حل لغز تشكّل قشرة كوكب عطارد

من المقرر أن تدخل مركبة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية مدار عطارد في نوفمبر 2026 (وكالة الفضاء الأوروبية)
من المقرر أن تدخل مركبة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية مدار عطارد في نوفمبر 2026 (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

حل لغز تشكّل قشرة كوكب عطارد

من المقرر أن تدخل مركبة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية مدار عطارد في نوفمبر 2026 (وكالة الفضاء الأوروبية)
من المقرر أن تدخل مركبة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية مدار عطارد في نوفمبر 2026 (وكالة الفضاء الأوروبية)

كشفت دراسة ألمانية أن قشرة كوكب عطارد ربما تكون قد تشكلت نتيجة نشاط بركاني شديد ودرجات حرارة مرتفعة للغاية في باطنه، بعدما تمكن باحثون من تحديد نسبة ثاني أكسيد السيليكون على سطح الكوكب بدقة أكبر من أي وقت مضى.

وأوضح باحثون من معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي وجامعتي مونستر وغوتنغن في ألمانيا أن النتائج تقدم أدلة جديدة على أن الصخور البركانية التي تشكلت على عطارد نشأت من مواد انصهرت على أعماق أكبر داخل وشاح الكوكب، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Planetary Research».

وتُعد قشرة عطارد الطبقة الخارجية الصلبة للكوكب، وقد تشكلت خلال مراحله الأولى نتيجة تبريد المواد المنصهرة والنشاط البركاني. ويتميز سطحه القديم بكثرة الفوهات الناتجة عن اصطدامات الأجرام السماوية، إلى جانب سهول بركانية واسعة وتكوينات جيولوجية أخرى. وبسبب صغر حجمه وقربه من الشمس، فقد عطارد حرارته الداخلية سريعاً نسبياً؛ ما أدى إلى تراجع نشاطه الجيولوجي وتوقف النشاط البركاني تقريباً بعد مليار سنة من تشكله، لتصبح قشرته سجلاً مهماً لتاريخ الكوكب وتطوره.

واستهدفت الدراسة تحديد نسبة ثاني أكسيد السيليكون على سطح عطارد بدقة أكبر، واستخدامها لفهم الظروف التي تشكلت فيها قشرته، وطبيعة النشاط البركاني ودرجات الحرارة التي سادت في باطنه خلال مراحله المبكرة.

ويُعد ثاني أكسيد السيليكون مكوناً أساسياً في كثير من الصخور البركانية على الأرض، ويمكن أن تصل نسبته إلى نحو 75 في المائة في بعض الصخور، لكن انخفاض نسبته على عطارد يحمل دلالات مهمة بشأن طريقة تشكل صخوره.

وأظهرت النتائج أن الصخور البركانية على عطارد نشأت من مواد في الوشاح تعرضت لانصهار أعمق مما كان مفترضاً. ومع تبريد الوشاح المنصهر، تتشكل الصخور الأولى التي تستخلص كميات قليلة نسبياً من ثاني أكسيد السيليكون من الصهارة، بينما تصبح الصهارة المتبقية أكثر غنى بالسيليكا مع مرور الوقت؛ لذلك، فإن انخفاض نسبة ثاني أكسيد السيليكون في الصخور السطحية يمكن أن يشير إلى أن المواد التي أنتجتها انصهرت في ظروف شديدة الحرارة.

ولأن أي عينات صخرية من عطارد لم تصل إلى الأرض، ولم تهبط مركبة على سطحه لجمع الصخور، اعتمد الباحثون على الأشعة تحت الحمراء الصادرة عن سطح الكوكب. ولتحويل هذه القياسات إلى معلومات عن تركيب الصخور، أجروا أولاً تجارب مختبرية باستخدام حبيبات زجاجية صغيرة لا يتجاوز حجمها نحو نصف مليمتر، تحتوي على نسب محددة بدقة من ثاني أكسيد السيليكون، ثم قاسوا خصائص الأشعة تحت الحمراء الصادرة عنها.

وللتحقق من دقة هذه الطريقة، اختبرها الفريق أولاً على القمر، مستعيناً ببيانات الأشعة تحت الحمراء التي جمعتها مركبة الاستطلاع القمرية التابعة لوكالة «ناسا» منذ عام 2009. وتمكن الباحثون من إعداد أول خريطة كاملة لمحتوى ثاني أكسيد السيليكون على سطح القمر، ثم قارنوا نتائجها بعينات صخرية حقيقية جلبتها بعثات مأهولة وغير مأهولة، ما أتاح لهم التحقق من موثوقية الطريقة.

وبعد ذلك، طبق الباحثون الطريقة على بيانات الأشعة تحت الحمراء الخاصة بعطارد، ومن بينها بيانات جُمعت بواسطة تلسكوب بوك في مرصد ستيوارد بولاية أريزونا الأميركية.

وأظهرت الحسابات أن ثاني أكسيد السيليكون يشكل نحو 37 في المائة من سطح عطارد من حيث الكتلة، وهي نسبة تقل بنحو 25 في المائة عن التقديرات السابقة.

نشاط بركاني

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تقدم دليلاً على أن النشاط البركاني الذي أسهم في بناء قشرة عطارد حدث في ظروف شديدة الحرارة، وأن المواد التي صعدت من باطن الكوكب انصهرت على أعماق أكبر مما كان يُعتقد سابقاً.

ومع ذلك، لا يستبعد الباحثون تفسيراً آخر، يتمثل في احتمال أن عطارد كان يمتلك في الماضي كمية أكبر من ثاني أكسيد السيليكون في قشرته، ثم فقد جزءاً من الأكسجين الموجود فيها بمرور الوقت. ومن ثم، قد لا يكون انخفاض نسبة ثاني أكسيد السيليكون ناتجاً بالكامل عن ظروف تشكل الصخور، بل ربما أسهم التطور الكيميائي للكوكب أيضاً في هذه النتيجة.

وأضاف الفريق أن أهمية الدراسة تكمن في أنها توفر طريقة جديدة لاستخدام الأشعة تحت الحمراء للكشف عن التركيب الكيميائي لسطح عطارد، بما يساعد العلماء على استنتاج الظروف التي سادت في باطنه خلال مراحله الأولى، وإعادة بناء تاريخه البركاني والجيولوجي بصورة أكثر دقة.


مقالات ذات صلة

«ناسا» تُطلق التلسكوب «رومان» لوضع «خريطة غير مسبوقة للكون»

علوم يستعد صاروخ فالكون الثقيل التابع لشركة «سبيس إكس» للإطلاق حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي التابع لـ«ناسا» (رويترز)

«ناسا» تُطلق التلسكوب «رومان» لوضع «خريطة غير مسبوقة للكون»

أطلقت «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا)، الأحد، التلسكوب الفضائي «رومان»، في مهمة تهدف إلى رسم خريطة غير مسبوقة للكون، ضمن مشروع يمتد لسنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا إطلاق صاروخ «ستارشيب» في رحلته الـ13 من مجمع الإطلاق في تكساس الشهر الماضي (رويترز)

«سبايس إكس» تعتزم بناء «ميناء فضائي» في لويزيانا بقيمة 100 مليار دولار

أعلنت شركة «سبايس إكس» المملوكة لإيلون ماسك، الثلاثاء، خططاً لبناء «ميناء فضائي» ضخم في ولاية لويزيانا بجنوب الولايات المتحدة، بتكلفة لا تقل عن 100 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق القمر يتوهج بلون نحاسي مائل إلى الحمرة خلال خسوف جزئي (شاترستوك)

خسوف قمري يرسم مشهداً أحمر في سماء بريطانيا وأوروبا

لن يبقى في ضوء الشمس المباشر عند ذروة الخسوف سوى شريط رفيع من سطح القمر

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا مجرّة درب التبانة (د.ب.أ)

علماء يكتشفون أسرع نجم في مجرّة درب التبانة

اكتشف فريق من علماء فلك أسرع نجم في مجرّة درب التبانة، إذ يدور بسرعة كبيرة جدا تبلغ 25 ألف كيلومتر في الثانية حول الثقب الأسود الفائق الكتلة في مركز هذه المجرّة

«الشرق الأوسط» (باريس)
علوم الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«ملتّم أغسطس» تُعكّر مزاج مصطافي البحر المتوسط بمصر

إخلاء شاطئ وانلي بالإسكندرية (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)
إخلاء شاطئ وانلي بالإسكندرية (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)
TT

«ملتّم أغسطس» تُعكّر مزاج مصطافي البحر المتوسط بمصر

إخلاء شاطئ وانلي بالإسكندرية (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)
إخلاء شاطئ وانلي بالإسكندرية (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)

اضطر خالد محمد، مسوّق عقاري (45 سنة) إلى أن يغيّر خططه بعد أن رتّب هو وأسرته لرحلة 3 أيام في مطروح لنزول البحر والاستمتاع بأجواء المصيف في الأيام الأخيرة من أغسطس (آب) الحالي، قبل بدء موسم المدارس، بعد ما شاهد تحذيرات من نزول البحر.

وقال خالد إنه اعتاد أن يسافر للمصيف كل عام أياماً قليلة في أغسطس، لكنهم تراجعوا هذه المرة بعد أن بدأوا الترتيب للرحلة بسبب التحذيرات التي رأوها، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نفكر في تغيير وجهتنا إلى إحدى المدن المطلة على البحر الأحمر لقضاء إجازة سريعة قبل دخول المدارس».

تسببت الفترة المعروفة بـ«ملتّم أغسطس» في تعكير مزاج مصطافين، بعد قرارات برفع الرايات الحمراء ومنع المصطافين من نزول البحر في عدة محافظات تطل على البحر المتوسط هي الإسكندرية ومطروح والبحيرة وكفر الشيخ. ففي الإسكندرية، أصدرت المحافظة تنبيهاً مهماً وعاجلاً لمرتادي شواطئ المحافظة التي تمتد عشرات الكيلومترات، وجاء في التحذير أنه «طبقاً للبيانات الواردة من الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، ونظراً لاضطراب حالة البحر، سيتم رفع الراية الحمراء على جميع شواطئ سواحل محافظة الإسكندرية بداية من ظهر السبت، ويُمنع تماماً نزول الرواد إلى مياه البحر اعتباراً من هذا التوقيت، حتى إشعار آخر».

وأهابت المحافظة بجميع المواطنين ورواد الشواطئ الالتزام بالتعليمات حفاظاً على سلامتهم، وعدم تعريض حياتهم للخطر. وعلق الكثير من المتابعين على التحذير بأسف وحزن، من بينهم مواطنة من الإسكندرية كتبت: «كل هذا لمجرد أننا قررنا الذهاب للبحر؟!»، وتساءل آخرون: «متى يتم السماح بنزول البحر؟»، في حين كتبت معلقة باسم «إيمي موني»: «ربنا يعديها على خير، فعلاً البحر عالي جداً وشكله يرعب، مش عارفة الناس اللي رايحة وعايزة تنزل بتفكر إزاي، ده إحنا في بيوتنا على البحر وصوت الهوا راعبنا وسقعانين!».

ونشرت محافظة مطروح تحذيراً للمواطنين من نزول البحر، وأعلنت المحافظة استمرار غلق شواطئ مطروح حتى الاثنين، حفاظاً على أرواح المصطافين، بسبب ارتفاع الأمواج ووصولها إلى 4 أمتار.

وأكد تقرير الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية استمرار اضطراب الملاحة البحرية على بعض المناطق من سواحل (مطروح - العلمين - الإسكندرية - البحيرة - كفر الشيخ - الدقهلية)، كما أكد تقرير الهيئة أن سرعة الرياح تتراوح ما بين 30 و45 (كم/س)، وارتفاع الأمواج من مترين إلى 3 أمتار.

إخلاء شواطئ في الإسكندرية بسبب ارتفاع الأمواج (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)

وتوضح المتنبئة الجوية بمركز التنبؤات والإنذار المبكر بهيئة الأرصاد الجوية المصرية الدكتورة منار غانم أن «ملتّم أغسطس» ليست ظاهرة جوية بالمعنى العلمي، وإنما هي مصطلح شعبي شائع بين البحّارة والصيادين بخصوص فترة زمنية في أغسطس يحدث فيها اضطراب حركة الملاحة البحرية وارتفاع الأمواج.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «في النصف الثاني من أغسطس عادة ما تظهر فروق في درجات الحرارة على مسطح البحر المتوسط نتيجة تغيّر وتنوع مصادر الكتل الهوائية، وعادة ما ينشأ عن فروق درجات الحرارة نشاط الرياح، مما يؤدي لارتفاع الموج بنسب مختلفة من عام لآخر».

وأضافت أن هذه الأسباب عادة ما تؤدي لاضطراب في حركة الملاحة البحرية، فلا يكون البحر مناسباً للصيد ولا الملاحة البحرية ولا التنزه، وهذا ما حذرت منه «الهيئة».

وأكدت أن «بعد هذه التحذيرات تم التنبيه من السلطات المحلية لإغلاق بعض الموانئ وبعض الشواطئ أو منع نزولها، وعادة ما تستمر هذه الحالة ليوم أو يومين، وتختلف شدة الأمواج وارتفاعها من شاطئ إلى آخر». وعدّت أن ذلك «يرتبط بفترة انتقالية من فصل الصيف إلى فصل الخريف الذي يفصلنا عنه نحو 3 أسابيع؛ إذ يحدث تذبذب في درجات الحرارة، ومصادر الكتل الهوائية واختلاف الحرارة بين منخفض الهند الموسمي والكتل الهوائية المعتدلة القادمة من جنوب أوروبا، مما يؤدي لنشاط الرياح على مسطح البحر المتوسط، ومن المتوقع أن تعود الأمور لطبيعتها تدريجياً يوم الثلاثاء».


لحماية الصحة والأحياء السكنية... الرياض تنتهج «إطاراً تنظيمياً ملزماً» يتحكم في غبار الأعمال الإنشائية

صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
TT

لحماية الصحة والأحياء السكنية... الرياض تنتهج «إطاراً تنظيمياً ملزماً» يتحكم في غبار الأعمال الإنشائية

صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)

أصدرت الهيئة الملكية لمدينة الرياض دليلاً لإجراءات التحكم والسيطرة على الغبار الناتج عن الأعمال الإنشائية، يشمل التخطيط وتهيئة الموقع والحفر وحركة المركبات وتخزين المواد والهدم وتشغيل الكسارات، ومراقبة جودة الهواء وتوثيق الإجراءات.

ويضع الدليل ضمن أهدافه الحفاظ على الصحة العامة من التأثيرات الناجمة عن الغبار المتطاير، وتقليل الأضرار التي قد يسببها للمواقع المحيطة بالأعمال الإنشائية، وحماية المناطق الحضرية والبنية التحتية ومرافق المدينة من ترسباته، مع ترشيد استهلاك المياه المستخدمة في تثبيطه.

3 فئات للمشاريع

يصنف الدليل المشاريع إلى 3 فئات وفق مستوى مخاطر الغبار، وتشمل الفئة الأولى، منخفضة الخطورة، المواقع التي تقل مساحتها عن 2000 متر مربع، فيما تضم الفئة الثانية، متوسطة الخطورة، المشاريع التي تتراوح مساحتها بين ألفين و5 آلاف متر مربع. أما الفئة الثالثة، عالية الخطورة، فتشمل المواقع التي تزيد مساحتها على 5 آلاف متر مربع، أو تتجاوز فيها حركة الشاحنات 50 رحلة يومياً، أو تحتوي على كسارات أو محطات خلط خرسانة.

ويطلب من المشاريع المتوسطة والعالية إعداد خرائط للحساسية البيئية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية لتحديد المناطق الأكثر عرضة للغبار بناءً على اتجاه الرياح. كما يطلب تحديد المدارس والمستشفيات والمساجد والأحياء السكنية القريبة التي قد تتأثر به، وتطبيق الإجراءات اللازمة لحمايتها.

الحفر والأسطح المكشوفة

تشمل إجراءات تجهيز الموقع تخصيص مسارات للشاحنات والمعدات مرصوفة بالحصى أو كشط الأسفلت المعاد تدويره أو مادة تحد من تطاير التربة، قبل بدء الأعمال. وتتضمن رش أسطح التربة أثناء التجهيز والحفر، مع تجنب غمرها بالمياه، ودك التربة بعد انتهاء الأعمال.

وإذا توقفت الأعمال الترابية أكثر من 5 أيام، يجب استخدام مثبتات للغبار، مثل البوليمرات والمياه والمحاليل الملحية. ويحدد الدليل ارتفاع تفريغ حمولة التربة من المعدات بما لا يتجاوز 1.5 متر، ويخفضه إلى متر واحد في حالات الرياح الشديدة، مع استخدام رذاذ المياه.

ويعطي الدليل الأولوية لمصادر المياه غير الصالحة للشرب، ومنها المياه المعالجة أو المعاد تدويرها، ويلزم مرافق غسل الإطارات بإعادة تدوير المياه قدر الإمكان. كما يشترط وجود مصدر مياه احتياطي، وإيقاف الأنشطة المولدة للغبار إذا تعطلت أنظمة الرذاذ أو الرشاشات.

حركة المركبات والطرق

حدد الدليل سرعة الشاحنات والمعدات داخل المواقع بما لا يتجاوز 10 كيلومترات في الساعة على الطرق غير المسفلتة، و20 كيلومتراً في الساعة على الطرق المسفلتة. كما ألزم برش الطرق غير المسفلتة بالماء يومياً أو استخدام مثبطات التربة، وكنس الطرق المجاورة للمشروع بالمعدات الآلية مرة كل ساعة للمشاريع المتوسطة والكبيرة. ويشترط تغطية جميع حمولات الشاحنات وفحصها قبل مغادرة الموقع، على أن تمتد الأغطية فوق جوانب صندوق الشاحنة بما لا يقل عن 30 سنتيمتراً. ويجب تنظيف أي مواد منسكبة على الطرق الخدمية خلال 15 دقيقة.

غسل الإطارات وضبط المخارج

ينص الدليل على سفلتة أو تمهيد الطرق الممتدة من الطرق القائمة إلى مدخل المشروع، وتركيب أجهزة لغسل الإطارات أو استخدام نظام غمر لإزالة التربة والعوالق من الشاحنات والمعدات قبل خروجها. وفي حال استخدام وحدة الغسل، يجب ألا تقل دورة غسل كل محور عن 20 ثانية، مع تركيب مصيدة للرمال وفاصل للزيوت. أما نظام الغمر، فيتطلب شبكة مانعة للانزلاق بطول لا يقل عن 8 أمتار وحوضاً سفلياً لجمع المخلفات. كما يشترط عدم وجود آثار للمخلفات أو المياه على مسافة تتجاوز 15 متراً من بوابة الخروج.

الأكوام والكسارات

يحظر الدليل تخزين المواد أو إنشاء محطات خلط على مسافة تقل عن 200 متر من المدارس والمستشفيات والمساجد والمناطق السكنية. ويحدد ارتفاع أكوام المواد بثلاثة أمتار كحد أقصى، مع تشكيلها بصورة منخفضة ومستديرة، وتغطية الأكوام غير المستخدمة.

ويشترط استخدام صوامع محكمة الإغلاق مزودة بمرشحات للجسيمات العالقة «PM10» بكفاءة لا تقل عن 99 في المائة لتخزين الإسمنت ومواد البناء. كما يقصر استخدام الكسارات على مشاريع الفئة الثالثة، ويلزم بتغطية وحداتها، وتزويد نقاط التحميل والتنزيل والنقل بأنظمة الرذاذ أو الضباب، وتغطية السيور الناقلة وتركيب أنظمة لشفط الغبار وفلترته.

الهدم والرياح

في مواقع الهدم الكبيرة، ينص الدليل على استخدام مدافع رذاذ يصل مداها إلى ما بين 20 و30 متراً، إلى جانب الرش المستمر أثناء الهدم واستخدام المناشير المزودة بالمياه أو أنظمة شفط الغبار. كما تقتصر مساحة الهدم النشطة على 100 متر مربع في المرة الواحدة، وتتوقف أعمال الهدم إذا تجاوزت سرعة الرياح 15 كيلومتراً في الساعة.

وعند تراوح سرعة الرياح بين 15 و25 كيلومتراً في الساعة، تطبق إجراءات تثبيط إضافية، تشمل رش الطرق الترابية كل ساعة، وكنس الطرق المعبدة مرتين في كل وردية، وفحص نظام غسل الإطارات كل ساعة. وإذا تجاوزت السرعة 25 كيلومتراً في الساعة، تعلق أعمال الحفر والتسوية والخنادق والهدم والتكسير ومناولة الأكوام وتحميل النفايات.

الرصد وتوثيق الإجراءات

يلزم الدليل المشاريع متوسطة الخطورة بتركيب جهاز واحد أو أكثر لرصد جودة الهواء، والمشاريع عالية الخطورة بجهازين أو أكثر، لقياس الجسيمات العالقة «PM10» وسرعة الرياح واتجاهها، وربط البيانات بالمنصة الموحدة للهيئة والمركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي. كما يوجب تركيب كاميرات عند جميع نقاط الدخول والخروج والاحتفاظ بالمقاطع لمدة لا تقل عن 90 يوماً.

ويصدر تحذير عند وصول تركيز «PM10» إلى 250 ميكروغراماً للمتر المكعب. وإذا تجاوز 340 ميكروغراماً لأكثر من دقيقتين، تسجل مخالفة وتوقف الأعمال المسببة للغبار، فيما يستدعي استمرار التجاوز 30 دقيقة تطبيق بروتوكول تعليق الأعمال. وقبل تجهيز الموقع، يجب رصد بيانات «PM10» والرياح لمدة لا تقل عن أسبوعين على حدود المشروع، كما يلزم المقاولين باستخدام سجل يومي يوثق الرش، وحالة الأكوام والطرق وغسل الإطارات والرياح وأعطال المعدات والإجراءات التصحيحية، وحفظ النماذج ضمن سجلات خطة إدارة الغبار وتقديمها إلى الجهات التنظيمية عند طلبها.


«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
TT

«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)

يعود الفيلم الوثائقي القصير البوسني «فخر الدين» (Fakhrudin) إلى واحدة من أكثر الصفحات ألماً في تاريخ البوسنة والهرسك الحديث، من خلال قصة طفل كان في السابعة من عمره عندما نجا من إبادة «سربرنيتسا» عام 1995، وعُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «سراييفو السينمائي» في البوسنة والهرسك، مقدماً حكاية شخصية ومكثفة عن النجاة وسط واحدة من أكبر مآسي الحرب البوسنية، من خلال لغة سينمائية مبتكرة تجمع بين الرسوم المتحركة والمواد الأرشيفية والشهادات المرتبطة بمحاكمات جرائم الحرب.

ولا يتعامل الفيلم مع سربرنيتسا باعتبارها حدثاً تاريخياً واسعاً فحسب، بل يختار الاقتراب منها من خلال مصير شخص واحد، فخلف الأرقام والوقائع والشهادات التي ارتبطت بالمجزرة، يقف طفل كان في السابعة، وجد نفسه وسط أحداث أكبر من قدرته على الاستيعاب، ثم نجا ليحمل ذاكرة تلك الأيام معه حتى مرحلة الرشد، ومن خلال هذا المدخل، يحاول الفيلم استعادة الجانب الإنساني من المأساة، وإبقاء الذاكرة حية عبر قصة فردية يمكن للمشاهد أن يقترب منها ويتفاعل معها.

بداية القصة

ويقول كاتب ومخرج الفيلم ألن درلييفيتش في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عبر تطبيق «زووم»، إن المشروع لم يبدأ من فكرة كانت في ذهنه، وإنما جاء بعد أن طلب منه المنتج الرئيسي دينيس دريديتش، من شبكة التحقيقات البلقانية «BIRN»، صناعة فيلم عن فخر الدين، موضحاً أنه لم يكن يعرف الكثير عن القصة في البداية، رغم سماعه عنها من قبل، لكنه عندما بدأ في قراءة المواد المتعلقة بالطفل الذي نجا من الإبادة «اهتز تماماً» أمام تفاصيل الحكاية.

كان وقع القصة سريعاً على المخرج إلى درجة أنه كتب السيناريو خلال يومين فقط، ويؤكد أن تلك الفترة شهدت انغماسه في المواد التي كانت متاحة أمامه، وهو ما سمح له بتكوين تصور أولي سريع عن الشكل الذي يمكن أن يتخذه الفيلم.

لكن المشروع لم يكن تقليدياً منذ البداية؛ فقد كان لدى المنتج فكرة مختلفة تتمثل في صناعة فيلم رسوم متحركة، ويعترف المخرج بأن الفكرة بدت له في البداية غريبة بعض الشيء؛ إذ لم يكن من السهل، للوهلة الأولى، تصور استخدام الرسوم المتحركة لتناول موضوع يرتبط بالإبادة والحرب والموت.

غير أن هذا الانطباع تغير عندما بدأ في البحث بصورة أعمق عن القصة، وعثر على مواد وشهادات مرتبطة بمحكمة جرائم الحرب الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي. وكان من بين المواد التي أثارت اهتمامه شهادة جندي من جيش صرب البوسنة، وهو الرجل الذي أنقذ فخر الدين.

هنا، كما يقول المخرج، بدأت الصورة تتضح أمامه، وأدرك أن الرسوم المتحركة يمكن أن تصبح جزءاً من معالجة وثائقية أكثر اتساعاً، بدلاً من أن تكون مجرد أسلوب بصري. ومن ثم تشكلت فكرة الفيلم باعتباره مزيجاً من «الوثائقي والأرشيف والرسوم المتحركة».

استغرق العمل على الفيلم عامين (الشركة المنتجة)

واستغرق العمل على الفيلم نحو عام ونصف العام، بينما امتدت العملية كاملة، بما في ذلك المراحل السابقة للإنتاج، نحو عامين. ويشير المخرج إلى أن المنتج دينيس دريديتش كان قد أمضى وقتاً طويلاً في الإعداد للمشروع وإجراء مقابلات مع فخر الدين نفسه، قبل أن يبدأ هو في بناء الفيلم اعتماداً على المواد التي جُمعت.

ورغم خبرته الطويلة في الإخراج وكتابة السيناريو والعمل الوثائقي والروائي، كان «فخر الدين» أول مشروع يخوض فيه المخرج تجربة العمل بالرسوم المتحركة، ولا يصف التجربة بأنها كانت صعبة بالمعنى المباشر، لكنه يقر بأنها كانت تتطلب جهداً كبيراً ولم تكن سهلة. ومع ذلك، يرى أن هذا الأسلوب فتح أمامه مساحة إبداعية مختلفة، خصوصاً أن الرسوم المتحركة حملت معنى إضافياً داخل الفيلم.

سنوات البراءة

فالرسوم المتحركة، في وعي الجمهور، ترتبط عادة بالطفولة، وبسنوات البراءة الأولى، وبالأفلام التي يشاهدها الأطفال. وفي «فخر الدين»، يصبح هذا الارتباط جزءاً من البناء الدرامي والإنساني للعمل؛ لأن الشخصية الرئيسية نفسها كانت طفلاً في السابعة عندما وقعت الأحداث.

ويقول المخرج إن هذه العلاقة بين الرسوم المتحركة والطفولة ساعدت الفريق على الوصول إلى جوهر القصة، موضحاً أن الأسلوب البصري أصبح بمثابة جسر نحو «براءة الطفل» في مواجهة المأساة التي أحاطت به.

لكن الجانب الأصعب في صناعة الفيلم، وفقاً للمخرج، لم يكن تقنياً بقدر ما كان إنسانياً، فسربرنيتسا ليست بالنسبة إلى البوسنيين مجرد واقعة تاريخية يمكن التعامل معها من مسافة آمنة، وإنما تمثل مأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية.

ويقول المخرج إن العمل على أي موضوع يرتبط بسربرنيتسا يظل أمراً صعباً؛ لأنها تمثل نوعاً من المأساة الكبرى أو «المأساة الملحمية» في الذاكرة البوسنية. لكن الأمر كان أكثر حساسية في حالة «فخر الدين»؛ لأن الفيلم يضع طفلاً في قلب هذه المأساة.

ويضيف أن أحد أكبر مخاوفه أثناء العمل كان ألا يرتكب خطأ في التعامل مع قصة فخر الدين، وألا يضيف شيئاً إلى الصدمة التي عاشها، فالشخصية التي يتناولها الفيلم لم تعد طفلاً اليوم، بل أصبح رجلاً بالغاً، لكن تجربة الطفل هي جوهر الفيلم.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولهذا، كان المخرج يفكر باستمرار في المسؤولية التي تقع على عاتقه عندما يعيد تمثيل تجربة شخص حقيقية، خصوصاً تجربة مرتبطة بحدث بالغ القسوة. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد اختيار زوايا أو صور أو أسلوب سرد، وإنما محاولة للعثور على الطريقة الأكثر احتراماً لقصة الناجي.

ويبدو هذا الحرص واضحاً في اختيار الفيلم ألا يقدم سربرنيتسا من خلال خطاب سياسي أو تاريخي واسع، وإنما من خلال قصة إنسان واحد، فبدلاً من محاولة اختصار تاريخ الإبادة في دقائق محدودة، يركز الفيلم على مصير طفل، وعلى الشهادة التي توثق لحظة إنقاذه.

مشاهد مكثفة

ويعتقد المخرج أن هذا المزيج بين اللحظة التاريخية المحددة، والشهادة القضائية، والرسوم المتحركة، والمواد الأرشيفية، يمنح الفيلم كثافة تسمح له بتناول قصة أكبر من زمنه القصير، مشيراً إلى أن هذا النوع من المزج ليس شائعاً بالضرورة في الأفلام، سواء كانت قصيرة أو طويلة، ولذلك كان التحدي هو الوصول إلى صيغة تستطيع أن تختصر المأساة من دون أن تفقد معناها، فالهدف لم يكن أن يخرج المشاهد من الفيلم وهو يمتلك كل المعلومات عن سربرنيتسا، وإنما أن يخرج وهو يتذكر فخر الدين.