أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا «لن تهاجم» أراضي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، داحضاً تقارير إعلامية بشأن قلق واشنطن من إقدام موسكو على خطوة من هذا القبيل ضدّ دولة أوروبية. وقال ترمب إنه أجرى «محادثات جيّدة» مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، مضيفاً أنّ الأخير «لن يهاجم أراضي (الناتو)».

وزار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) جون راتكليف، موسكو هذا الأسبوع، لثنيها عن مهاجمة الحلف الأطلسي. وعلّق الكرملين الخميس على المعلومات الواردة في الصحافة الأميركية عن الهدف من وراء زيارة راتكليف، واصفاً إياها بـ«القصص المفبركة لإثارة الهلع»، ومعتبراً ألا علاقة لها بـ«الواقع».
وكان ترمب قد قال إن زيارة راتكليف لا علاقة لها بتهديدات روسية لـ«الناتو»، ملمّحاً إلى أن هدفها كان مناقشة سبل إنهاء النزاع الأوكراني - الروسي.

وصرّحت مسؤولة أوروبية رفيعة المستوى طلبت عدم الكشف عن هويتها، بأن الاستخبارات الأوروبية لا تملك أدلة على هجوم عسكري روسي محتمل على بلد عضو في «الناتو». وقالت، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»، فيما يخصّ «تهديدات محتملة ضدّ أعضاء أوروبيين في (الناتو)، لا نرى أي مؤشّر إلى مخطّط قد يكون قيد التدبير حالياً».
غير أن المسؤولة الأوروبية اعتبرت ألا شكّ في أن موسكو «تعكف على إحداث صعوبات لدولنا»، في ظلّ دعم الاتحاد الأوروبي الراسخ لأوكرانيا منذ اندلاع الغزو الروسي في 2022. وأشارت إلى أن «التصعيد من جانب روسيا قائم بوضوح».
ويندّد الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة بما يعدّه «حرباً هجينة» تشنّها روسيا. ونسب إلى موسكو قائمة تزداد طولاً من الحوادث، من توغّل مسيّرات إلى هجمات سيبرانية مروراً بحملات تضليل إعلامي وتدخّل في السياسات.

وقالت المسؤولة الأوروبية: «ما نراه هو هجمات هجينة متواصلة. ونحن ننطلق من مبدأ أنها ستستمرّ». ولطالما نفت روسيا أي نية لها لمهاجمة دول الحلف الأطلسي الذي ترى في تمدّده إلى حدودها تهديداً وجودياً لها.
وضمن هذا السياق، قصفت روسيا مدناً في جميع أنحاء أوكرانيا بالصواريخ والطائرات المسيرة في هجوم ليلي استمر حتى ساعات نهار يوم الخميس، حيث تردد صدى الانفجارات حول كييف طوال الصباح.
وتعاني أوكرانيا من نقص حاد في صواريخ الدفاع الجوي أميركية الصنع من طراز «باتريوت» التي يمكنها التصدي للصواريخ الباليستية الروسية، كما شكلت الطائرات المسيرة الروسية سريعة التحليق والمدفوعة بالمحركات النفاثة، تحدياً آخر منذ بدء الغزو الروسي الشامل قبل 4 أعوام ونصف عام.

وقال الرئيس الأوكراني الجمعة، إن قوات بلاده قصفت طائرة روسية من طراز «تو-95 إم.إس» حاملة للصواريخ في قاعدة «إنجلز». وأضاف زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»: «هذه هي الطائرات التي تشن غارات على أوكرانيا»، مشيراً إلى أن وحدة «ألفا» التابعة لجهاز الأمن الأوكراني نفذت الضربة.
ويقول مسؤولون أوكرانيون إن روسيا تبني مخزونات الصواريخ وتطلق هجمات رئيسية كل بضعة أيام، آملاً في إنهاك الدفاعات الأوكرانية من خلال الثقل الخالص للأعداد. ورداً على ذلك، تضرب أوكرانيا أهدافاً بارزة على الأراضي الروسية، حيث يتبادل البلدان إلحاق الدمار.

وقالت السلطات الأوكرانية الجمعة، عبر تطبيق «تلغرام»، إن روسيا قصفت خلال الليل مرافق تخزين لشركة «نوفا بوشتا» للخدمات اللوجستية قرب العاصمة كييف.
وقالت وزارة الدفاع الروسية إن قواتها نفذت ضربة «مكثفة» على أهداف في 9 مدن أوكرانية بدأت بعد حلول الليل يوم الأربعاء. ووصفَت الأهداف بأنها ذات صلة بالعسكرية، بما في ذلك المنشآت الصناعية ومصافي النفط ومراكز اللوجستيات والبنية التحتية للموانئ. ولحقت أضرار بالمناطق المدنية، بما في ذلك المباني السكنية.
وقال زيلينسكي على وسائل التواصل الاجتماعي: «تواصل روسيا الاستثمار في الصواريخ وتوسيع حربها، وهذا يعني أن هناك حاجة إلى مزيد من التدابير المضادة»، مشيراً إلى وعود سابقة هذا الأسبوع من دول أوروبية بتقديم مزيد من مساعدات الدفاع الجوي.
وقال: «من المهم أن تنفذ هذه (التدابير) أيضاً باستكمالها بحزم دفاعية إضافية ضد الصواريخ الباليستية» من خلال مشتريات أوروبية للأسلحة من الولايات المتحدة.
ورغم إصرار وزارة الدفاع الروسية على أنه لم يتم استهداف سوى أهداف مرتبطة بالحرب، يبدو أن روسيا مصممة على إلحاق الضرر بالشركات الأوكرانية والتقليل من اقتصاد البلاد من خلال الهجمات على المشاريع الخاصة، بعد أن تسببت ضربات المسيرات الأوكرانية بعيدة المدى في صعوبات مالية لموسكو.

وقالت الشركات إن الطائرات المسيرة الروسية ضربت 3 مراكز توزيع رئيسية، مما أدى إلى تدمير مستودعات تابعة لسلسلة متجر ألعاب وشركة حلويات، وإلحاق الضرر بمستودع آخر تديره شركة لبيع الإلكترونيات بالتجزئة.
بالإضافة إلى ذلك، واصلت موسكو جهودها لتدمير شبكة الكهرباء الأوكرانية قبل أشهر الشتاء القارس. وقالت شركة «نافتوغاز» المشغلة إن 4 قنابل انزلاقية قوية دمرت معدات التوليد في محطة الحرارة والكهرباء المشتركة بمنطقة خيرسون الجنوبية، مما أجبرها على الإغلاق.
وحضت سلطات خيرسون، سكان المدينة الواقعة في جنوب أوكرانيا، على مغادرتها بسبب تصاعد الهجمات الروسية التي تنطوي على خطر انقطاع إمدادات الكهرباء والتدفئة لفترة طويلة. وكتب حاكم المنطقة أولكسندر بروكودين على «تلغرام»: «أتوجه مجدداً إلى سكان خيرسون، لا سيما العائلات التي لديها أطفال وكبار السن: إذا كان لديكم الإمكان... الرجاء المغادرة». وأشار إلى أن «العدو يكثف هجماته يوماً بعد يوم على البنية التحتية الحيوية في المنطقة». وتابع: «شنت القوات الروسية الليلة الماضية هجوماً جديداً على محطة التدفئة المركزية في خيرسون باستخدام قنابل انزلاقية... ملحقة أضراراً جسيمة بها».

وحذر من أن «خيرسون قد تجد نفسها بلا كهرباء أو تدفئة، ليس لساعات أو أيام فحسب، بل لفترة طويلة». وقال: «حالياً، لا توجد أي وسيلة على الإطلاق لتدمير هذه الأنواع من الطائرات المسيرة أو القنابل الجوية في أي منطقة من بلادنا».
وفي سياق متصل، تواجه أوكرانيا فجوة مالية متنامية في تمويل جهود التصدي للغزو الروسي لأراضيها، في وقت تكافح فيه للحفاظ على إمكانية الوصول إلى مليارات الدولارات من المساعدات التي تعهد بها المانحون الغربيون. وقالت مصادر مطلعة إن العجز في الميزانية العام المقبل من المرجح أن يكون أعلى مما جرى توقعه سابقاً، مما يستلزم تمويلاً إضافياً من الاتحاد الأوروبي، بحسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء. وأضافت المصادر مشترطة عدم الكشف عن هويتها، أن المحادثات مع صندوق النقد الدولي واجهت أيضاً صعوبات بسبب المطالب الحساسة سياسياً من ثاني أكبر مقرض للبلاد.

وأظهرت أحدث تقديرات من مراجعة صندوق النقد الدولي في يونيو (حزيران)، أن الفجوة سوف تصل إلى 17.8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2027، بتراجع 3.3 نقطة مئوية من العام الحالي، فيما كان «النقد الدولي» قد افترض أن الحرب سوف تنتهي في أواخر 2026.
وقال أحد المصادر، الذي اشترط عدم الإفصاح عن هويته، إنه مع استمرار الحرب، من المتوقع أن تتم مراجعة هذا الرقم صعوداً. وأضاف المصدر أنه لم يتم تحديد حجم العجز الإضافي، وكذلك مصادر التمويل لتغطيتها، مضيفاً أن التأثير على برنامج صندوق النقد لا يزال غير واضح.

ويتعين أن تظل ديون البلاد قابلة للسداد لإبقاء المساعدة على المسار الصحيح. وتأتي التحديات المتصاعدة فيما تستعد روسيا لتكثيف هجماتها على أوكرانيا بعد القول إن المفاوضات من أجل اتفاق سلام وصلت إلى طريق مسدود، بحسب مصادر مقربة من الكرملين.
وتتجه أوكرانيا صوب شتاء صعب آخر في ظل نقص منظومة باتريوت لاعتراض الصوراريخ، مما يترك مناطقها السكنية وبنيتها التحتية معرضة لقصف جوي روسي.























