تدخل منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا مرحلة جديدة من التحول في قطاع الطاقة، مدفوعة بنمو متسارع في الطلب على الكهرباء، وتوسع استثمارات الطاقة المتجددة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، في وقت ينتقل فيه التحدي الرئيسي من توفير الموارد ورأس المال إلى القدرة على التنفيذ، وتطوير شبكات كهربائية ذكية تستطيع استيعاب قدرات التوليد الجديدة وتحويلها إلى إمدادات فعلية وموثوقة للمنازل والمصانع والقطاعات الاقتصادية.
ويرى وليد شتا، رئيس «شنايدر إلكتريك» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، أن المنطقة «تدخل عصر التحول للكهرباء بموارد وطموحات ورأس مال متنامٍ»، مؤكداً أن ما سيحدد قدرتها على تحقيق الريادة وصنع الفارق هو «النظم الذكية القادرة على التنفيذ وتحويل قدرات الإنتاج المتاحة إلى طاقة فعلية».
ويأتي هذا التحول بعد قرن لعبت خلاله منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا دوراً محورياً في إمداد العالم بموارد الطاقة الكامنة تحت أراضيها، في حين يتجه القرن المقبل، وفق شتا، نحو معادلة مختلفة لا تقوم فقط على حجم ما يمكن استخراجه من الموارد، وإنما على حجم ما يمكن تحويله إلى كهرباء، ومدى كفاءة وذكاء إدارة تلك الطاقة.
كما أن معدلات الاستهلاك تعكس حجم التحول الجاري، إذ تضاعف استهلاك الكهرباء في المنطقة ثلاث مرات منذ عام 2000، فيما تتوقع الوكالة الدولية للطاقة ارتفاع الطلب على الكهرباء في المنطقة بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2035، وهو ما يضع تطوير شبكات النقل والتوزيع ورفع كفاءتها في قلب خطط الطاقة خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تشهد المنطقة تقدماً في عدد من المشروعات الكبرى الرامية إلى تحديث الشبكات الكهربائية ورفع قدرتها على التعامل مع الطلب المتنامي. ففي مصر، ساندت «شنايدر إلكتريك» وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في تحديث الشبكة الوطنية من خلال المراكز الذكية للتحكم في التوزيع، المدعومة بمنصة «إيكو ستركشر غريد» (EcoStruxure Grid) لشبكات الطاقة، إلى جانب نظام إدارة التوزيع المتقدم، في خطوة تستهدف رفع كفاءة الشبكة وتعزيز قدرتها على إدارة تدفقات الكهرباء.
وامتد التعاون في مصر إلى المتحف المصري الكبير، حيث عملت الشركة على تحقيق مستويات جديدة من الكفاءة والاستدامة داخله، في نموذج يعكس اتساع نطاق استخدام تقنيات إدارة الطاقة من البنية التحتية الوطنية الكبرى إلى المنشآت والمرافق الحيوية.
غير أن توسع قدرات إنتاج الكهرباء عالمياً لا يعني بالضرورة إمكانية الاستفادة منها فوراً. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة، فإن أكثر من 2500 غيغاواط من مشروعات الطاقة المتجددة والأحمال الكبرى والتخزين لا تزال معلقة بانتظار الربط بالشبكات حول العالم، وهو ما يرتبط ليس بنقص التمويل، وإنما بالحاجة إلى تنفيذ وتطوير شبكات قادرة على استيعاب تلك القدرات.
وتظهر هذه الفجوة بصورة واضحة في عدد من أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث جرى تركيب قدرات توليد تفوق حجم الكهرباء التي تصل فعلياً وبشكل موثوق إلى المنازل والمصانع، نتيجة عدم مواكبة خطوط النقل ومحطات التحويل وأنظمة الحماية لوتيرة نمو قدرات التوليد.
وفي إحدى دول المنطقة، على سبيل المثال، تتم الاستفادة من نحو 18 غيغاواط فقط، رغم امتلاكها قدرات اسمية تبلغ 41 غيغاواط، في وقت قد تصل فيه نسبة الفاقد في عمليات النقل والتوزيع إلى ما بين 50 و60 في المائة، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين امتلاك قدرات إنتاج الكهرباء والقدرة الفعلية على إيصالها إلى المستهلك النهائي.
وتصف الوكالة الدولية للطاقة المرحلة الحالية بأنها «عصر الكهرباء»، مع توقعاتها بأن ينمو الطلب العالمي على الكهرباء خلال السنوات الخمس المقبلة بوتيرة أسرع بنحو 50 في المائة مقارنة بالعقد السابق. ويبرز في هذا السياق الدمج بين التحول الكهربائي والأتمتة والرقمنة، ضمن ما يمكن وصفه بـ«تكنولوجيا الطاقة»، باعتباره عاملاً أساسياً لتحويل النمو المتسارع في الطلب من عبء على الاقتصادات والبنية التحتية إلى ميزة تنافسية.
وتبدو هذه المعادلة أكثر وضوحاً في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تجمع في الوقت ذاته بين أسواق لا تزال تعاني نقصاً في الوصول إلى الكهرباء، وأخرى تبني بعضاً من أكثر البنى التحتية الرقمية تقدماً في العالم.
ففي أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء، لا يزال مئات الملايين من السكان ينتظرون الحصول على أول اتصال موثوق بالشبكة الكهربائية، في حين تنهض، على بُعد بضعة آلاف من الكيلومترات في منطقة الخليج، بنية تحتية رقمية متقدمة تستعد لاستيعاب توسع كبير في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويجسّد السباق العالمي نحو بناء مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي حجم هذا التباين. فوفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة ورابطة مراكز البيانات الأفريقية، تستحوذ أفريقيا على أقل من واحد في المائة من القدرة العالمية لمراكز البيانات، رغم كونها من أسرع الأسواق الرقمية نمواً على مستوى العالم.
ولا يرتبط العائق في هذه الحالة بضعف الطلب على البنية التحتية الرقمية، وإنما بمدى توافر الطاقة وموثوقية إمداداتها، في ظل احتياجات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي إلى كميات ضخمة ومستقرة من الكهرباء على مدار الساعة.
وعلى الجانب الآخر، أسهمت البنية التحتية المتقدمة والمستقرة للطاقة في دول الخليج، إلى جانب السياسات الحكومية الداعمة وتوافر التمويل الموثوق، في تمكين اقتصادات المنطقة من استقطاب استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، باتت تُقاس بالغيغاواط من قدرات الطاقة المخطط لها.
ولفت رئيس «شنايدر إلكتريك» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا إلى أن هذه التطورات تكرس حقيقة أساسية مفادها أن الاستثمار يتبع توافر الطاقة وليس العكس، مشيراً إلى أن مختلف مكونات المنطقة يمكن أن تتكامل في الاستفادة من هذا التحول.
وفي قطاع النفط والغاز، تتجه التقنيات الجديدة إلى رفع مستويات الأتمتة وكفاءة استهلاك الطاقة. وكانت «شنايدر إلكتريك» قد أعلنت، خلال معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول (أديبك) العام الماضي، تعاونها مع «أدنوك» في أبوظبي لتطبيق أنظمة إنتاج أكثر ذكاءً واكتفاءً ذاتياً في قطاع النفط والغاز، بهدف تطوير نماذج تصنيع مؤتمتة بالكامل وقائمة على البيانات، بما يقلل الحاجة إلى التدخل البشري ويرفع الكفاءة الإجمالية للعمليات.
وفي شمال أفريقيا وتركيا، تتحول الطاقة النظيفة بصورة متسارعة إلى أحد مفاتيح الوصول إلى أسواق التصدير ذات القيمة المرتفعة، مع تحول كثافة الانبعاثات الكربونية في قطاعات صناعية رئيسية، من بينها الصلب والإسمنت والأسمدة والألمنيوم، إلى أحد المعايير المؤثرة في القدرة التنافسية للمنتجات في الأسواق العالمية.
أما في أفريقيا جنوب الصحراء، فيرتبط تحقيق قيمة اقتصادية أكبر من الموارد الطبيعية بقدرة المنطقة على توسيع استخدام الكهرباء في المناجم ومرافق المعالجة، بما يسمح بإضافة قيمة محلية إلى الموارد بدلاً من الاكتفاء بتصديرها في صورة مواد خام.
وفي الخليج، تبرز معادلة اقتصادية مختلفة، إذ يتيح الاعتماد بصورة أكبر على الطاقة الشمسية والنووية، إلى جانب رفع كفاءة الاستهلاك عبر الأنظمة الذكية، تلبية جانب أكبر من الطلب المحلي على الكهرباء من مصادر بديلة، بما يوفر إمكانات لاستخدام النفط الخام في مجالات أخرى ذات قيمة اقتصادية أعلى.
وتكتسب هذه التحولات أهمية أكبر اليوم، إذ تصبح أنظمة الكهرباء الذكية أداة ليس فقط لخفض الانبعاثات، وإنما أيضاً لتعزيز موثوقية الإمدادات ومرونة الاقتصادات.
وفي هذا السياق، تتحول القدرة على تلبية الأحمال الكهربائية والموازنة بين التوليد وإمدادات الشبكة في مختلف الظروف إلى معيار رئيسي لقياس مرونة أنظمة الطاقة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى شبكات قادرة على إدارة مصادر متعددة ومتغيرة للطاقة والتعامل مع أحمال جديدة ناجمة عن توسع الصناعات ومراكز البيانات والنقل الكهربائي.
ومن المقرر أن تكون هذه التحولات في صلب نقاشات قادة قطاع الطاقة والتكنولوجيا في المنطقة خلال «قمة الابتكار للشرق الأوسط وأفريقيا»، التي تستضيفها أبوظبي في سبتمبر (أيلول) المقبل، والتي يُتوقع أن تشكّل محطة لمناقشة سبل تسريع تنفيذ التحول الكهربائي في المنطقة، وتوسيع نطاق الأتمتة، ودمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة والبنى التحتية التي تدعم اقتصادات الشرق الأوسط وأفريقيا.
ويؤكد شتا أن عصر التحول الكهربائي في الشرق الأوسط وأفريقيا قد بدأ بالفعل، في ظل توافر الموارد والطموحات وتدفقات رأس المال، إلا أن امتلاك هذه المقومات لن يكون وحده كافياً لحسم موقع الدول والاقتصادات في خريطة الطاقة الجديدة.
وبحسب رئيس «شنايدر إلكتريك» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، فإن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة سيكون القدرة على التنفيذ بكفاءة، وتحويل قدرات الإنتاج والاستثمارات المتاحة إلى كهرباء فعلية وموثوقة، وبناء أنظمة ذكية تستطيع إدارة الطاقة وتوجيهها إلى القطاعات التي تحتاج إليها، وهو ما سيحدد، في نهاية المطاف، من سيتصدر مشهد «عصر الكهرباء» الجديد.






