لم يحتج الدوري السعودي للمحترفين إلى أكثر من ثلاث جولات حتى تتحول «الجدولة» والإرهاق إلى شكوى يتحدث عنها مدربو الفرق بصورة مستمرة. خمسة مدربين حتى الآن تناولوا هذا الملف الذي نوقش قبل عدة أشهر في اجتماع تنسيقي بين رابطة الدوري السعودي للمحترفين وممثلي الأندية، فيما تكشف روزنامة أغسطس (آب) عن سباق متواصل بين الدوري وكأس الملك والمشاركات الخارجية، لا يترك لكثير من الفرق سوى أيام معدودة للانتقال من مباراة إلى أخرى.
في يناير (كانون الثاني) الماضي، وقبل نحو سبعة أشهر من انطلاق الدوري، اجتمعت أندية الدوري السعودي للمحترفين مع ممثلي الرابطة في اجتماع تنسيقي عُرضت خلاله الروزنامة الأولية للموسم، قبل أن تؤكد الرابطة لاحقاً أنها عقدت ورشة عمل مع جميع الأندية لشرح آلية الجدولة، وأنها أتاحت لها فرصة تقديم طلباتها المتعلقة بتسلسل المباريات ومواعيدها.
ولكن لم تحتج الأندية سوى إلى أيام قليلة من انطلاق الموسم الجديد حتى باتت الشكاوى متصاعدة من المدربين، ليأتي السؤال الأبرز: هل شاهدت الأندية ملامح الموسم المزدحم منذ يناير الماضي، أم أن الرابطة حينها اكتفت بعرض المشكلة دون إيجاد حلول، أم أن ممثلي الأندية لم يتعاملوا مع الروزنامة بوصفها ملفاً فنياً يحتاج إلى العودة إلى المدربين والأجهزة الطبية، أم أن الجدول النهائي تغير عما شاهدته الأندية في الاجتماع الأول؟
انطلق الدوري يوم 13 أغسطس، ولُعبت مباريات جولته الأولى بين 13 و15، وبعد يوم واحد فقط من نهاية الجولة الأولى بدأت مباريات دور الـ32 من كأس الملك، التي امتدت من 16 وحتى 19 من الشهر ذاته، ثم عادت الأندية سريعاً إلى الدوري بخوض الجولة الثانية بين 20 و22 أغسطس، قبل أن تنطلق الثالثة من 24 إلى 26، ثم الرابعة بين 28 و30 من الشهر نفسه.

وضعت روزنامة أغسطس بعض الأندية أمام إمكانية خوض مباريات رسمية بفواصل لا تتجاوز يومين أو ثلاثة، مع اختلاف المدن والسفر والطقس، وفي وقت لا تزال فيه الفرق أساساً في مرحلة بناء جاهزيتها البدنية مع بداية الموسم.
الأسترالي بوستيكوغلو، مدرب النصر، تحدث عن خوض ثلاث مباريات في ستة أيام، رغم أن فريقه يسير بصورة مثالية، لكن مخاوف الإرهاق وتداعياتها قادته إلى مثل هذا الحديث.
وقال بعد انتصار فريقه على الرياض: «أهنئ اللاعبين، خوض 3 مباريات خلال 6 أيام يمثل دائماً تحدياً بالنسبة لنا. ما زلنا على شكلنا الذي ظهرنا به في مبارياتنا السابقة، وكان لديّ بعض القلق، لكنّ اللاعبين قدموا ما كان عليهم».
وفي الاتحاد، ظهرت المشكلة بصورة أخرى. الألماني ينز فيسينغ وجد فريقه يخوض خمس مواجهات خلال أسبوعين، وعندما تراجعت حدة لاعبيه في الشوط الثاني أمام الحزم، أعاد ذلك مباشرة إلى الحمل الذي سبق المباراة.
وقال: «لا توجد مواجهة سهلة في ظل ضغط المباريات. لعبنا 5 مواجهات خلال أسبوعين، وقدمنا شوطاً أول رائعاً وسجلنا، لكن في الشوط الثاني فقدنا الحدة».
ثم أضاف تفصيلاً مهماً: «لقد لعبنا قبل 3 أيام أمام القادسية وبذلنا مجهوداً بدنياً عالياً، وبكل تأكيد أثر ذلك علينا».
الاتحاد هو الآخر خاض منافسة خارجية عندما لعب ملحق تصفيات التأهل إلى دوري أبطال آسيا للنخبة قبل انطلاق مباريات الدوري السعودي للمحترفين.

معاناة المدربين لا تتعلق بعدد المباريات فقط، بل بما يحدث بين مباراتين؛ الاستشفاء، والسفر، والحصة التدريبية وما يترتب عليها من جوانب تكتيكية، وهو تحديداً ما ذهب إليه جلال القادري، مدرب الحزم.
قال القادري: «لا أحب التشكي، لكن هذا واقع، هناك إرهاق وتعب، لعبنا 4 مباريات في 11 يوماً، وسط أجواء وطقس مثل هذه الأيام، كما أن هذه ثالث مباراة نخوضها خارج أرضنا».
وبصورة تفصيلية قال القادري: «بدأنا الموسم يوم 13 أغسطس في أبها، ثم خضنا يوم 16 مباراة في الكأس خارج أرضنا، وبعدها لعبنا يوم 21، والآن يوم 24 أمام الاتحاد في جدة، أي أننا خضنا 4 مباريات في 11 يوماً مع بداية الموسم».
أما كريستوف غالتييه، مدرب نيوم، فاختار مقارنة أكثر دلالة، بحديثه قبل الجولة الرابعة، إذ قال المدرب الفرنسي: «لو قارنّا وضعنا الحالي مع الموسم الماضي، سنجد أننا حتى الآن لعبنا 5 مباريات، بينما الموسم الماضي حينها لعبنا مباراة واحدة».
لكن غالتييه لم يتوقف عند الإرهاق، بل ربط ضغط المباريات بالإصابات، في ظل غياب سعيد بن رحمة وعبد العزيز العثمان، وقال: «كل الأندية تعاني من الإصابات بسبب ضغط المباريات».
حتى قراره بعدم الدفع بألكسندر لاكازيت أساسياً أمام القادسية حمل خلفه هاجساً مشابهاً، إذ أوضح رداً على سؤال «الشرق الأوسط»: «مع الأسف في مباراة الفيصلي حصل له انزعاجات في العضلة، ولا نريد خسارته في المباريات المقبلة كما خسرنا سعيد بن رحمة قبله».
خالد العطوي، مدرب الفتح، ذهب مباشرة إلى جوهر عمل المدرب نفسه وحماية اللاعبين، وقال في المؤتمر الصحافي الذي أعقب مواجهة الفيصلي الأخيرة: «نحن نعاني من جدولة الدوري السعودي، هذا الواقع، وهذه الحقيقة يجب على الكل أن يتقبلها ويفهمها. أنا هنا لا أتحدث عن فريقي فقط، ولكن أتحدث عن مسابقة كاملة».

ثم اتجه العطوي إلى جملة تصف ما شهده المدربون جراء تتابع المباريات مع انطلاق الدوري السعودي، وقال: «أريد المحافظة على اللاعبين بحيث أعمل البرمجة المثالية لهم، ولكن مثل هذه البرمجة والجدولة، صراحة، مستحيل أنني أتأقلم عليها وأساعد اللاعبين فيها إلا أنني لا أتدرب».
يجدر الذكر بأن الرابطة أعلنت، في 23 يوليو (تموز)، وقبل إعلان الجدول، الأسس التي بنت عليها جدولة الموسم الجديد والتحديات التي واجهتها عند وضع جدول المباريات، وقالت عبر موقعها الإلكتروني: ثمانية أندية سعودية تشارك في أربع بطولات خارجية، وتوقفات «فيفا» ومشاركات المنتخب السعودي تستحوذ على نحو 80 يوماً من الروزنامة، فيما تحتاج استضافة كأس آسيا 2027 إلى أكثر من 44 يوماً، من دون احتساب فترة تسليم الملاعب.
كما تتضمن الروزنامة 59 يوماً للبطولات السعودية والقارية و43 يوماً لفترات الراحة، لتقول الرابطة إن ما يتبقى أمامها فعلياً هو 102 يوم فقط لجدولة 306 مباريات في 34 جولة.
الرابطة وضعت عشرة معايير لبناء الجدول، بينها ألا تقل الراحة بين مباراتين متتاليتين لأي نادٍ عن يومين، بصرف النظر عن المسابقة، وألا يخوض الفريق أكثر من مباراتين متتاليتين على أرضه أو خارجها، إضافة إلى تصنيف الأندية لتحقيق التوازن في قوة المواجهات ومراعاة جاهزية الملاعب.
لكن ما يظهر بعد ثلاث جولات يفتح سؤالاً مختلفاً: هل الحد الأدنى التنظيمي للراحة هو نفسه الحد الأدنى الذي يحتاج إليه اللاعب بدنياً والمدرب فنياً؟
أي بمعنى أن يومين قد يجعلان الجدول متوافقاً مع المعيار، لكنهما لا يعنيان بالضرورة يومين للتدريب، ولا يكفيان لمنح المدرب مساحة مثالية للعمل. قد يكون ذلك أمراً متقبلاً واستثنائياً لمرة واحدة، لكن تكراره في غضون أيام قليلة سيرفع حدة الانزعاج ونغمة الحديث عنه، كما يحدث حالياً.
أصوات المدربين الخمسة تعيد ملف الجدولة إلى نقطة مهمة يجب أن توضع في الاعتبار في المواسم المقبلة: هل شارك المدربون والأجهزة الفنية والطبية في صياغة تلك الملاحظات قبل وضع معايير الجدولة؟
ضغوط الموسم الحالي على صعيد جدولة المباريات تقود المشهد العام إلى تجاوز الحديث عن اللائحة وفترات الراحة المثالية المعتمدة، إلى أهمية من يشارك أساساً في تحديد ما يحتاج إليه المدرب واللاعب قبل اعتماد الروزنامة، للخروج بمعايير خاصة ومتطابقة مع واقع كرة القدم السعودية وأجواء الطقس في بدايات الموسم وحالات الإعداد.
وضعت روزنامة أغسطس بعض الأندية أمام إمكانية خوض مباريات رسمية بفواصل لا تتجاوز يومين أو ثلاثة
