اليابان توازن بين التضخم والديون ومصالح الين

تاكايتشي تضبط الاقتراض والأسواق تترقب رفع الفائدة

مشاة يحتمون بالمظلات من الشمس الحارقة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يحتمون بالمظلات من الشمس الحارقة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

اليابان توازن بين التضخم والديون ومصالح الين

مشاة يحتمون بالمظلات من الشمس الحارقة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يحتمون بالمظلات من الشمس الحارقة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تدخل اليابان مرحلة دقيقة في إدارة سياستها الاقتصادية، مع تلاقي ثلاثة تحديات في وقت واحد، هي ارتفاع التضخم بما يعزز احتمالات رفع أسعار الفائدة، وضعف الين الذي يبقي خطر التدخل في سوق العملات قائماً، واتساع الإنفاق الحكومي الذي يضع استدامة الدين العام تحت المجهر. وفي قلب هذه المعادلة، تسعى حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى إظهار قدر من الانضباط المالي عبر تحديد سقف لإصدار السندات الجديدة في موازنة السنة المالية 2027، من دون التخلي عن خططها لدعم الأسر والنمو.

وقالت تاكايتشي إن الحكومة تستهدف إبقاء إصدار السندات الحكومية الجديدة عند نحو 40 تريليون ين (251 مليار دولار) في موازنة السنة المالية 2027، في وقت يتوقع أن تتجاوز فيه طلبات الإنفاق المقدمة من الوزارات والهيئات الحكومية 130 تريليون ين، مسجلة مستوى قياسياً للعام الرابع على التوالي.

واستشهدت تاكايتشي بتجربة موازنة 2025، عندما ساعد ارتفاع الإيرادات الضريبية في استيعاب جزء من الإنفاق الإضافي، ما أتاح إبقاء إصدار السندات الجديدة عند نحو 40 تريليون ين. وقالت: «سنواصل اتباع النهج نفسه في المستقبل». لكن الرقم المستهدف لا يمثل بالضرورة تشديداً مالياً. فإصدار 40 تريليون ين سيكون أعلى بكثير من الديون الجديدة المخطط لها في موازنة السنة المالية الحالية 2026، والبالغة 32.7 تريليون ين.

وقال تورو سوهيرو، كبير الاقتصاديين في «دايوا سيكيوريتيز»، إنه إذا كانت تاكايتشي تستهدف مستوى قريباً من 40.3 تريليون ين، المسجل بعد موازنة 2025، فقد يُنظر إلى سياستها باعتبارها «توسعية إلى حد ما». وتزداد أهمية هذه المسألة مع اعتزام الحكومة نقل بعض أوجه الإنفاق التي كانت تمول تقليدياً عبر موازنات تكميلية إلى الموازنة الأساسية، وهو ما سيرفع حجم الإنفاق المعلن منذ البداية، لكنه قد يجعل الصورة المالية أكثر وضوحاً.

يضاف إلى ذلك مشروع تاكايتشي لخفض ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية بهدف تخفيف أعباء ارتفاع تكاليف المعيشة. ومن المتوقع أن يؤدي الخفض إلى خسارة إيرادات تقدر بنحو 5 تريليونات ين سنوياً، ما يزيد الضغوط على الحكومة لتحديد مصدر تمويل دائم.

وأثارت تاكايتشي احتمال استخدام جزء من احتياطات النقد الأجنبي اليابانية، التي تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار، لتمويل الخفض الضريبي. لكن هذه الاحتياطات تمثل أيضاً خط دفاع مهماً أمام تقلبات سوق الصرف، خصوصاً بعد التدخل الأخير لدعم الين.وتبرز هنا الحلقة الثانية في المشهد الاقتصادي الياباني. فقد أعلنت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما أنها ستشارك الأسبوع المقبل في اجتماع قادة المالية لمجموعة العشرين في آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية، وسط تركيز الأسواق على احتمال اجتماعها بوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد التدخل المنسق في سوق العملات الشهر الماضي.

وكان الين قد هبط قرب 164 يناً للدولار، وهو أدنى مستوى له في أربعة عقود، قبل أن يقفز إلى 155.20 ين عقب الإعلان عن التحرك المشترك. وبلغ نحو 155.41 ين للدولار الجمعة.

وأكدت كاتاياما أن البيان المشترك بشأن التدخل «كان قوياً للغاية ولا يزال سارياً»، في إشارة إلى أن طوكيو لا تزال مستعدة للتعامل مع التحركات المفرطة في العملة.

لكن الدفاع عن الين لا يعتمد على التدخل وحده. فالمسار الأكثر استدامة قد يأتي من بنك اليابان نفسه، بعدما أظهرت أحدث بيانات التضخم اتساع الضغوط السعرية، ما عزز توقعات رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول). وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي في طوكيو 1.8 في المائة على أساس سنوي خلال أغسطس (آب)، متجاوزاً توقعات السوق البالغة 1.7 في المائة، ومقترباً من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة.

الأكثر أهمية أن المؤشر الذي يستبعد الأغذية الطازجة والوقود، والذي يراقبه البنك باعتباره مقياساً أفضل للتضخم الأساسي، تسارع إلى 2 في المائة من 1.8 في المائة في يوليو (تموز). ويشير ذلك إلى أن ارتفاع الأسعار لم يعد مقتصراً على الطاقة أو بعض السلع المتقلبة، بل أصبح أكثر انتشاراً.كما بلغ تضخم أسعار الجملة 7.2 في المائة في يوليو، وسط ضغوط مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والصراع في الشرق الأوسط، ما يثير مخاوف من انتقال هذه الزيادات تدريجياً إلى المستهلكين. وقال ماساتو كويكي، كبير الاقتصاديين في «سومبو إنستيتيوت بلس»، إن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يؤدي إلى موجة ثانية من زيادات الأسعار، مضيفاً أنه «لا يوجد سبب يذكر لانتظار بنك اليابان حتى أكتوبر».وبعد رفع سعر الفائدة إلى 1 في المائة في يونيو (حزيران)، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، أبقى البنك سياسته دون تغيير في يوليو، لكنه شدد لهجته تجاه مخاطر التضخم. ويتوقع معظم المشاركين في السوق الآن رفع الفائدة إلى 1.25 في المائة خلال اجتماع 17 و18 سبتمبر.كما أشارت مصادر إلى أن البنك قد يفكر في تسريع وتيرة التشديد لاحقاً مقارنة بنمط رفع الفائدة مرتين تقريباً سنوياً منذ بدء تطبيع السياسة النقدية في 2024. وهذا الاحتمال يربط الملفات الثلاثة ببعضها البعض. فرفع الفائدة يمكن أن يدعم الين ويحد من التضخم المستورد، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة خدمة الدين الحكومي الهائل ويزيد حساسية الأسواق تجاه أي توسع إضافي في إصدار السندات. لذلك ستكون مشاركة محافظ بنك اليابان كازو أويدا المتوقعة في اجتماعات مجموعة العشرين محط اهتمام كبير. فالأسواق ستبحث عن أي إشارة إلى أن بيانات التضخم الأخيرة حسمت النقاش لمصلحة رفع الفائدة في سبتمبر، وكذلك عن موقف طوكيو وواشنطن من تحركات الين.وتجد حكومة تاكايتشي نفسها بالتالي أمام توازن شديد الحساسية: تريد خفض الضرائب ودعم الأسر والاستثمار، لكنها تحتاج إلى كبح إصدار الديون؛ وتريد يناً أقوى لتخفيف التضخم المستورد، لكن تشديد السياسة النقدية يرفع تكاليف الاقتراض الحكومي.وستكون الأسابيع المقبلة اختباراً لقدرة طوكيو على تنسيق هذه السياسات. فإذا رفع بنك اليابان الفائدة ودعم الين، بالتزامن مع تقديم الحكومة خطة مقنعة لضبط الاقتراض وتمويل التخفيضات الضريبية، فقد تستعيد السياسة الاقتصادية قدراً من المصداقية. أما إذا اتسع الإنفاق واستمر ضعف العملة والتضخم في الوقت نفسه، فقد تتحول معركة تكلفة المعيشة سريعاً إلى معركة أكثر تعقيداً حول الدين والفائدة واستقرار سوق السندات.


مقالات ذات صلة

دراسة: رفع الإنفاق الرياضي قد يُضيف 7.4 مليار دولار سنوياً للاقتصاد السعودي

عالم الاعمال تؤكد «ستراتيجي&» أن هذه التقديرات تأتي فيما تتجه المملكة إلى استضافة سلسلة من الأحداث الرياضية الكبرى (الشرق الأوسط)

دراسة: رفع الإنفاق الرياضي قد يُضيف 7.4 مليار دولار سنوياً للاقتصاد السعودي

قد يُسهم رفع الإنفاق الحكومي السنوي على الرياضة في السعودية من 1.5 مليار إلى 2.5 مليار دولار في توليد ناتج اقتصادي إضافي يُقدّر بنحو 7.4 مليار دولار سنوياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد أحياء العاصمة الرياض (واس)

خاص عقود الـ50 عاماً تفتح آفاقاً جديدة للاستثمارات العقارية في السعودية

في خطوة جديدة من نوعها، تفتح نماذج الاستثمار العقاري طويلة الأجل آفاقاً أمام القطاع الخاص في السعودية، لتطوير الأصول البلدية وتحويلها لمشاريع متعددة الاستخدام.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)

الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

تباين أداء الأسواق العالمية في أعقاب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي حقق فيها الديمقراطيون انتصارات واسعة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
شمال افريقيا عبد النبي متحدثاً خلال اللقاء التشاوري بمجلس النواب حول الأزمة الاقتصادية الأربعاء (من فيديو بثه المجلس)

«النواب» الليبي يدعو لخطة شاملة لـ«الإصلاح الاقتصادي»

دعا رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي إلى «إعداد خطة وطنية شاملة للإصلاح الاقتصادي والمالي تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتعزيز الإنتاج المحلي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد عملات مشفرة في رسم توضيحي (رويترز)

العملات المشفرة تتعافى من خسائرها مع انتعاش الأسواق عقب فوز الديمقراطيين

تعافت العملات المشفرة الأربعاء من خسائر تكبدتها خلال الليل، مع انتعاش الأسواق عقب فوز الديمقراطيين.

«الشرق الأوسط» (لندن - هونغ كونغ)

بنك إنجلترا يتجه إلى رفع الفائدة لمواجهة التضخم الناجم عن الحرب

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

بنك إنجلترا يتجه إلى رفع الفائدة لمواجهة التضخم الناجم عن الحرب

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

من المتوقع أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة، الخميس، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، في محاولة لاحتواء صدمة التضخم الناجمة عن حرب إيران.

ومع توقعات بارتفاع التضخم بصورة أكبر خلال الأشهر المقبلة، يرى اقتصاديون أن صانعي السياسة النقدية التسعة في لجنة السياسة النقدية لا يملكون خيارات كثيرة سوى رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 4 في المائة، من 3.75 في المائة حالياً. ومن شأن هذه الزيادة المتوقعة أن تكون الأولى منذ أغسطس (آب) 2023.

وتزايدت الضغوط على صانعي السياسة النقدية تدريجياً خلال الأشهر الأخيرة، غير أن ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى له في 11 شهراً، مسجلاً 3.5 في المائة في سبتمبر (أيلول)، متجاوزاً مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، عزز توقعات الأسواق برفع أسعار الفائدة خلال الشهر الحالي، وربما إجراء زيادات إضافية في عام 2027.

ويعود السبب الرئيسي وراء تسارع التضخم هذا العام إلى الارتفاع الحاد في تكاليف الوقود نتيجة حرب إيران، وما أعقبها من اختناقات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى تقلص الإمدادات العالمية من النفط والغاز.

وقالت إيلي هندرسون، الخبيرة الاقتصادية في مؤسسة «إنفستك»: «نعتقد أن صبر كثير من أعضاء اللجنة على الارتفاع الأخير في التضخم بدأ ينفد. فكلما استمر ارتفاع أسعار الطاقة، زادت مخاطر تحول صدمة الأسعار المؤقتة إلى ارتفاع أكثر استدامة».

ومن المتوقع أن يتزامن قرار رفع أسعار الفائدة مع صدور التوقعات الاقتصادية الفصلية للبنك، ولا سيما تلك المتعلقة بالتضخم والنمو. وتؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى تهدئة النشاط الاقتصادي من خلال زيادة تكلفة الاقتراض، ما يحد من الإنفاق ويسهم في كبح التضخم، لكنه يضغط أيضاً على النمو.

غير أن هذه التوقعات تحيط بها درجة عالية من عدم اليقين، تفوق المعتاد، نظراً إلى ارتباط الآفاق الاقتصادية بدرجة كبيرة بتطورات حرب إيران. وقد أدت الخسائر الكبيرة التي تكبدها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأميركية إلى تراجع حاد في أسعار الطاقة.

وفي حال استمر انخفاض أسعار النفط والغاز خلال الأسابيع المقبلة، فمن المرجح أن تكون ذروة التضخم المرتقبة أقل من التوقعات السابقة، ما قد يحد من احتمالات إجراء مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة، ليس في بنك إنجلترا فحسب.

ورفعت بنوك مركزية أخرى، من بينها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، أسعار الفائدة مؤخراً استجابة لارتفاع التضخم المدفوع بحرب إيران، فيما تظل التوقعات المتعلقة بمسار سياستها النقدية مرتبطة إلى حد كبير بتطورات أسعار الطاقة.

وكانت أسعار الفائدة في المملكة المتحدة تتجه نحو الانخفاض، بعدما تراجعت من أعلى مستوى لها في 15 عاماً عند 5.25 في المائة، وذلك قبل الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).


«ميرسك» ترفع توقعات أرباح 2026 للمرة الثالثة... وسهمها يتراجع 11 %

حاويات شحن على متن سفينة تابعة لشركة «ميرسك» ترسو في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش بكاليفورنيا (رويترز)
حاويات شحن على متن سفينة تابعة لشركة «ميرسك» ترسو في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش بكاليفورنيا (رويترز)
TT

«ميرسك» ترفع توقعات أرباح 2026 للمرة الثالثة... وسهمها يتراجع 11 %

حاويات شحن على متن سفينة تابعة لشركة «ميرسك» ترسو في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش بكاليفورنيا (رويترز)
حاويات شحن على متن سفينة تابعة لشركة «ميرسك» ترسو في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش بكاليفورنيا (رويترز)

رفعت مجموعة الشحن الدنماركية «ميرسك»، الخميس، توقعاتها لأرباح عام 2026 للمرة الثالثة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار شحن الحاويات بفعل ازدحام الموانئ والطلب المتزايد المرتبط بالتوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. غير أن سهم الشركة تراجع بنسبة 11 في المائة، بعدما رأى محللون أن رفع التوقعات كان متوقعاً، بينما جاءت أرباح الربع الثالث دون التقديرات.

وجاءت الزيادة في توقعات الأرباح مدفوعة بارتفاع أسعار الشحن، وليس بزيادة حجم البضائع المنقولة، ما يجعل أرباح «ميرسك» مرتبطة باستمرار الازدحام والاضطرابات في سلاسل الإمداد، وهي عوامل يتوقع بعض المحللين تراجعها مع عودة السفن إلى عبور قناة السويس ووصول سفن جديدة إلى الأسواق، وفق «رويترز».

وتتوقع ثاني أكبر شركة لنقل الحاويات في العالم، التي تُعد مؤشراً مهماً على اتجاهات التجارة العالمية، أن تتراوح أرباحها الأساسية قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك (EBITDA) بين 14 و14.5 مليار دولار خلال العام الحالي، مقارنة بنطاق توقعاتها السابق البالغ 10.5 إلى 12.5 مليار دولار.

كما رفعت الشركة توقعاتها للربح التشغيلي الأساسي قبل الفوائد والضرائب (EBIT) إلى ما بين 8 و8.5 مليار دولار، مقارنة بتقديراتها السابقة التي تراوحت بين 4.5 و6.5 مليار دولار.

وجاءت التوقعات الجديدة للأرباح الأساسية قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك متماشية إلى حد كبير مع متوسط تقديرات المحللين البالغ 14.02 مليار دولار للعام بأكمله، وفق استطلاع أجرته مجموعة بورصة لندن «إل إس إي جي».

وسجلت «ميرسك» أرباحاً قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بلغت 4.7 مليار دولار خلال الربع الثالث، بزيادة نسبتها 75 في المائة، لكنها جاءت دون متوسط توقعات المحللين البالغ 5.04 مليار دولار، وفق استطلاع «إل إس إي جي».

وقال محللون إن عدم بلوغ توقعات الأرباح التشغيلية يعود إلى انخفاض أحجام الشحن عن المتوقع وارتفاع التكاليف في قطاع النقل البحري.

مرونة التجارة العالمية

وقال الرئيس التنفيذي للشركة فينسنت كليرك، في بيان: «على الرغم من استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاضطرابات، أظهرت التجارة العالمية مرونة لافتة».

وأضاف أن الطلب لم يعد مدفوعاً بالإنفاق الاستهلاكي فحسب، بل بات يستند بصورة متزايدة إلى الاستثمارات الضخمة في الكهرباء والطاقة والتوسع السريع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يولّد تدفقات كبيرة من البضائع الصناعية حول العالم.

وكانت منظمة التجارة العالمية قد ذكرت، الشهر الماضي، أن الزيادة الكبيرة في الإنفاق على أشباه الموصلات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عززت التجارة العالمية، وساعدت على تعويض الاضطرابات الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

وفي الولايات المتحدة، قالت «ميرسك» إن النشاط الاقتصادي حافظ على قوته، مدعوماً بالإنفاق الاستهلاكي واستثمارات الشركات المرتبطة بالتوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وظلت أحجام الشحن البحري مستقرة إلى حد كبير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين ارتفعت أسعار الشحن بنسبة 46 في المائة مقارنة بالربع السابق، وأكثر من الضعف على أساس سنوي، في ظل استمرار ازدحام الموانئ ومواصلة الشركة العودة التدريجية إلى استخدام قناة السويس، التي تجنبت غالبية شركات الشحن المرور عبرها منذ أواخر عام 2023 عقب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

وأعلنت «ميرسك»، هذا الأسبوع، استئناف عبور خدمتها «إم إي 1»، التي تربط الهند بأوروبا، عبر قناة السويس.

وفي الصين، أشارت الشركة إلى أن النمو لا يزال مقيداً بضعف الطلب المحلي، بينما لم توفر التدابير المالية الأخيرة سوى دفعة محدودة للنشاط الاقتصادي. كما تباطأت الصادرات الآسيوية خلال شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) نتيجة اضطرابات مرتبطة بالأحوال الجوية.

وكانت «ميرسك» قد رفعت توقعاتها للأرباح بصورة كبيرة منذ بداية العام، بعدما حذّرت آنذاك من أن دخول سفن جديدة إلى الخدمة واستئناف الملاحة عبر قناة السويس سيؤديان إلى تراجع أسعار الشحن.

ولا تزال الشركة تتوقع نمو أحجام تجارة الحاويات العالمية بنحو 4 في المائة خلال العام الحالي.


عقود الـ50 عاماً تفتح آفاقاً جديدة للاستثمارات العقارية في السعودية

أحد أحياء العاصمة الرياض (واس)
أحد أحياء العاصمة الرياض (واس)
TT

عقود الـ50 عاماً تفتح آفاقاً جديدة للاستثمارات العقارية في السعودية

أحد أحياء العاصمة الرياض (واس)
أحد أحياء العاصمة الرياض (واس)

في خطوة جديدة من نوعها، تفتح نماذج الاستثمار العقاري طويلة الأجل آفاقاً أمام القطاع الخاص في السعودية، في ظل التوجه نحو توسيع الشراكة مع المستثمرين لتطوير الأصول البلدية وتحويلها إلى مشاريع متعددة الاستخدامات، بما يعزز جاذبية السوق العقارية ويتيح فرصاً استثمارية تمتد لعقود، ويدعم استقطاب رؤوس الأموال المحلية والدولية للمشاركة في التنمية العمرانية، ورفع كفاءة استغلال الأراضي وتعظيم قيمتها الاقتصادية مع ضخ المزيد من المعروض السكني.

وأعلنت أمانة منطقة الرياض ووزارة البلديات والإسكان والمركز الوطني للتخصيص، إطلاق مرحلة إبداء الرغبة والتأهيل وتقديم العروض لمشروع الاستثمار المشترك للأراضي، لتطوير قطعة أرض ضمن نطاق قطاع الأمانة - شمال العاصمة، بالشراكة مع القطاع الخاص لمدة 50 عاماً، ويعد أول مشروع تطرحه الأمانة ضمن نموذج الاستثمار المشترك مع القطاع الخاص.

ويستهدف المشروع إشراك القطاع الخاص، للقيام بأعمال تصميم وبناء وتشغيل وصيانة جميع مرافق المشروع الواقع على شارع زيد بن عاصم، في موقع استراتيجي على مساحة تبلغ 30015 متراً مربعاً، تتيح فيه مرونة أنظمة التخطيط العمراني تطوير أصول متعددة الاستخدامات، تشمل الأنشطة السكنية والتجارية والمكتبية والترفيهية، لإنشاء مشاريع نوعية تسهم في تلبية الطلب المتزايد وتخدم احتياجات المجتمع وسكان المنطقة، بما يدعم البنية التحتية الحضرية في مدينة الرياض.

خطط استثمارية طويلة الأجل

ويمثل التوجه نحو طرح فرص استثمارية بعقود تصل إلى 50 عاماً، تحولاً في آليات استثمار الأصول العقارية الحكومية في السعودية، إذ يمنح القطاع الخاص مساحة زمنية أوسع لتطوير المشاريع وتنفيذ خطط استثمارية طويلة الأجل، بعيداً عن محدودية العقود قصيرة ومتوسطة الأجل.

ويعزز هذا النموذج قدرة المستثمرين على التخطيط المالي والتشغيلي، ويتيح لهم استرداد تكاليف التطوير وتحقيق عوائد استثمارية على مدى زمني أطول، الأمر الذي قد يرفع مستوى جاذبية هذه الفرص أمام الشركات العقارية والمؤسسات الاستثمارية.

ويأتي طرح المشروع امتداداً لاستراتيجية أمانة منطقة الرياض الهادفة إلى رفع كفاءة إدارة الأصول البلدية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في التنمية العمرانية، واستقطاب الاستثمارات النوعية، بما يسهم في تعزيز التنمية الحضرية المستدامة ومواكبة النمو المتسارع الذي تشهده العاصمة، تحقيقاً لمستهدفات «رؤية 2030»، وانسجاماً مع رؤيتها في أن تكون أمانة رائدة لرياض مزدهرة ومستدامة ترتقي بجودة الحياة.

أعمال تطوير أراضٍ في الرياض (واس)

استدامة المشاريع

وأكد الخبير العقاري خالد المبيض أن طرح مشروع استثماري لمدة 50 عاماً في حي النرجس بالرياض يمثل خطوة مهمة لتمكين القطاع الخاص من تطوير الأصول العقارية وتحويلها إلى مشاريع مستدامة ذات قيمة اقتصادية عالية.

وأوضح خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن طول مدة الاستثمار يشجع المطورين على رفع جودة البناء والخدمات، ويعزز الجدوى الاقتصادية للمشاريع، كما يسهم في تنويع المنتجات العقارية وزيادة المعروض في أحد أغلى أحياء العاصمة.

وأضاف المبيض أن أهمية المشروع لا تكمن في تأثيره المباشر على الأسعار، بل في كونه نموذجاً استثمارياً قابلاً للتكرار، يسهم في زيادة المعروض وتعزيز المنافسة وتحقيق التوازن السعري تدريجياً في السوق العقارية بالرياض.

تنويع المعروض

من ناحيته، قال المطور العقاري أحمد عمر باسودان، تكمن أهمية هذه العقود في أنها لا تقتصر على إتاحة الأراضي أمام المستثمرين، بل تفتح المجال أمام تطوير أصول عقارية متكاملة تشمل الاستخدامات السكنية والتجارية والمكتبية والترفيهية، بما يرفع القيمة الاقتصادية للأراضي ويعزز كفاءة استغلالها.

وواصل حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن الجمع بين التصميم والبناء والتشغيل والصيانة ضمن إطار استثماري واحد يتيح تطوير مشاريع أكثر تكاملاً، ويربط جودة التنفيذ بكفاءة التشغيل والاستدامة على المدى الطويل.

وأردف باسودان: «على مستوى السوق العقارية، يمكن لهذا النموذج أن يسهم في تنويع المعروض من المنتجات العقارية، خصوصاً في المدن الكبرى التي تشهد توسعاً عمرانياً ونمواً في الطلب على المساحات السكنية والتجارية والمكتبية. كما أن دخول مطورين ومشغلين جدد إلى هذه الفرص قد يعزز المنافسة ويرفع مستوى جودة المشاريع والخدمات، فضلاً عن توفير وجهات حضرية متعددة الاستخدامات تلبي احتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية، بدلاً من الاقتصار على التطوير العقاري التقليدي».

تعميم التجربة

وحسب باسودان، فإن نجاح هذا النموذج يرتبط بمدى كفاءة تصميم العقود وتوزيع المخاطر بين الجهات الحكومية والمستثمرين، ووضوح الالتزامات المتعلقة بالتطوير والتشغيل والصيانة، إلى جانب تحقيق التوازن بين العائد الاستثماري والمصلحة العامة.

ويرى المطور العقاري باسودان أن تعميم التجربة على أمانات ومناطق أخرى قد يفتح قناة إضافية لاستقطاب الاستثمارات المحلية والدولية، ويعزز مساهمة القطاع الخاص في التنمية الحضرية، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030» لتنويع الاقتصاد ورفع كفاءة إدارة الأصول الحكومية.