قال المخرج السويسري غريغور براندلي إن فكرة فيلمه الوثائقي «الفيلة والسناجب» (Elephants & Squirrels) وُلدت مصادفةً عام 2020، بعدما قرأ كتاب «Tropenliebe» للمؤرخ السويسري برنهارد سي شير، موضحاً أن الكتاب يتناول ما وصفه بالتشابك الاستعماري بين مدينة بازل السويسرية وسريلانكا.
وأضاف، في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أنه نشأ في بازل على رواية شائعة مفادها أن سويسرا لم تكن لديها مستعمرات، ومن ثم لم تكن جزءاً من التاريخ الاستعماري، لكنه بدأ يعيد النظر في هذه الفكرة بعدما اكتشف، من خلال الكتاب، تاريخاً أكثر تعقيداً لعلاقة بازل بسريلانكا.
وأكد براندلي أن خلفيته العائلية ساعدته على النظر إلى هذه القضية من زاوية مختلفة؛ إذ إن جدته برازيلية، وهو ما منحه، منذ البداية، منظوراً مغايراً إلى حد ما للرواية التي تلقّاها أثناء نشأته. وأشار إلى أن الكتاب لفت انتباهه إلى إعادة المؤرخ برنهارد شير بناء تاريخ بازل، وكشفه أوجه تشابك المدينة مع النظام الاستعماري، إلى جانب الممارسات التي أسهمت في نقل مقتنيات ثقافية ورفات بشرية من سريلانكا إليها.
ويروي فيلم «الفيلة والسناجب» قصة الفنانة السريلانكية دينيث بيومكشي فيدا أراتشيغي وزعيم مجتمع «وانيالا-آيتو»، أحد مجتمعات السكان الأصليين في سريلانكا، ومساعيهما لاستعادة رفات أجدادهما ومقتنيات ثقافية سريلانكية محفوظة في متاحف سويسرية. وتفتح هذه الرحلة ملف علاقة سويسرا بتاريخ الاستعمار، وتضع مؤسساتها أمام أسئلة تتعلق بمصدر هذه المجموعات والظروف التي خرجت فيها من سريلانكا. وعُرض الفيلم في مهرجانات عدّة، كان أحدثها «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا.

وذكر براندلي أن المؤرخ برنهارد شير كان حلقة الوصل التي قادته إلى الفنانة دينيث بيومكشي فيدا أراتشيغي، موضحاً أنه تواصل معه عام 2020، بعد قراءته الكتاب، وأن شير أخبره بضرورة التحدث إليها.
وأردف: «كانت الفنانة قد بدأت، منذ عام 2018، إجراء أبحاث في بازل، واكتشفت وجود مجموعة كبيرة من مقتنيات التراث الثقافي السريلانكي والرفات البشرية داخل المتاحف. ونقلت هذه المعلومات إلى مجتمع الأديفاسي في سريلانكا، ومن هناك بدأ حوار مفتوح حول القضية، تحوّل لاحقاً إلى مشروع سينمائي».
وأكد المخرج أن «الفيلم نشأ، منذ البداية، بطريقة تعاونية؛ فالعمل لم يكن قائماً على وصول المخرج إلى الشخصيات، ثم تحديد الطريقة التي ينبغي أن تروي بها قصصها، وإنما تطوّر عبر نقاشات طويلة بشأن ما يمكن تصويره وما يرغب أصحاب القضية في إظهاره».
ولفت إلى أن «هذه الطريقة جعلت المشروع أكثر تعقيداً، لكنها كانت، في الوقت نفسه، ضرورية بالنسبة إليه، حتى لا يفرض رؤيته الخاصة على قضية تخص مجتمعاً من السكان الأصليين».
وتحدث المخرج عن الصعوبات التي واجهها في إقناع المشاركين بالظهور أمام الكاميرا، خصوصاً في سويسرا، موضحاً أن «الفيلم يتناول عملية لا تزال جارية، أكثر مما يقدّم رواية مغلقة عن الماضي؛ الأمر الذي اضطر فريق العمل إلى إجراء كثير من المحادثات لإقناع بعض الأشخاص بالمشاركة في المشروع». وعدّ هذه المرحلة «جزءاً مهماً من صناعة الفيلم».
وكشف براندلي أن فريقه صوّر ما بين 60 و70 ساعة من المواد، وقال: «ربما لا تبدو هذه الكمية كبيرة مقارنة ببعض الأفلام الوثائقية الأخرى، لكنها كانت كافية لتوفير مجموعة واسعة من المشاهد والحوارات، التي احتاجت لاحقاً إلى تنظيم داخل غرفة المونتاج».

وأضاف أن «مرحلة المونتاج كانت من أكثر مراحل الفيلم صعوبة، واستغرقت نحو عام كامل»، موضحاً أن السبب يعود إلى طبيعة المشروع، التي لم تسمح باتباع أسلوب تقليدي في بناء الفيلم؛ إذ لم يكن الفريق يتعامل مع المشاركين بمنطق: «قل هذا» أو «افعل ذلك»، وإنما كان يطرح أسئلة مفتوحة بشأن ما يمكن تصويره، وما يرغب المشاركون في عرضه، وما يعدّونه مهماً لقضيتهم.
وتابع أن «المواد المصوَّرة كانت أشبه بأجزاء متناثرة من أحجية كبيرة، وكان على فريق المونتاج إيجاد الطريقة المناسبة لجمعها في فيلم واحد، مع توفير السياق التاريخي اللازم، وإظهار شخصيات ووجهات نظر لا تظهر عادة في الأفلام التي تتناول قضية الاسترداد». وأكد أن «الهدف كان تقديم أكبر عدد ممكن من الأصوات المختلفة المرتبطة بموضوع استرداد المقتنيات والرفات».
وقال إن الفريق حاول جمع الطبقات المختلفة للنقاش بشأن قضية الاسترداد بين سويسرا وسريلانكا، وترك المشاعر تنشأ بصورة طبيعية من الأحداث والشخصيات، من دون إخضاعها لمعالجة عاطفية إضافية.

وأوضح براندلي أن «الفيلم ظل مشروعاً مستمراً حتى بعد إنجاز نسخته النهائية»، مشيراً إلى أنه عاد، قبل فترة قصيرة، إلى قرية «دامبانا»، حيث صُوّر جزء كبير من مواد الفيلم. ولفت إلى أن الفريق لم يكتفِ بالتنقُّل بالفيلم بين مهرجان وآخر، وإنما كان يعرضه ويناقشه مع الجمهور والمجتمعات المختلفة، وهو ما أبقى المشروع مستمراً بالنسبة إليه حتى وقت قريب.
ويرى براندلي أن «التجربة لم تكن مجرد محاولة لصناعة فيلم عن قضية استرداد مقتنيات، وإنما كانت عملية طويلة لإعادة النظر في الطريقة التي تُروى بها علاقة سويسرا بالتاريخ الاستعماري؛ فمن خلال قصة المقتنيات والرفات السريلانكية، برزت أسئلة أوسع بشأن المتاحف والذاكرة والملكية».



