سجل الجنيه السوداني انهياراً جديداً ليعادل نحو 6400 جنيه مقابل الدولار خلال أيام قليلة، ليفقد أكثر من 90 في المائة من قيمته، وهو أدنى مستوى له منذ اندلاع الحرب في البلاد أبريل (نيسان) 2023.
وينذر هذا التراجع الحاد بموجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، في وقت يعاني فيه ملايين السودانيين من تداعيات الحرب، وتراجع الدخول، وتعطل النشاط الاقتصادي، بينما يحذر خبراء من أن استمرار انخفاض العملة سيزيد الضغوط التضخمية، ويعمق الأزمة المعيشية والإنسانية.
وأدخلت الحرب نصف سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليوناً إلى دائرة الاحتياجات للمساعدات الإنسانية.
ورصدت «الشرق الأوسط» تحركات شبه يومية ومتسارعة للجنيه مقابل الدولار في الخرطوم وبورتسودان، وسط زيادة الطلب على العملة الأميركية في السوق الموازية، مقابل محدودية المعروض، ونقص قدرة النظام المصرفي على توفير النقد الأجنبي.
ويبلغ سعر الصرف الرسمي لدى بنك السودان المركزي نحو 3350 جنيهاً للشراء و3375 جنيهاً للبيع مقابل الدولار، ما يعكس فجوة واسعة مع أسعار السوق الموازية.
وقال متعاملون في سوق الصرف لـ«الشرق الأوسط» إن الأسعار أصبحت شديدة التقلب، وتتغير خلال ساعات، مشيرين إلى أن الدولار تجاوز 6400 جنيه، وهو مستوى غير مسبوق منذ سنوات.
وأضاف أحد المتعاملين، طالباً عدم ذكر اسمه، أن أسعار التحويلات المالية الآتية من الخارج أعلى بكثير من أسعار التداول المحلي، في ظل الطلب الكبير على العملات الأجنبية.

وعادة ما يعزو تجار «السوق السوداء»، انخفاض الجنيه إلى قلة العرض وزيادة الطلب الكبير على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج، لكن في بعض الأوقات يلاحظون عمليات شراء بكميات كبيرة ربما تقف خلفها جهات ذات صلة بالحكومة، ما يؤدى إلى ارتفاع الأسعار بطريقة غير مسبوقة.
وحذّر خبراء اقتصاديون من أن يؤدي تراجع قيمة الجنيه إلى ارتفاع معدلات التضخم التي تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر في البلاد.
اختلالات مالية وفقدان الثقة
ويعزو الخبير الاقتصادي لؤي عبد المنعم انهيار الجنيه إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، بعضها يعود إلى اختلالات بنيوية ومالية سبقت الحرب، وأدت إلى عجز مالي مزمن وتوسع نقدي غير منضبط لتعويض نقص الإيرادات.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه السياسات أسهمت في تفاقم التضخم، وإضعاف الثقة بالعملة المحلية، فيما أدت الحرب إلى تعميق الاختلالات من خلال تعطيل النشاط الاقتصادي وسلاسل الإمداد، واستنزاف موارد النقد الأجنبي في النظام المصرفي.
وأضاف أن الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية (السوداء)، ناتجة عن انهيار الثقة، وغياب قدرة البنوك على توفير الدولار، وبالتالي يصبح السعر في «السوداء»، هو القيمة الحقيقية للعملة لأنه يعكس العرض والطلب الفعلي.
وأوضح «أن تعدد أسعار الصرف خلق بيئة مضاربة واسعة، وأضعف دور البنوك في ضبط السوق»، كلها عوامل، حسب رأيه، أدت إلى تدهور قياسي لقيمة الجنيه أمام الدولار.

الذهب يفقد الدولة مورداً رئيسياً
ويرى عبد المنعم أن تراجع موارد النقد الأجنبي لا يرتبط بالحرب وحدها، مشيراً إلى أن الذهب كان يمثل أكثر من 40 في المائة من صادرات السودان، وأن تهريب جزء كبير من إنتاجه حرم الدولة من موارد دولارية كان يمكن أن تدعم احتياطيات النقد الأجنبي.
وقال إن غياب مؤسسات الدولة وظهور أسواق موازية للعملة، إلى جانب المضاربة على الدولار والذهب، عزز دور السوق غير الرسمية في تحديد القيمة الفعلية للجنيه.
وأضاف: «حدّت العقوبات والعزلة المالية، المعلنة وغير المعلنة، أيضاً من تدفقات الاستثمار والتحويلات الخارجية، وأخّرت إعادة ربط النظام المصرفي السوداني بالأسواق المالية العالمية، فضلاً عن صعوبات استخدام العملة السودانية في عدد من دول الجوار».
الاستيراد يفاقم الضغوط
وتنعكس أزمة النقد الأجنبي مباشرة على المستوردين، الذين يعتمدون بدرجة كبيرة على السوق الموازية لتوفير الدولار اللازم لتمويل مشترياتهم من الخارج.
وقال عبد المنعم إن البنوك عاجزة عن توفير العملات الأجنبية بالكميات المطلوبة، ما يدفع المستوردين إلى السوق غير الرسمية، ويزيد الطلب على الدولار، ويضغط بدوره على سعر الجنيه.
وأشار إلى أن تراجع قيمة العملة خلال الأشهر الماضية انعكس سريعاً على أسعار السلع الأساسية، في حين لم تواكب دخول المواطنين الزيادات المتلاحقة في تكاليف المعيشة، ما أدى إلى تراجع قدرتهم الشرائية.

إجراءات مطلوبة
ويرى الخبير الاقتصادي أن احتواء انهيار العملة يتطلب حزمة من الإجراءات، في مقدمتها توحيد سعر الصرف، وضبط الكتلة النقدية، واستعادة دور الجهاز المصرفي في توفير النقد الأجنبي.
كما دعا إلى تعزيز سيطرة بنك السودان المركزي على صادرات الذهب الناتج عن التعدين الأهلي وإنتاج الشركات الصغيرة، بما يضمن دخول حصيلة الصادرات إلى النظام المصرفي الرسمي.
واقترح كذلك الحد من استيراد السلع الكمالية، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي لتقليص الاعتماد على الواردات، مع فرض قيود كمية ونوعية على السلع التي تنافس الإنتاج المحلي.
لكن نجاح هذه الإجراءات، حسب عبد المنعم، يظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على استعادة مؤسسات الدولة، وتحسين الثقة بالنظام المصرفي، وتوفير مصادر مستدامة للنقد الأجنبي، وهي تحديات يصعب فصلها عن مسار الحرب ومستقبل الاقتصاد السوداني.



