لم يتطلب الأمر من جواو بيدرو سوى 31 ثانية ليُعلن عن موقفه مما يُسمى لعنة الرقم تسعة في تشيلسي. رفع اللاعب البرازيلي الكرة ببراعة فوق حارس مرمى فولهام، بيرند لينو، ليُمهد الطريق أمام فريقه لتحقيق فوزٍ مثير بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين على ملعب «كرافن كوتيدج» في أول مباراة للمدير الفني الإسباني تشابي ألونسو على رأس الجهاز الفني للبلوز.
كانت عطلة نهاية أسبوع لا تُنسى لجواو بيدرو شخصياً، بعد أن مُنح القميص رقم تسعة المميز وشروطاً مالية مُحسّنة في عقد جديد يمتد حتى عام 2034. قد يبدو الأمر غريباً، لكن هناك شريحة كبيرة من مُشجعي تشيلسي تُؤمن بما يُسمى اللعنة، حيث لم يشهد النادي منذ رحيل المهاجم الهولندي جيمي فلويد هاسلبانك عام 2004 - حسب نزار كينسيلا على موقع «بي بي سي» - مهاجماً يحرز الكثير من الأهداف يرتدي القميص رقم تسعة.
ارتدى المهاجم الإيفواري ديدييه دروغبا القميص رقم 11 خلال فترة تألقه في «ستامفورد بريدج»، في حين ارتدى دييغو كوستا القميص رقم 19، لكنّ مهاجمين بارزين مثل روميلو لوكاكو، وألفارو موراتا، وغونزالو هيغواين، وراداميل فالكاو، وبيير إيمريك أوباميانغ عانوا كثيراً وهم يرتدون القميص رقم تسعة.
ومر هؤلاء اللاعبون جميعاً بفترات صعبة ورحلوا عن النادي بعد فترة قصيرة نسبياً. كان آخر لاعب ارتدى هذا القميص قبل جواو بيدرو هو ليام ديلاب، الذي انضم مؤخراً إلى نوتنغهام فورست بعد تسجيله هدفاً واحداً فقط في الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي.
ارتدى لاعبون آخرون – من غير المهاجمين - هذا القميص أيضاً، من بينهم لاعب خط الوسط ستيف سيدويل والمدافع خالد بولحروز، مع أن بعض المشجعين يرون أن تامي أبراهام قدّم أداءً جيداً بالقميص رقم تسعة قبل انتقاله إلى روما.

وبعد تسجيله هدفاً في مرمى فولهام، وتألقه إلى جانب كول بالمر ومورغان روجرز، الذي ضمه النادي في صفقة قياسية في تاريخ النادي بقيمة 117 مليون جنيه استرليني، سُئل جواو بيدرو عن لعنة القميص رقم تسعة، فقال لصحيفة «ميرور»: «لا أؤمن بهذه اللعنة. ولا أعتقد أن الأرقام تضع مثل هذا الضغط على من يرتديها».
في الموسم الماضي، سجل اللاعب البالغ من العمر 24 عاماً 20 هدفاً في جميع المسابقات، ليصبح أول مهاجم لتشيلسي يصل إلى هذا الرقم منذ دييغو كوستا قبل تسع سنوات.
وقد أسعد هذا الإنجاز إدارة تشيلسي التي تعاقدت مع اللاعب قادماً من برايتون الصيف الماضي مقابل 55 مليون جنيه استرليني، بالإضافة إلى 5 ملايين جنيه استرليني إضافات. كما يعتقد المقربون من جواو بيدرو أن اللاعب يستحق تماماً الزيادة الأخيرة في راتبه وتمديد عقده. علاوة على ذلك، لا يشعر المقربون منه بأي قلق بشأن قدرته على تحمل الضغط الناجم عن كونه المهاجم الأبرز في صفوف تشيلسي الآن.
بناء الصمود والقوة البدنية بعد المعاناة
«لو وصفته بشيء واحد، فسيكون نضاله الدائم من أجل تحقيق ما يريد»، هكذا صرّحت والدته فلافيا جونكيرا لـ«بي بي سي». وبالنظر إلى قصة جواو بيدرو، نجد أن هذا بالضبط ما اضطره إلى القيام به.
تولت والدته وجدته تربيته، وتشير تقارير عن طفولته المبكرة إلى أن والده، لاعب كرة القدم السابق في بوتافوغو، خوسيه جواو دي خيسوس - المعروف باسم تشيكاو - قضى نحو ثماني سنوات في السجن بعد اتهامه بالتواطؤ في جريمة قتل، ولم يكن مؤثراً في حياته.
انفصلت جونكيرا عنه لاحقاً، وركزت على تنمية وتطوير موهبة ابنها الكروية. وقالت الأم: «كان لدى جواو حلم يسعى لتحقيقه، وقد عملت معه على تحقيق هذا الحلم». نشأ جواو بيدرو في ريبيراو بريتو، التي تبعد تسع ساعات بالسيارة عن ريو جانيرو، وفي النهاية لفت أنظار أحد أندية المدينة، فلومينينسي، إلى جانب عدد من الأندية البرازيلية الكبرى الأخرى. كان يُنظر إلى نادي فلومينينسي على أنه الخيار الأمثل لتطوير قدرات اللاعب الشاب، الذي بدأ مسيرته لاعب خط وسط مدافعاً، مثل والده، قبل أن يتقدم إلى مركز المهاجم.
إلا أن هذا الخيار لم يكن سهلاً. تركت جونكيرا وظيفتها وأصدقاءها وعائلتها متجهةً إلى ريو مع ابنها، وبكى جواو بيدرو كثيراً خلال هذه الرحلة وخلال الأسابيع التي تلتها بسبب حنينه إلى الوطن.
وحتى في أكاديمية الناشئين، قيل له إنه «ليس قوياً بما يكفي» ولن ينجح في مسيرته لاعباً، وهو الأمر الذي جعله يبكي مجدداً. لكن والدته، رغم محدودية مواردها بعد ترك وظيفتها، استأجرت مدرباً شخصياً لابنها.
في البداية، كان جواو بيدرو يأكل جيداً ويتدرب بجدية كبيرة، لسبب واحد وهو أن أمه قد طلبت منه ذلك. لكن في النهاية، أدرك أهمية الأمر.
وقال مدربه الشخصي رودريغو غونسالفيس لـ«بي بي سي»: «كان نحيفاً جداً، وكان هناك فرق بدني كبير بينه وبين الرياضيين الآخرين في فئته العمرية. لم يتوقف عن التدريب قط.
في بعض الأحيان لم تكن لديه رغبة كبيرة في التدريب، لكنه كان يذهب بتشجيع من والدته. لكن ذلك الأمر تغير مع مرور السنوات. بدأ ينضج ويدرك أن التدريب ليس مجرد طلب من والدته، بل هو أداة لتحسين أدائه، وتطوير جسده، وبناء التوازن البدني اللازم لممارسة كرة القدم». أصبح جواو بيدرو أحد نجوم أكاديمية فلومينينسي للناشئين، ولفت انتباه رافا مونفورت، كشاف المواهب في أميركا الجنوبية لنادي واتفورد. كما كان لمكالمة هاتفية من ريتشارليسون، مهاجم توتنهام الحالي، دور حاسم. منذ صغره، كان جواو بيدرو مولعاً بكرة القدم في الدوري الإنجليزي الممتاز؛ لذا كانت فكرة الانتقال إلى واتفورد مغرية للغاية بالنسبة له. مع ذلك، استغرق الأمر نحو ثمانية أشهر لاستيفاء معايير موافقة الهيئة الإدارية والحصول على تصريح عمل في المملكة المتحدة.

تعتقد جونكيرا أن ركلة مقصية رائعة سجلها جواو بيدرو، البالغ من العمر آنذاك 17 عاماً، ضد فريق كروزيرو في مايو (أيار) 2019 أسهمت في إقناع صناع القرار بأنه موهبة استثنائية تستحق الانتقال. عندما وصلت العائلة إلى إنجلترا في ديسمبر (كانون الأول) 2019، لم تتوقع جونكيرا أن بطاقاتها المصرفية لن تعمل في إنجلترا. مع ذلك، تكفل بهما حارس مرمى واتفورد آنذاك، البرازيلي هوريلو غوميز، بل واشترى لهما عشاء عيد الميلاد. بعد بضعة أشهر، حلّت جائحة كورونا وفترة الإغلاق، لكن جواو بيدرو استغل هذه الفترة غير المسبوقة للتركيز على التدريب البدني مع غونسالفيس مجدداً. ونجح في تغيير شكل جسده باكتسابه نحو ثمانية كيلوغرامات من كتلة الجسم وأصبح جاهزاً للعب في الدوري الإنجليزي الممتاز. بعد تلك الفترة، لم يعد جواو بيدرو ذلك الطفل الصغير الذي كان يبكي، بل أصبح نجماً متألقاً في الدوري الإنجليزي وقادراً على اجتياز كل الصعوبات بثقة كبيرة.
«عندما يغضب لا يصرخ... بل يصمت»
بعد إتمام صفقة انتقاله من برايتون الصيف الماضي، غادر جواو بيدرو المعسكر التدريبي في ريو دي جانيرو تحت قيادة غونسالفيس لينضم إلى تشيلسي في ميامي ويشارك مباشرةً في كأس العالم للأندية. والمثير للدهشة أنه سجل هدفين في نصف النهائي ضد ناديه السابق فلومينينسي، بعد أيام قليلة من انضمامه إلى «البلوز».
كما سجل هدفاً في فوز تشيلسي التاريخي بثلاثية نظيفة على باريس سان جيرمان في المباراة النهائية، والتي تُعدّ على نطاق واسع أفضل لحظات تشيلسي تحت إدارته الأميركية الحالية.
وبعد ذلك الانتصار الكبير، عانى البلوز من موسم كارثي، حيث احتلوا المركز العاشر في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي، وأنهوا الموسم دون أي لقب أو تأهل لأي بطولة أوروبية. ورغم ذلك، فاز جواو بيدرو بجائزة أفضل لاعب في تشيلسي لهذا الموسم، كما أنه من بين مجموعة من اللاعبين المخضرمين الذين يؤمنون بإمكانية نجاح المشروع تحت قيادة ألونسو. وعلى غرار لاعب خط الوسط مويسيس كايسيدو والقائد ريس جيمس، وقّع جواو بيدرو عقداً جديداً، في حين أكّد بالمر أيضاً التزامه بالبقاء رغم الشائعات التي تربطه بالانتقال إلى مانشستر يونايتد.
يُنظر إلى اللاعبين الأربعة على أنهم من الشخصيات المؤثرة في ثقافة النادي في الوقت الحالي. سبق أن صرّحت مصادر متعددة لـ«بي بي سي» بأن تشيلسي يعاني مشكلة في الثقافة السائدة داخل غرفة خلع الملابس، وتحديداً في تكوين جماعات منفصلة على أساس اللغة.

يُنظر إلى جواو بيدرو وبالمر، اللذين تربطهما صداقة وثيقة، على أنهما من اللاعبين القادرين على رأب هذه الصدوع بشكل طبيعي. علاوة على ذلك، يستفيد جواو بيدرو كثيراً من وجود عائلته في المملكة المتحدة، وانفتاحه على جوانب من الثقافة المحلية، بعد أن نما لديه اهتمامٌ بها من خلال حبه للدوري الإنجليزي. يتمثل أحد الأهداف الرئيسية لألونسو في إعادة بناء ثقافة الفريق. وبعد أن سجل ثلاثي خط الهجوم، بمن فيهم اللاعب الجديد روجرز، في مرمى فولهام، قال ألونسو: «يتعين عليهم تحمل المسؤولية، ويجب عليهم قيادة الفريق. يجب عليهم أن يكونوا مصدر إلهام للبقية؛ لأنهم إذا قدموا أداءً رائعاً، سيحذو الآخرون حذوهم».
لا يعرف كثيرون كيف تعامل جواو بيدرو مع استبعاده من قائمة البرازيل في كأس العالم، حيث خرجت البرازيل من دور الستة عشر بعد الخسارة أمام النرويج.
وحتى أقرب الناس إليه لا يعلمون مدى خيبة أمله لعدم مشاركته في المونديال، خاصةً وأن اللعب مع البرازيل في كأس العالم كان منذ زمن طويل أحد أكبر أحلامه. قالت جونكيرا عن شخصية جواو بيدرو: «عندما يغضب جواو بيدرو، لا يصرخ، بل يصمت».
وبعد موسم تشيلسي المتعثر وعدم مشاركته في كأس العالم، حصل جواو بيدرو على إجازة كاملة لمدة أسبوعين. وأمضى ما تبقى من الصيف في ريو دي جانيرو يتدرب مع غونسالفيس، مدربه الشخصي للياقة البدنية منذ الصغر، محاطاً بأصدقائه ومتبعاً الأشياء الروتينية نفسها التي اعتاد عليها.
في النهاية، ووفقاً لغونسالفيس، تبقى شخصية المهاجم البرازيلي كما هي، لكنه مصمم على أن يصبح لاعباً من الطراز العالمي. ومنذ عودته إلى تشيلسي في الصيف، سجل جواو بيدرو ثمانية أهداف في سبع مباريات ودية استعداداً للموسم الجديد، قبل أن يهز الشباك بعد 31 ثانية فقط من بداية الموسم الجديد أمام فولهام.
يبدو الآن أن جواو بيدرو قد يكون الشخص القادر على وضع حد نهائي للحديث عن لعنة الرقم تسعة التي تُلاحق النادي اللندني!
