائيلية؛ وبينما سبق لـ«الموحدة» بقيادة عباس، المشاركة في تحالف مع حكومة نفتالي بينت ويائير لبيد، ترفض «المشتركة» الانخراط في حكومة إسرائيلية.

وأوضح جبارين أن هذه الشبكة «ستكون بالأساس شبكة أمان لشعبنا». وفسر ذلك بقوله: «توفير شبكة أمان للمجتمع العربي يتطلب وضع خطة واضحة وعملية لمكافحة الجريمة، إلى جانب اتخاذ خطوات عملية لوقف هدم البيوت، والدفع نحو إعداد خرائط هيكلية وتوفير الأراضي للأزواج الشابة، والعمل على ترخيص القرى العربية مسلوبة الاعتراف في النقب والاعتراف بها، بما يضمن معالجة قضايا التخطيط والسكن التي تواجه المواطنين العرب». وتابع جبارين: «نحن لا نعطي شيكاً على بياض. ومن يريد دعمنا، فليتفضل للتفاوض معنا حول مطالب مجتمعنا».

محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويأتي هذا الموقف، بحسب مصادر مقربة من المشتركة، ضمن الحوار القائم مع عدد من أحزاب معسكر التغيير، على الرغم من تعهد قادة هذه الأحزاب؛ آيزنكوت ونفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان، بألا يقيموا حكومة تستند إلى الأحزاب العربية. وهو ينسجم مع ما صرح به آيزنكوت، مساء السبت، بأنه سيقيم حكومة أقلية ويطرحها على الكنيست للتصويت.

ووفقاً للسيناريوهات المتوقعة، فإذا لم يفُز نتنياهو بالأكثرية وحظي آيزنكوت ومعسكر التغيير بأكبر عدد من المقاعد، فسيسعى لتشكيل حكومة، ويطرحها على الكنيست؛ فإذا حصلت على أكثرية فسينطلق إلى التغيير. والمتوقع عندها أن تصوت قائمة منصور عباس إلى جانب الحكومة، وربما يتم ضم النائب سيجالوفتش (المرشح الثاني بعد عباس) إليها، بينما تمتنع القائمة العربية المشتركة عن التصويت. وبهذا تضمن ألا يقيم نتنياهو حكومة.

وقال آيزنكوت: «أنا لن أطلب من العرب أو من (الحريديم) أن يصوتوا لي؛ بل سأطلب من كل أعضاء الكنيست الـ120 أن يصوتوا وفق ضمائرهم؛ فالدولة تحتاج إلى إنقاذ. لكن ما لن أسمح به هو أن يحول نتنياهو خسارته إلى ربح، وهزيمته إلى نصر، فيدفع بنا إلى حل الكنيست من جديد وإعادة الانتخابات. هذا لن يكون، وأنا واثق بأننا سنقيم حكومة؛ بل أتوقع أن تفضي الأيام المقبلة إلى مزيد من التغييرات فتسقط قوائم اليمين الصغيرة، ونقترب نحن في معسكر التغيير المؤلف من 4 أحزاب إلى مجموع 61، وربما 63 مقعداً».

وعلمنا أنه في المفاوضات بين العرب وقادة التغيير، اتفق على أن تكون الخطوة الأولى انتخاب رئيس للكنيست من معسكر التغيير، ويكون النائب أحمد الطيبي نائباً لرئيس الكنيست، ويوآف سيجالوفتش وزيراً أو نائب وزير (لم تحسم بعد تفاصيل هذه المسألة) يتسلم ملف مكافحة الجريمة، ويكون القرار الأول للكنيست تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقد كان أول رد فعل سلبي على تصريحات جبارين، من القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس؛ فأصدرت بياناً جاء فيه: «طلّ علينا مرشح الحزب الشيوعي والجبهة، يوسف جبارين، بخطاب صادم. فما كانوا يعارضونه بالأمس ويهاجمون (الموحدة) عليه، أصبح اليوم صحيحاً، وصاروا يسوّقون أنفسهم بوصفهم (بيضة قبان). ونسأل جبارين وشركاءه: إذا كان التأثير و(بيضة القبان)، أو بالتسمية الجديدة (القوة الحاسمة)، هما الطريق، فلماذا هاجمتم الموحدة حينها؟ ولماذا عملتم ليلاً ونهاراً على إسقاط حكومة التغيير؟».

وردت «القائمة المشتركة» على بيان «القائمة الموحدة» هذا، قائلة: «نستغرب ونستهجن بيان الإخوة في (القائمة الموحدة)، ردّاً على تصريحات رئيس قائمتنا البروفسور يوسف جبارين التي شغلت الإعلام الإسرائيلي، وما حمله بيان (الموحدة) من هجوم غير مبرَّر ومناكفة وتضليل؛ فنحن في (القائمة المشتركة) التزمنا بميثاق الشرف الذي وقّعناه، وحرصنا على أجواء انتخابية إيجابية ترفع نسبة التصويت بين جماهير شعبنا، وترفّعنا عن الإساءات المتكررة خلال الأسابيع الأخيرة. لقد عرضنا رؤيتنا بصدق ووضوح أمام الناس: ماذا نريد أن نفعل بعد الانتخابات، وما ثوابتنا وخطوطنا الحمراء، ولم نذكر (الموحدة) أو نتطرّق إليها، الاستطلاعات تتحدث بوضوح: القائمة المشتركة هي محور أي تغيير ينشده شعبنا، ومن يقلقه ذلك فليراجع حساباته لا أن يهاجمنا».