مصر وإثيوبيا... هل تنطبق المادة الأممية 51 على نزاع «سد النهضة»؟

القاهرة لوحت أكثر من مرة باستخدام «حق الدفاع الشرعي»

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)
TT

مصر وإثيوبيا... هل تنطبق المادة الأممية 51 على نزاع «سد النهضة»؟

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

تلويح مصري جديد باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة»، جاء مشفوعاً بالتأكيد على «استخدام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد هذا الحق بشكل صريح حال حدوث عدوان».

ذلك التلويح عدّه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه «عنوان للحقيقة، ويتفق مع المواثيق الأممية، ويعني أن مصر وصلت لأعلى مستوى من نفاد الإجراءات مع عدم الاستجابة الإثيوبية بشأن ملف السد».

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في حديث تلفزيوني مساء الثلاثاء: «إذا حدث أي ضرر من شأنه أن يعوق تدفق المياه، فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا، وفقاً للقانون الدولي»، مستشهداً بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس.

وبحسب موقع الأمم المتحدة، تنص المادة على الحق الفردي والجماعي في الدفاع عن النفس يمكن أن يمارس إذا «اعتدت قوة مسلحة» على أحد أعضاء الأمم المتحدة. وعلى الدول أن تبلّغ المجلس فوراً بالتدابير المتخذة، وأن تتوقف عن اتخاذها حالما يتخذ هذا الأخير الإجراءات الضرورية لحفظ السلم والأمن الدوليين.

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام، الأمين العام لـ«الجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية»، محمد محمود مهران أن تصريحات وزير الخارجية المصري «تعني تحديداً تفعيل المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحق الدفاع الشرعي عن النفس، وهذا يعني أن مصر تحتفظ بحقها في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية أمنها المائي». ويشير إلى أن هذا التصريح «يمثل أعلى مستوى لغوي دبلوماسي وصلت إليه القاهرة في الملف الإثيوبي منذ اندلاع الأزمة».

ويوضح مهران «أن التفسير الحرفي للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة يقرّ الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، والمفهوم التقليدي يشترط وقوع هجوم مسلح فعلي لا مجرد تهديد بضرر مائي»، كما يوضح «أن الفقه الدولي المعاصر يتجه نحو توسيع مفهوم الهجوم المسلح ليشمل الحرمان المتعمد من الموارد الحيوية كالمياه، بخاصة حين يُصاحبه تصريح صريح بالسيطرة الكاملة على التدفق كما صدر عن وزير المياه الإثيوبي».

ويضيف «أن الرد القانوني الدولي يتضمن أيضاً اللجوء الفوري لمجلس الأمن لاعتبار التهديد المائي الإثيوبي تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وإمكانية تفعيل دور الجمعية العامة للأمم المتحدة للضغط على إثيوبيا لطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول الانتهاكات الإثيوبية، وتفعيل آليات المسؤولية الدولية لمطالبة إثيوبيا بالتعويضات عن كل الأضرار».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

وقال عبد العاطي، خلال المقابلة ذاتها، إن القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى مصر في الوقت الراهن هي قضية الأمن المائي، «فهي تمثل تهديداً وجودياً لمصر، بل إنها تتجاوز حتى مسألة الأمن القومي، نظراً إلى طبيعتها الوجودية».

وكررت مصر، خلال الأسبوعين الماضيين، الحديث عن حقها في منع أي تحركات لأديس أبابا على نهر النيل، مؤكدة أنها تمتلك «حق الدفاع الشرعي» في مواجهة تداعيات «سد النهضة»، أو أي سدود أخرى محتملة.

ومنتصف أغسطس (آب) الحالي، نقلت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية عن مصدر مصري مسؤول قوله إن بلاده «لن تقبل ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات مياه نهر النيل لدول المصبّ»، مشدداً على أن «أدوات الدولة المصرية متعددة، ومتشعبة، وقادرة على النفاذ، والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل».

وأفادت الوكالة وقتها بأن ذلك جاء تعليقاً على «تصريحات منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا بشأن بناء سدود إضافية على نهر النيل، والسيطرة على تدفقات المياه إلى دولتَي المصبّ (مصر والسودان)».

بدر عبد العاطي يؤكد أن قضية الأمن المائي تمثل تهديداً وجودياً لمصر (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «التصريحات المصرية الأخيرة تأتي من زاوية الأمن، والاستقرار، لأن هناك ما يهدد الحياة والوجود لدولتي وشعبي المصب عند حدوث الخطر، أو الضرر الجسيم، وهو ما يتفق مع المادة 51».

ويؤكد أن «حدوث الضرر الجسيم يعني أن هناك ما يهدد الحياة والوجود لدولتي شعبي المصب، وهو يعد نوعاً من أنواع العدوان الذي يتعين درؤه قبل وقوعه». كما يوضح أن «لجوء مصر المحتمل للمادة 51 تأكيد أنها تلتزم بالقوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة في مواجهة تصرفات أحادية عدوانية تهدد الحياة والوجود».


مقالات ذات صلة

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

شمال افريقيا الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

رسخّت مدينة «العلمين الجديدة» المصرية، مكانتها السياسية مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي فيها لقادة دول ومسؤولين، فضلاً عن اجتماعاته المستمرة مع الحكومة.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا من البناء الداخلي لـ«محطة الضبعة النووية» بمصر (وزارة الكهرباء المصرية)

توافق مصري - روسي على توسيع المشروع النووي يدحض مزاعم «العيوب الفنية»

توافقت مصر وروسيا على «توسيع المشروع النووي»، ومحادثات مرتقبة بشأن بناء وحدتين إضافيتين في «محطة الضبعة»..

عصام فضل (القاهرة )
العالم العربي الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

تترقب القاهرة زيارة للرئيس الصيني شي جينبينغ، لبحث تعزيز التعاون والملفات الإقليمية.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في احتفالية سابقة (الرئاسة المصرية)

السيسي: القوات المسلحة جاهزة للدفاع عن مصر ضد أي تهديد

أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن «القوات المسلحة على أتمّ الجاهزية والاستعداد للدفاع باقتدار عن مصر ومقدراتها ضد أي تهديد خارجي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)

كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

فرار بونابرت السري عام 1799 من الإسكندرية، ليلة دراماتيكية تخلّى فيها نابليون عن جيشه المنهك بمصر وصدم كليبر، ليقفز نحو السلطة المطلقة في باريس.

كوثر وكيل (لندن)

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
TT

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)

رسخّت مدينة «العلمين الجديدة» المصرية، مكانتها السياسية مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي فيها لقادة دول ومسؤولين، فضلاً عن اجتماعاته المستمرة مع وزراء الحكومة، لتتجاوز المدينة بذلك الصورة التقليدية عن كونها «مصيفاً فاخراً»، إلى كونها مدينة لـ«صناعة القرار»، وفق مراقبين.

وتعد مدينة «العلمين» الساحلية، أبرز الوجهات السياحية في مصر راهناً، وهي تقع في الساحل الشمالي، وتمتد على مساحة أكثر من 48 ألف فدان، وتشتهر بأبراجها الفارهة، فنادقها وشواطئها، وتعد مقصداً للمشاهير والسياح.

وقد صُنفت في العام الماضي 2025 على أنها «عاصمة المصايف العربية» من قبل «المنظمة العربية للسياحة».

في الأسابيع الماضية، طفا على السطح دور المدينة السياسي إلى جانب ازدهارها السياحي. فعلى هفيف هوائها تُفتح النقاشات حول ليبيا وغزة وتطورات «حرب إيران» وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية، وتدار ملفات التعليم والطرق والتموين والطاقة.

وفي العلمين استقبل الرئيس السيسي، رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 12 يوليو (تموز) الماضي، وفي الشهر ذاته استقبل رئيس جمهورية مدغشقر الأفريقية، ميكائيل راندريانيرينا، واستقبل ملك البحرين حمد بن عيسي في 5 أغسطس (آب) الحالي.

ويعتبر رئيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية» سابقاً والمفكر السياسي، عبد المنعم سعيد، أن العلمين حالياً يمكن اعتبارها «العاصمة الساحلية لمصر، وهو أمر ليس بالجديد، فقد كان وجود مثل هذه العواصم غير الرسمية دارجاً في حقب سابقة»، لافتاً إلى ميزة العلمين باعتبارها «مدينة معروفة عالمياً مرتبطة بمعارك العلمين خلال الحرب العالمية الثانية، وبها مقابر ألمان وإيطاليين، ما يجعلها مقصداً سياحياً للكثيرين»، معتقداً أن التركيز الإعلامي على وجود الرئيس فيها يهدف بالأساس إلى الترويج للمدينة باعتبارها وجهة سياحية واستثمارية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

السيسي يستقبل رئيس دولة الإمارات في العلمين منتصف يوليو 2026 (الرئاسة المصرية)

وناقش السيسي تطورات اتفاق «وقف إطلاق النار» في قطاع غزة، بعد التوصل لتفاهمات بشأن «سلاح المقاومة»، واستقبل في 16 أغسطس الحالي، صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، وكذلك فإن قضية توحيد المؤسسات الليبية كانت حاضرة خلال استقباله قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، في 19 الشهر الجاري، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من استقباله رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، عبد الحميد الدبيبة في 30 يوليو الماضي بالمدينة نفسها.

المدينة ذاتها كانت شاهدة على محادثات واجتماعات أخرى بعيداً عن اللقاءات الرئاسية، حيث شهدت هذا الشهر اجتماعات للفصائل الفلسطينية هدفت إلى توحيد الصف والاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، وبالتزامن معها جرت لقاءات بين مسؤولين مصريين وفلسطينيين.

وشهدت المدينة لقاء رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، مع نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول صدام حفتر يوم 22 أغسطس الجاري، للتباحث بشأن الجهود المبذولة لدفع مسار التسوية السياسية في ليبيا.

مصايف الرؤساء

وضع الرئيس المصري حجر أساس تدشين «مدينة العلمين» في مارس (آذار) من عام 2018. وآنذاك «لم يرتبط اسم السيسي بمصيف مفضل، كما كان لغيره من الرؤساء»، وفق الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة وجود عاصمة صيفية للأنظمة السياسية حول العالم موجودة منذ القدم، هرباً من الحرارة، ولم تختفِ الفكرة في زمن المكيفات، بل تطورت لأغراض أخرى».

وأضاف: «في روسيا توجد عاصمة شتوية وأخرى صيفية، وكذلك في مصر منذ العهد الملكي حيث مدينة الإسكندرية (شمالاً) التي كان الملك ينتقل إليها في فصل الصيف ويقيم بقصر التين... وشرم الشيخ (على ساحل البحر الأحمر) في عصر الرئيس الراحل حسني مبارك».

وأضاف فوزي أن «العلمين بذلك تختلف عن شرم الشيخ، فالأخيرة اقتصر دورها على عرض القرارات، أي إقامة مؤتمرات واجتماعات، أكثر من كونها مركزاً لصناعة قرار سياسي مثل العلمين حالياً».

وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا في العلمين (مدينة العلمين الجديدة)

ومنذ 26 يوليو الماضي، يوجد الرئيس المصري بصورة مستمرة في العلمين، حيث دارت كل اجتماعاته بالوزراء المصريين، كان آخرها ترأس اجتماع حضره رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والرئيس التنفيذي لشركة «إيني» الإيطالية كلاوديو ديسكالزي، الثلاثاء، وكان السيسي قد استقبل في المدينة المنتخب الوطني عقب عودته من كأس العالم في 11 يوليو الماضي.

واللافت في مدينة «العلمين الجديدة» أنها مدينة حديثة وليدة النظام الحالي، في «انعكاس لفلسفة التوسع وتدشين المدن الجديدة»، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس «يتبنى المدن الجديدة باعتبارها حلاً هيكلياً لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا بإنشاء مراكز حضرية جديدة، بداية من العاصمة الإدارية، ثم العلمين وغيرهما من مدن الجيل الرابع»، معتبراً أن «العلمين هي النسخة الساحلية للعاصمة الإدارية».

العمل الميداني

وأضاف صادق، أن «وجود الحكومة في العلمين يعكس أيضاً فلسفة الوجود الرمزي في مواقع التنمية، على اعتبار أن الحكومة لا تدير من المكاتب فقط، بل من مواقع التنفيذ، ما يعزز صورة الدولة التي تبني والقيادة التي تتابع»، لافتاً إلى أنه «في الوقت الذي يحتفي بعض المواطنين بالمدينة باعتبارها مركزاً حضارياً جديداً، يراها قطاع آخر من الطبقات الأقل دخلاً، انعكاساً لاتساع الهوة المجتمعية».

مدينة «طول العام»

منذ مرحلة التأسيس، استهدفت الحكومة المصرية بناء مدينة تضم مراكز صناعية وسكنية وتعليمية، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، خلال جولة منتصف الشهر الماضي، لتفقد مشروعين غذائيين في المدينة، قائلاً إنها «تشهد طفرة كبيرة في المشروعات، وتسليم الوحدات السكنية فيها»، لافتاً كذلك إلى «محطة الضبعة النووية» التي توجد في المدينة، وستبدأ العمل في غضون عامين.

السيسي مستقبلاً المنتخب الوطني بعد مشاركته في كأس العالم بمدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

ويؤكد أستاذ الاقتصاد والخبير العقاري، ماجد عبد العظيم، أن «عقد الرئيس لقاءاته فيها، يوجه الأنظار عالمياً لها، ويقدمها بوصفها مدينة مكتملة وليس مجرد مصيف»، خصوصاً مع «تدشين 4 جامعات فيها، ستبدأ الدراسة فيها بعد الإجازة الصيفية، أي أننا أمام حركة مستمرة في المدينة».

وأضاف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الامتداد العمراني في المدينة ووجود مراكز للحكم بها مثل القصر الرئاسي ومقر الحكومة، من عوامل جذب للاستثمار أكثر، خصوصاً من الخليج. ويضيف المفكر السياسي عبد المنعم سعيد، أن «العلمين تعكس بشكل رئيسي التوجه الحكومي المصري في تنمية السواحل الشاطئية»، معتبراً أن «الهدف من العلمين ليس المدينة فقط، ولكن باعتبارها مدخلاً للساحل الشمالي المصري الذي يشهد حركة تنمية غير مسبوقة».


ليبيا: رحيل فحيمة يطوي صفحة من ملف «لوكربي» المفتوح

الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)
الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)
TT

ليبيا: رحيل فحيمة يطوي صفحة من ملف «لوكربي» المفتوح

الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)
الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)

بعد نحو 38 عاماً على تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، لا تزال القضية تحتفظ بقدرتها على فتح أسئلة جديدة، حتى مع رحيل شخصيات كانت في صلب مسارها القضائي.

ومع وفاة الليبي الأمين خليفة فحيمة، الذي برَّأته المحكمة قبل نحو ربع قرن من المشاركة في التفجير، تطوى صفحة شخصية من القضية، من دون أن يعني ذلك إغلاق الملف الذي أودى بحياة 270 شخصاً في ديسمبر (كانون الأول) 1988.

فحيمة، الذي نعته شركة «الخطوط الجوية الليبية» مساء الثلاثاء بعدّه أحد عامليها، لم يكن مداناً هارباً أو متهماً ينتظر حكماً؛ إذ خلصت المحكمة الاسكوتلندية التي انعقدت في كامب زيست بهولندا عام 2001 إلى عدم كفاية الأدلة لإدانته.

في المقابل، أدان القضاء الاسكوتلندي شريكه في الاتهام عبد الباسط المقرحي، الذي ظل الشخص الوحيد الذي صدر بحقه حكم بالإدانة في القضية، وأفرجت عنه إسبانيا بعفو إنساني عام 2009 قبل أن يتوفى في 2012.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

وبخروج فحيمة من المحاكمة بريئاً، بعد أن ارتبط اسمه بقضية لوكربي طوال العقود التالية، لكن من دون أن تنتهي حياته بحكم قضائي يحمّله مسؤولية التفجير. أما اليوم، فتأتي وفاته في حين لا تزال الولايات المتحدة تمضي في مسار قضائي منفصل ضد الليبي أبو عقيلة مسعود المريمي، الذي تتهمه بصنع العبوة الناسفة المستخدمة في تفجير الطائرة.

وكان من المقرر أن تبدأ إجراءات اختيار هيئة المحلفين في محاكمة المريمي أمام محكمة اتحادية أميركية، قبل أن تقرر المحكمة تأجيلها، وتحدد الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل موعداً لجلسة لبحث الخطوات التالية، من دون إعلان موعد جديد لبدء المحاكمة.

ويعيد تأجيل المحاكمة، إلى جانب وفاة فحيمة، تسليط الضوء على سؤال ظل يرافق القضية منذ صدور الحكم بحق المقرحي: هل كشفت المحاكمة الأصلية عن كل ملابسات التفجير، أم أن بعض حلقاته لا تزال تنتظر الحسم؟

ولا يرى المحلل المتخصص في الشؤون الليبية، جلال حرشاوي، أن التطورات الأخيرة في قضية المريمي تمثل تحولاً جوهرياً في مسار القضية في الوقت الراهن. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري «مجرد تأخير»، موضحاً أن محامي الدفاع يقول إن لديه أدلة إضافية وجديدة تحتاج إلى بحثها.

ولا تتعامل الولايات المتحدة مع محاكمة المريمي بوصفها إعادة لمحاكمة المقرحي، بل تنسب إليه دوراً مختلفاً ومحدداً، يتمثل في تصنيع العبوة التي استخدمت في التفجير. وتستند القضية الأميركية، في جانب مهم منها، إلى إفادة قال الادعاء إن المريمي أدلى بها في ليبيا عام 2012، في حين يطعن الدفاع في صحتها وفي الظروف التي جرى فيها الحصول عليها.

وتكتسب وفاة فحيمة دلالة تتجاوز الجانب الشخصي؛ إذ لم يعد الرجل الذي خرج من محكمة كامب زيست عام 2001 بريئاً متاحاً للإجابة عن أي أسئلة قد تثيرها المحاكمة الأميركية الجديدة. وينطبق الأمر ذاته على المقرحي، الذي توفي عام 2012 بعدما ظل لسنوات محوراً للجدل بشأن الأدلة التي أدت إلى إدانته.

أبو عجيلة المريمي ضابط الاستخبارات الليبية السابق (أرشيفية - رويترز)

وفي المقابل، يبقى المريمي المتهم الوحيد في قضية لوكربي، الذي يمكن أن يخضع لمحاكمة جديدة، إذا تجاوز الادعاء والدفاع العقبات الإجرائية والقانونية التي أدت إلى تأجيلها.

ولم يضع مرور السنوات حداً للجدل بشأن الحكم على المقرحي؛ إذ ظلت عناصر رئيسية في الأدلة، من بينها قطعة مؤقت التفجير ومسار الحقيبة التي قيل إنها حملت القنبلة، موضع نقاش قانوني وسياسي. كما لا يزال خبراء ومحامون منقسمين بشأن ما إذا كانت الأدلة التي استند إليها الحكم كافية، أو أنها تركت أسئلة جوهرية من دون إجابة.

وفي قراءة ليبية لتطورات القضية، يرى عبد الباسط القاضي، مستشار الشؤون الأوروبية بمجلس الأمن القومي الليبي، أن تأجيل محاكمة المريمي بعد ظهور أدلة جديدة لا ينبغي النظر إليه بصفته مجرد تأخير إجرائي.

وحسب القاضي لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الهدف الحقيقي»، يتمثل في حصول الولايات المتحدة على حكم بالإدانة يمكن أن يشكل لاحقاً غطاءً قانونياً للتحرك بشأن الأموال، والأصول الليبية المجمدة على خلفية قضية لوكربي. وتعكس هذه القراءة، التي لا تتبناها بالضرورة الرواية القضائية الأميركية، اعتقاداً لدى بعض الأوساط الليبية بأن قضية لوكربي لم تُغلق سياسياً وقانونياً بصورة كاملة، رغم مرور عقود على التفجير وتسوية جانب أساسي من تداعياته.

وكانت ليبيا قد أعلنت في عام 2003 قبولها «مسؤولية أفعال مسؤوليها» المرتبطة بتفجير «بان آم 103»، وتعهدت بدفع التعويضات والتعاون في التحقيق، في خطوة ساعدت على إنهاء العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها بسبب القضية.

ولا تدخل قضية لوكربي ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في الحالة الليبية؛ إذ يتعلق اختصاص المحكمة بالجرائم التي يُزعم ارتكابها منذ 15 فبراير (شباط) 2011، في حين وقع تفجير الطائرة عام 1988.

وربما تختصر هذه المفارقة جانباً من قصة لوكربي بعد نحو أربعة عقود: رجلان دخلا قفص الاتهام معاً، خرج أحدهما بريئاً ثم رحل، في حين توفي الآخر بعدما ظل حكم إدانته موضع جدل؛ وبينما أُغلقت فصول حياتهما، لا تزال قضية التفجير نفسها تحتفظ بمسار قضائي آخر، مع متهم ثالث ينتظر محاكمة لم تبدأ بعد.


«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة متسلحاً بضمانات البرهان

قائد الجيش الفريق البرهان دفع بضمانات قانونية للسماح لمعارضين في الخارج للمشاركة في الحوار (أ.ف.ب)
قائد الجيش الفريق البرهان دفع بضمانات قانونية للسماح لمعارضين في الخارج للمشاركة في الحوار (أ.ف.ب)
TT

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة متسلحاً بضمانات البرهان

قائد الجيش الفريق البرهان دفع بضمانات قانونية للسماح لمعارضين في الخارج للمشاركة في الحوار (أ.ف.ب)
قائد الجيش الفريق البرهان دفع بضمانات قانونية للسماح لمعارضين في الخارج للمشاركة في الحوار (أ.ف.ب)

أفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة المعنية بالحوار السوداني-السوداني ستعلن مطلع الأسبوع المقبل، من العاصمة الخرطوم، بدء الترتيبات التمهيدية للحوار، على أن يُحدد موعد انطلاق جلساته لاحقاً، بعد إجراء مشاورات مع مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية في البلاد.

وفي وقت لم يُكشف فيه رسمياً عن جميع أعضاء اللجنة وهياكلها، تداولت منصات التواصل الاجتماعي أسماء شخصيات مستقلة وحزبية معروفة، من بينها القانوني نبيل أديب، رئيس لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة للجيش بالخرطوم عام 2019، الذي أدى إلى مقتل وإصابة مئات المعتصمين.

وقالت مصادر في لجنة الحوار لـ«الشرق الأوسط» إنها ستشرع خلال اليومين المقبلين في التواصل مع القوى المعارضة في الخارج، لحضّها على الانضمام إلى حوار وطني شامل، بما في ذلك «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.

وفد «صمود» برئاسة عبد الله حمدوك الرافض للحوار خلال لقاء سابق مع رئيس جنوب أفريقيا في بريتوريا (صمود/ فيسبوك)

وأشارت المصادر إلى أن اللجنة تعتزم فتح قنوات اتصال مباشرة مع القوى المعارضة، لإقناعها بأهمية مشاركة جميع السودانيين في الحوار، وسط خلافات بشأن إشراك حزب «المؤتمر الوطني» المعزول و«الحركة الإسلامية».

وكانت قوى سياسية ومدنية سودانية، أبرزها تحالف «صمود»، قد توافقت على رفض المشاركة في أي حوار يُعقد داخل مناطق سيطرة أي من طرفي الحرب، الجيش السوداني، أو «قوات الدعم السريع»، معتبرة أن ذلك من شأنه تكريس انقسام البلاد.

ووفقاً للمصادر، تعقد اللجنة مؤتمراً صحافياً مطلع الأسبوع المقبل في فندق السلام روتانا بالخرطوم، للكشف عن تشكيلها، وخطتها لإدارة المرحلة التحضيرية، وإنجاح الحوار، من دون أن يعني ذلك انطلاق جلساته في الموعد نفسه.

من جانبه، قال عضو اللجنة نبيل أديب لـ«الشرق الأوسط» إن اللجنة تتكون من 18 عضواً، مع إمكان زيادة العدد وفقاً لما تقتضيه مصلحة الحوار، مؤكداً أنه «لا صلة لها بالحكومة». وأضاف أن مهمة اللجنة تتمثل في الإعداد والتحضير للحوار، وإزالة العقبات التي قد تعترض سيره، وليس فرض قرارات على الأطراف المشاركة، موضحاً أن «الحوار الوطني يجب أن يكون ملكاً لجميع السودانيين».

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب

وقال أديب إن اللجنة ستجري خلال الأيام المقبلة مشاورات مع القوى السياسية، والمدنية، وبقية الأطراف المعنية، للاتفاق على موعد انطلاق الحوار السوداني-السوداني، مضيفاً أن الحوار «سيبدأ قريباً».

ودافع أديب عن إجراء الحوار داخل السودان، قائلاً إن ذلك يتيح مشاركة أوسع للقوى السياسية والمواطنين في جلساته، خصوصاً بعد تعهد البرهان بتوفير الضمانات القانونية والأمنية اللازمة لحماية المعارضين الموجودين في الخارج لدى عودتهم للمشاركة.

وفي السياق ذاته، لم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من تحالف «الكتلة الديمقراطية»، الداعم للجيش في حربه ضد «قوات الدعم السريع»، بشأن الترتيبات الجارية لإطلاق عملية الحوار.

ويضم تحالف «الكتلة الديمقراطية»، بقيادة جعفر الميرغني، حركات مسلحة، وقوى سياسية، أبرزها «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«مؤتمر البجا»، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، إلى جانب مكونات أخرى.