صندوق النقد الدولي: الاقتصاد المصري يخالف توقعات الصدمة الإقليمية

قال إن الاحتياطيات ومرونة سعر الصرف ساعدتا القاهرة في تجاوز الاضطرابات رغم خروج رؤوس الأموال

قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد المصري يخالف توقعات الصدمة الإقليمية

قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)

نجح الاقتصاد المصري في امتصاص تداعيات الصدمة الإقليمية الأخيرة بصورة أفضل من المتوقع، مستفيداً من تحسن الاحتياطيات الدولية ومرونة سعر الصرف وسرعة استجابة السياسات، لكن قدرة الاقتصاد على مواصلة الصمود ستظل مرتبطة بمعالجة مواطن ضعف مزمنة، في مقدمتها ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل، واستمرار انكشاف القطاع المصرفي على الحكومة، واتساع دور الدولة في النشاط الاقتصادي.

وفي مقال نشره صندوق النقد الدولي تحت عنوان «الصمود تحت وطأة الضغوط: الاقتصاد المصري يخالف التوقعات»، قال أمين ماتي، رئيس بعثة الصندوق إلى مصر والمدير المساعد في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ويفغيينيا كورنيينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى في الإدارة نفسها، إن الإصلاحات التي نُفذت في إطار البرنامج المدعوم من الصندوق ساعدت في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

ويشير أحدث تقييم للصندوق إلى أن إجمالي الاحتياجات التمويلية لمصر سيبقى في حدود 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى أقل من 30 في المائة بحلول 2030. ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه التمويل بدرجة كبيرة على آجال استحقاق قصيرة، بينما لا تزال البنوك معرضة بدرجة مرتفعة للدين الحكومي.

رجل يمرّ أمام كشك تقليدي على رصيف أحد شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

الأسواق تلقت الصدمة... والاقتصاد امتصها

دخلت مصر الصراع الإقليمي الأخير من وضع اقتصادي كلي أقوى مما كانت عليه خلال أزمات خارجية سابقة، بعد أن ساعد برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

وعندما اشتدت الضغوط، كان رد فعل الأسواق سريعاً وحاداً؛ فقد انخفضت حيازات المستثمرين غير المقيمين من الدين الحكومي المقوم بالجنيه من 39.1 مليار دولار في فبراير (شباط) إلى 22.2 مليار دولار في مطلع أبريل (نيسان)، بينما تراجع الجنيه المصري بنحو 14 إلى 17 في المائة.

إلا أن خروج الأموال لم يتحول إلى أزمة اقتصادية أوسع. ومع انحسار الضغوط، عادت تدفقات المحافظ الاستثمارية، واقتربت حيازات غير المقيمين من مستويات ما قبل الصراع، كما استعاد الجنيه جانباً كبيراً من خسائره الأولية.

ويربط صندوق النقد جانباً مهماً من هذا الأداء بمرونة سعر الصرف، التي سمحت بامتصاص جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب تعديلات أسعار الطاقة بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية، وضبط الإنفاق، وتوسيع نطاق الدعم الموجه إلى مستحقيه.

النمو لم يتوقف

اللافت أن الاضطرابات المالية لم تنتقل إلى النشاط الاقتصادي بالحدة نفسها؛ فقد بلغ نمو الاقتصاد المصري 5 في المائة في الربع الثالث من السنة المالية 2025-2026، فيما حافظ قطاع السياحة على قدرته على الصمود، وارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى مستويات قياسية، بينما واصل نشاط قناة السويس تعافيه التدريجي بعد الاضطرابات المؤقتة المرتبطة بالتوترات الإقليمية.

كما تمكنت الحكومة من احتواء الضغوط المالية من خلال زيادة الإيرادات المحلية والحد من الإنفاق.

أما التضخم، فارتفع بفعل انخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، لكن الزيادة جاءت أقل حدة مما كان متوقعاً. وفي المقابل، أدى أثر الصدمة إلى تأخير مسار عودة التضخم إلى مستهدفه بنحو عام.

وكان بقاء الاحتياطيات الدولية عند مستويات مريحة، رغم التدفقات الرأسمالية الخارجة في بداية الأزمة، من أبرز مؤشرات التحسن مقارنة بأزمات سابقة.

المستثمرون يعودون إلى مصر

ومع انحسار التوتر في الأسواق، تحسنت ثقة المستثمرين تدريجياً.

وانخفضت علاوة المخاطر على السندات السيادية المصرية إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب، فيما عادت القاهرة إلى أسواق رأس المال الدولية بإصدارات لاقت طلباً قوياً؛ ففي مايو (أيار)، أصدرت مصر سندات «يوروبوند» اجتماعية بقيمة مليار دولار، تجاوز الاكتتاب فيها 5 أمثال المعروض، قبل أن تصدر في يونيو (حزيران) سند «ساموراي» بقيمة 500 مليون دولار.

وبحلول أغسطس (آب)، كانت علاوة المخاطر السيادية المصرية قد انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ 2014، وفق صندوق النقد.

لكن تحسن مؤشرات الأسواق لا يعني أن مواطن الضعف الأساسية اختفت.

المصطافون يجلسون أمام ناقلة نفط تبحر عبر خليج السويس باتجاه البحر الأحمر على شاطئ السخنة في السويس (أ.ب)

الاحتياجات التمويلية تبقى نقطة الضغط

لكن الدين العام لا يزال مرتفعاً، كما أن احتياجات التمويل الإجمالية كبيرة، بينما يعتمد جانب مهم من الاقتراض على آجال قصيرة، ما يزيد مخاطر إعادة التمويل في حال تغيرت ظروف الأسواق العالمية.

ويحذر صندوق النقد من أن هذه العوامل، إلى جانب ارتفاع انكشاف البنوك على الحكومة، تجعل مصر أكثر حساسية للتحولات في ظروف التمويل العالمية ولأي صدمات خارجية جديدة.

كما أن العلاقة الوثيقة بين الحكومة والقطاع المصرفي قد تزيد مخاطر ما يعرف بـ«هيمنة المالية العامة» على السياسات الاقتصادية، في حين يمكن للاحتياجات الحكومية الكبيرة من التمويل أن تزاحم الائتمان والاستثمار في القطاع الخاص.

وهنا تبرز المسألة التي يرى الصندوق أنها الأكثر أهمية للنمو على المدى الطويل: حجم الدولة في الاقتصاد، حيث قال: «لا يزال حضور الدولة في الاقتصاد مرتفعاً بشكل مفرط».

من إدارة الصدمة إلى تقليص دور الدولة

يرى الصندوق أن الحفاظ على المكاسب التي تحققت يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف، وسياسة نقدية مشددة بالقدر الملائم، وانضباطاً مالياً، بالتوازي مع تسريع الإصلاحات الهيكلية.

وفي ملف الدين، يعني ذلك تحسين إدارة الدين والانتقال تدريجياً إلى تمويل أطول أجلاً وأكثر اعتماداً على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتعميق سوق الدين المحلية، بما يقلل مخاطر إعادة التمويل ويدعم القدرة على تحمل الدين.

لكن الصندوق يضع إصلاحات ملكية الدولة والتخارج من الأصول في صدارة الإصلاحات المطلوبة لخلق مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.

ويقول ماتي وكورنيينكو إن «تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج بمزيد من الحسم»، إلى جانب تحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة، سيكون حاسماً لتقليص حضور الدولة وتهيئة الظروف لنمو أقوى يقوده القطاع الخاص.

صمود أقوى... لكن المهمة لم تنتهِ

تكشف التجربة الأخيرة عن تغير مهم في قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الصدمات؛ فقد واجهت الأسواق خروجاً كبيراً لرؤوس الأموال وانخفاضاً حاداً في العملة، لكن الاحتياطيات ومرونة سعر الصرف وسرعة الاستجابة الحكومية حالت دون انتقال الاضطراب المالي إلى أزمة اقتصادية أوسع.

غير أن هذا التحسن لا يلغي التحديات الهيكلية؛ فارتفاع الدين واحتياجات التمويل، وقصر آجال الاستحقاق، وارتباط القطاع المصرفي بالمالية العامة، واتساع حضور الدولة، كلها عوامل تجعل استمرار الصمود مرتبطاً بمدى سرعة تنفيذ الإصلاحات.

وبذلك، لا يتمثل التحدي التالي لمصر في امتصاص الصدمة المقبلة فحسب، وإنما تقليل الحاجة إلى إدارة الصدمات من خلال معالجة مواطن الضعف التي تجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً لها.

وتقول تقديرات صندوق النقد إن البناء على المكاسب التي تحققت يتطلب الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، بالتوازي مع إصلاحات أكثر حسماً تفتح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص وتدعم نمواً أكثر استدامة.


مقالات ذات صلة

مصر تعزز تعاونها آسيوياً... تنسيق سياسي وشراكات اقتصادية

شمال افريقيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في إندونيسيا (الرئاسة المصرية)

مصر تعزز تعاونها آسيوياً... تنسيق سياسي وشراكات اقتصادية

تتنامى تحركات مصرية تجاه آسيا بدأت بجولة رئاسية إلى كوريا الجنوبية ثم ماليزيا وإندونيسا، بخلاف محطة جديدة في بانكوك هي الأولى لوزير خارجية مصري منذ 3 عقود.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس (رويترز)

عجز حساب المعاملات الجارية في مصر يبلغ 22.5 مليار دولار

ذكر البنك المركزي المصري، يوم الاثنين، أن عجز حساب المعاملات الجارية بلغ 22.5 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026 مقارنة مع 15.4 مليار دولار في العام السابق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع حكومي للتحضير لجلسات «منتدى مصر» (مجلس الوزراء المصري)

تعويل على «منتدى مصر» للوصول إلى حلول اقتصادية جديدة لملف الديون

يعوّل برلمانيون واقتصاديون مصريون على منصة «منتدى مصر» الحوارية، لصياغة حلول اقتصادية جديدة لملف الديون، الذي يشكل عبئاً اقتصادياً على الحكومة المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

التضخم الأساسي في مصر يتراجع إلى 14.1 % خلال سبتمبر

قال البنك المركزي المصري، الأحد، إن معدل التضخم الأساسي السنوي في مصر تراجع إلى 14.1 في المائة في سبتمبر من 14.9 في المائة في أغسطس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد أحد فروع بنك القاهرة في مصر (إكس)

«بنك القاهرة» يعتزم طرح أسهمه في البورصة المصرية

أعلن «بنك القاهرة»، المملوك للدولة وأحد أكبر البنوك في مصر، الأحد، نيته طرح أسهمه في البورصة المصرية أواخر الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السوق العربية للكهرباء وتبادل الطاقة على طاولة اجتماع في الرياض

اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
TT

السوق العربية للكهرباء وتبادل الطاقة على طاولة اجتماع في الرياض

اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)

بحث المجلس الوزاري العربي للكهرباء، في دورته السادسة عشرة التي عُقدت في الرياض، مستجدات السوق العربية المشتركة للكهرباء ومشروعاً تجريبياً لتبادل الطاقة بين الأردن والسعودية ومصر، في إطار جهود تعزيز التكامل الكهربائي بين الدول العربية.

وترأست المملكة الاجتماع، الذي عُقد يوم الاثنين على هامش مؤتمر البترول العالمي، ضمن فعاليات «أسبوع الطاقة في الرياض»، بمشاركة وزراء ومسؤولين وممثلين عن جهات عربية معنية.

كما ناقش المجلس ملفات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، والتعاون في مجال الهيدروجين النظيف، وتبادل الخبرات في اقتصاديات وتقنيات التبريد المناطقي، إلى جانب تطوير البرامج العربية المرتبطة بكفاءة إنتاج الطاقة واستخدامها.

تأتي هذه المناقشات في سياق مساعي تعزيز التعاون العربي في قطاع الكهرباء، ودعم أمن الطاقة وتكامل الشبكات وتبادل الخبرات بين الدول المشاركة.


«وول ستريت» تتباين قرب مستوياتها القياسية مع ارتفاع أسعار النفط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتباين قرب مستوياتها القياسية مع ارتفاع أسعار النفط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

استهلت الأسهم الأميركية أسبوعاً حافلاً بالأحداث بتداولات متباينة، الاثنين، أبقت المؤشرات الرئيسية قرب مستوياتها القياسية.

واستقر مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» دون تغيير يُذكر، متداولاً قرب مستواه القياسي المسجل الأسبوع الماضي. في المقابل، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 91 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة 9:58 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما تراجع مؤشر «ناسداك» المجمع بنسبة 0.1 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وسجلت أسهم قطاع الطاقة بعضاً من أكبر المكاسب، مدعومة بارتفاع أسعار النفط، إذ صعد سهم «إكسون موبيل» بنسبة 1.8 في المائة، وسهم «شيفرون» بنسبة 1.9 في المائة.

في المقابل، شكّلت أسهم التكنولوجيا أبرز الضغوط على السوق، مع تراجع سهم «مايكرون تكنولوجي» بنسبة 4.2 في المائة، وسهم «أدفانسد مايكرو ديفايسز» بنسبة 1.8 في المائة. وتندرج الشركتان ضمن مجموعة من الشركات التكنولوجية ذات القيمة السوقية الضخمة، التي تؤثر تحركات أسهمها بدرجة كبيرة في أداء السوق.

وارتفع سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، بنسبة 2.1 في المائة إلى 106.95 دولار للبرميل. وكانت الأسعار قد تذبذبت بين 96 دولاراً ونحو 110 دولارات خلال الشهر الماضي، وسط حالة من عدم اليقين بشأن الحرب الأميركية مع إيران وتداعياتها المستمرة على إمدادات الطاقة العالمية ومعدلات التضخم.

وجاء ارتفاع الأسعار رغم إعلان الرئيس دونالد ترمب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي الجمعة، التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشراء الديزل الروسي، في مسعى للحد من الارتفاع الحاد في أسعار الوقود قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني). غير أن هذه الخطة تتعارض مع الجهود الأميركية الرامية إلى الحد من الإيرادات التي تجنيها روسيا من صادرات النفط والغاز، والتي يمكن أن تستخدمها في تمويل حربها على أوكرانيا.

وسيكون ارتفاع أسعار الطاقة وانعكاساته على الاقتصاد عموماً في صدارة اهتمامات الأسواق هذا الأسبوع، في وقت تترقّب فيه «وول ستريت» صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية المهمة، تشمل مؤشرات جديدة عن سوق الإسكان والتضخم ومبيعات التجزئة. كذلك، تتسارع وتيرة إعلان الشركات نتائجها المالية، مع ترقب نتائج عدد من المصارف الكبرى، من بينها «سيتي غروب»، و«جي بي مورغان تشيس»، و«ويلز فارغو».

وفي سوق السندات، توقفت التداولات على السندات الأميركية بمناسبة عطلة «يوم كولومبوس».

وسجلت الأسواق الأوروبية مكاسب، في حين اتجهت معظم الأسواق الآسيوية إلى التراجع، فيما أُغلقت بورصة طوكيو بسبب عطلة رسمية.


غورغييفا: الذكاء الاصطناعي يعزز النمو العالمي ويهدد بإعادة تشكيل الوظائف

كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
TT

غورغييفا: الذكاء الاصطناعي يعزز النمو العالمي ويهدد بإعادة تشكيل الوظائف

كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)

هيمنت تداعيات الذكاء الاصطناعي على افتتاح اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، بين رهانات على دوره في دعم النمو العالمي ومخاوف من اضطراب واسع في أسواق العمل.

وحذَّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا من «تسونامي بطيء الحركة» قد يطول الوظائف والأنظمة الضريبية والتعليم، مشيرة إلى أن نحو 40 في المائة من الوظائف عالمياً ستتأثر بهذه التكنولوجيا، في وقت تُبقي فيه الاستثمارات القوية في بنيتها التحتية النمو العالمي عند نحو 3 في المائة رغم صدمة إمدادات الطاقة.

وفي هذا الإطار، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، يوم الاثنين، إن الاستثمارات القوية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تُبقي النمو العالمي عند نحو 3 في المائة، مع تحقيق فوائد كبيرة لآسيا، ولكنها تنذر أيضاً بـ«تسونامي بطيء الحركة» قد يُحدث اضطرابات واسعة في أسواق العمل والأنظمة الضريبية والتعليم.

وأضافت أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تُحدث بالفعل «صدمة في الطلب وصدمة استثمارية»، من شأنهما تعزيز النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة، بما يتراوح بين نصف نقطة مئوية ونقطة مئوية كاملة، وفي الاقتصادات الآسيوية الناشئة بما يتراوح بين 0.2 و0.8 نقطة مئوية.

عروض فنية خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولييين عام 2026 في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

وقالت غورغييفا: «سواء أحببنا الذكاء الاصطناعي أم كرهناه، فهو موجود بالفعل».

وأضافت، خلال حديثها إلى مئات المشاركين في اليوم الأول من سلسلة اجتماعات تستمر أسبوعاً لصندوق النقد والبنك الدوليين في العاصمة التايلاندية: «إن هذا الانتقال إلى مستوى أعلى من السرعة هو ما يُبقي الاقتصاد العالمي ينمو بنحو 3 في المائة، رغم أن صدمة إمدادات الطاقة تؤثر سلباً في النمو».

وكان صندوق النقد الدولي قد توقَّع في يوليو (تموز) نمواً عالمياً بنسبة 3 في المائة عام 2026، ومن المقرر أن يصدر توقعاته المحدَّثة يوم الثلاثاء.

ومن المتوقع أن يشارك نحو 18 ألف شخص في اجتماعات هذا الأسبوع، بينهم مسؤولون ماليون من الدول الأعضاء الـ191 في صندوق النقد الدولي. غير أن عدداً من وزراء المالية سيغيبون عن الاجتماعات للتركيز على أولويات داخلية، ومن بينهم وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ووزير المالية الإسباني أركادي إسبانيا.

كما سيغيب وزراء مالية كندا والهند، وجمهورية الكونغو الديمقراطية التي تواجه صعوبات في احتواء تفشِّي فيروس إيبولا الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 4 آلاف شخص، وفقاً لمصدر مطَّلع على خطط المشاركة.

ورداً على سؤال بشأن التأثير السلبي للذكاء الاصطناعي في الوظائف، قالت غورغييفا إن بحوث صندوق النقد الدولي تشير إلى أن نحو 40 في المائة من الوظائف ستتأثر بالذكاء الاصطناعي، سواء من خلال تعزيز أداء العاملين أو خفض مستوى الوظائف أو إلغائها، وقد تصل النسبة إلى 60 في المائة في الاقتصادات المتقدمة.

وأوضحت أن لذلك تداعيات عميقة على الوظائف والنمو والتعليم، وحتى على مصادر الإيرادات الحكومية من الضرائب، في ظل التحوُّل المتوقع من الاعتماد على العمل إلى الاعتماد على رأس المال.

مندوب يشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين عام 2026 في بانكوك (إ.ب.أ)

وأظهرت دراسة أولية أن 10 في المائة من الوظائف في الولايات المتحدة تتطلب بالفعل مهارات في الذكاء الاصطناعي. وفي حين يتراجع عدد الوظائف الروتينية والمتكررة، يزداد عدد الوظائف منخفضة الأجور في قطاعين من القطاعات الأقل أجراً، هما البناء ومراكز البيانات.

وقالت غورغييفا إن «هذه تكنولوجيا تحوُّلية، فهي تغيِّر بصورة جذرية الطريقة التي نعمل ونعيش بها»، مشيرة إلى أن مساعداً يعمل بالذكاء الاصطناعي بات يقدِّم لها كل صباح رسالة مدتها 30 ثانية تتضمن جدول أعمالها.

وأضافت أن الولايات المتحدة والصين والهند هي أبرز الدول المنتجة في سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي، ولكن كثيراً من الشركات التي توفر الأجهزة اللازمة للبنية التحتية المطلوبة تعمل في آسيا، مشيرة إلى تايلاند، الدولة المضيفة للاجتماعات السنوية لهذا العام.

تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف المخصصة للمبتدئين

وقال رئيس سنغافورة ثارمان شانموغاراتنام، الذي تحدث في الفعالية نفسها، إن على الحكومات معالجة مسألة تراجع فرص العمل للخريجين نتيجة الذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «هناك مشكلة محددة علينا معالجتها في وقت قريب جداً... وهي أن الطلب على أولى درجات السلم الوظيفي، أي الوظيفة الأولى التي يحصل عليها الخريج بعد التخرج، بدأ يتراجع».

وقال إنه ينبغي للعالم أيضاً الحيلولة دون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى «تباعد جديد» في معدلات النمو وخلق الوظائف بين الاقتصادات النامية والمتقدمة.

وأضاف: «سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى توسيع الفجوة إذا تعاملنا معه بسلبية مفرطة. لذلك، علينا بذل كل ما في وسعنا لاستخدام الذكاء الاصطناعي أولاً في إيجاد وظائف جيدة، وفي إنشاء وظائف يستطيع البشر أداءها بكفاءة، وتتيح لهم التقدم على السلم الوظيفي رغم وجود الذكاء الاصطناعي».

من جهته، قال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا الذي جعل توفير الوظائف محوراً أساسياً في رئاسته، للصحافيين، إنه غير مقتنع بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى القضاء على الوظائف المخصصة للمبتدئين، معتبراً أن جانباً كبيراً من الاضطرابات سيحدث في الاقتصادات المتقدمة التي تعمل على تطوير نماذج ضخمة للذكاء الاصطناعي.

وقال: «في الأسواق الناشئة، لا نعمل على تطوير نماذج لغوية كبيرة»، مضيفاً أن البنك الدولي يركِّز على الاستفادة من «الذكاء الاصطناعي الصغير»، الذي لا يتطلب قدرة حوسبة هائلة لتحقيق مكاسب في الإنتاجية لدى المزارعين والعيادات الصحية والمعلمين.