شراكة تتجاوز النفط… باريس تعمِّق استثماراتها في المشاريع السعودية الكبرى

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الاتفاقيات الجديدة تُدخل الشركات الفرنسية إلى عمق سلاسل القيمة بالمملكة

صورة جماعية للمشاركين في اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي - السعودي للاستثمار (واس)
صورة جماعية للمشاركين في اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي - السعودي للاستثمار (واس)
TT

شراكة تتجاوز النفط… باريس تعمِّق استثماراتها في المشاريع السعودية الكبرى

صورة جماعية للمشاركين في اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي - السعودي للاستثمار (واس)
صورة جماعية للمشاركين في اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي - السعودي للاستثمار (واس)

شهدت الشراكة السعودية - الفرنسية محطة مفصلية جديدة تتجاوز التعاون التقليدي في قطاع الطاقة والنفط، لتنتقل نحو الشراكة الاستراتيجية الشاملة في تنفيذ مشاريع التنمية الكبرى. وعلى هامش زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس، وقّع البلدان أكثر من 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم مدعومة بخطوط ائتمانية وتسهيلات تمويلية بمليارات الدولارات. وتستهدف هذه الخطوة تعميق الاستثمارات الفرنسية في سلاسل القيمة للمشاريع السعودية، ودعم مستهدفات «رؤية 2030» في مجالات البنية التحتية، والطيران، والصحة، والذكاء الاصطناعي، والترفيه.

وتعكس الاتفاقيات والتفاهمات الجديدة الـ21 توجهاً فرنسياً لتعزيز حضور شركاتها في دورة المشاريع السعودية، مستفيدةً من أدوات تمويلية وضمانات ائتمانية تفتح أمامها فرصاً أوسع للمشاركة في مستهدفات «رؤية 2030».

ولا تقتصر الاتفاقيات على بيع منتجات، بل تشمل البنية التحتية، والنقل، والصحة، والكهرباء، والطيران، والسياحة، والترفيه، والبحث والتطوير. أي إن الشركات الفرنسية تستهدف المشاركة في سلسلة القيمة للمشروعات السعودية وليس مجرد التوريد.

اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي - السعودي للاستثمار بحضور الأمير محمد بن سلمان وإيمانويل ماكرون (واس)

جودة المشاريع

واللافت في الأمر أن باريس تبحث من خلال الاتفاقيات الجديدة عن أدوات تدعم شركاتها في تنفيذ المشاريع السعودية بجودة عالية مع خط ائتماني بقيمة 5 مليارات دولار لتمويل العقود التي تنفذها تلك الشركات، وتسهيل ما يصل إلى 3 مليارات دولار لدعم مشروعات الكهرباء، مما يؤكد هذا التوجه.

وفي هذا الإطار، وقَّعت وزارة المالية السعودية بياناً مشتركاً مع «بي بي آي فرنس لضمان الصادرات» لاستكمال الترتيبات التشغيلية لإنشاء خط ائتماني، لتمويل وإعادة تمويل العقود القائمة والمستقبلية التي تنفّذها الشركات الفرنسية في المملكة، خصوصاً في البنية التحتية والتنمية العمرانية والنقل والرعاية الصحية.

كما وقّع صندوق التنمية الوطني السعودية مذكرة تفاهم مع بنك الاستثمار الوطني الفرنسي «بي بي آي فرنس» لبحث فرص التمويل والاستثمار المشترك وتبادل الخبرات في التمويل التنموي وتطوير القدرات المؤسسية والبشرية.

وأيضاً أبرمت «الشركة السعودية للطاقة» اتفاقية تعاون مع «بي بي آي فرنس» لتمويل مشروعات تطوير وتوسعة شبكة الكهرباء وتوفير حلول تمويلية للمشتريات والمشروعات التي تنفذها الشركة.

تكنولوجيا الطاقة

وتمثل اتفاقيات شراء «أرامكو السعودية» بقيمة 3.7 مليار دولار، خطوة فرنسية مهمة للتعمق في قطاع الطاقة خصوصاً الحفر والأنابيب؛ مع التركيز على الذكاء الاصطناعي في هذه المنظومة بالتعاون بين «أرامكو الرقمية» و«داسو سيستمز»، لأنه يعكس توجهاً نحو استخدام التكنولوجيا لرفع الكفاءة والإنتاجية، وليس مجرد الاستثمار في شركات تقنية.

وفي قطاع الطيران، يلفت الانتباه إبرام بنك التصدير والاستيراد السعودي مذكرة تفاهم ثلاثية مع «مجموعة السعودية» و«كريدي أغريكول» لترتيب حلول تمويلية لاستحواذ المجموعة على طائرات جديدة من «إيرباص»، لتكشف عن توظيف التمويل الفرنسي والدعم الائتماني السعودي لتمكين توسع الناقل الوطني.

ومع تطورات السياحة والترفيه والثقافة في السعودية، وضعت باريس بصمتها على هذا القطاع بتوقيع «القدية للاستثمار» مذكرة تفاهم مع الحكومة الفرنسية لاستكشاف تطوير وجهة متعددة الاستخدامات ترتكز على الترفيه في فرنسا، بقيمة محتملة للمشروع تبلغ نحو 6 مليارات يورو على مدى فترة تطويره، إلى جانب تمديد الشراكة بشأن محافظة العلا حتى عام 2030، في إطار يشمل التعاون في الآثار والتراث والثقافة.

البحث والتطوير

وشملت الاتفاقيات مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الصحي بين السعودية وفرنسا في مجالات الصحة العامة، والأمن الصحي، وحوكمة الأنظمة الصحية، وجودة الرعاية، والصحة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبحث والتطوير والابتكار، والتجارب السريرية، والصناعات الدوائية.

كما وقّع «المعهد الوطني لأبحاث الصحة» مذكرة تفاهم مع شركة «سانوفي» الفرنسية لدعم البحث والتطوير والابتكار والبحوث السريرية وتطوير الحلول العلاجية الواعدة.

جانب آخر من اجتماع الطاولة المستديرة في فرنسا بحضور المسؤولين لدى البلدين (الشرق الأوسط)

العوائد الاستثمارية

وفي هذا الإطار، قال عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي، فضل بن سعد البوعينين لـ«الشرق الأوسط»، إن زيارة ولي العهد إلى فرنسا جاءت في وقت مهم تشهد فيه المنطقة تحديات جيوسياسية، ويتعرض فيه العالم لمتغيرات اقتصادية مؤثرة مرتبطة بأمن الطاقة وتعثر الإمدادات.

وبيّن أنه من اللافت أن تركز الزيارة على تعزيز الشراكة الاقتصادية وفق رؤية استراتيجية واضحة، وبما يتوافق مع مصالح المملكة، يظهر ذلك من خلال الاتفاقيات الموقَّعة.

وأكد البوعينين أن التفاهمات الجديدة تعكس في الوقت عينه اهتماماً فرنسياً لتعزيز الشراكة على أسس استثمارية مستدامة ومدعومة بخطوط ائتمان لتمويل الصادرات وتمويل الشركات الحاصلة على مشروعات داخل المملكة، وبما يحقق مصلحة المملكة في تعزيز التنمية وتنفيذ المشروعات وتحقيق مستهدفات الرؤية ويحقق في الوقت نفسه العوائد الاستثمارية للشركات الفرنسية.

واستطرد: «فالاتفاقيات لم تعد مرتبطة على بيع المنتجات أو النفط، بل أصبحت أكثر ارتباطاً بالتنمية الاقتصادية والبنية التحتية، والسياحة والترفيه والذكاء الاصطناعي والبحث وغيرها من القطاعات المهمة، وبما يحقق قيمة مضافة للمشروعات وتعزيز المحتوى المحلي».

وأردف: «من المهم الإشارة إلى الاتفاقيتين المرتبطتين بتنمية العُلا، ومشروعات القدية، وانعكاساتها على قطاعات الثقافة والسياحة والترفيه، وهي من أهم القطاعات المستهدفة برفع مساهمتها في الناتج المحلي». وأكمل البوعينين أن المملكة لم تعد هي الباحثة عن الشراكات الاقتصادية، بل أصبحت دول العالم أكثر حرصاً على عقدها وتلبية متطلبات تلك الشراكة، ويؤكد ذلك حرص فرنسا على دعم شراكتها مع الرياض من خلال اتفاقيات نوعية تسهم بشكل مباشر في تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» التي تتمحور حولها جميع الاتفاقيات الاقتصادية.

تنوع المشاريع

من جهته، أوضح المستشار وأستاذ القانون التجاري، الدكتور أسامة بن غانم العبيدي لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاقيات المبرمة بين السعودية وفرنسا تعكس الأهمية الكبرى للعلاقات بين البلدين، إذ تعد باريس رابع أكبر مستثمر في المملكة عبر الوجود الكبير لشركاتها في السوق المحلية.

وأبان أن أكثر من 650 شركة فرنسية تعمل في المملكة وتتنوع الاستثمارات في قطاعات متنوعة منها النقل والخدمات اللوجستية، والطاقة، والاتصالات، والصناعة، والرعاية الصحية، والتقنية، والتعدين، والطيران والفضاء، والثقافة والترفيه، والبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، وغيرها، من القطاعات ذات المردود الاقتصادي المرتفع.

وأضاف الدكتور العبيدي أن هذه الاتفاقيات تهدف إلى تدعيم العلاقات الاستراتيجية بين المملكة وفرنسا كما ستؤدي إلى تحويل الشراكة بين البلدين إلى إنجاز مشروعات أكثر استدامة وتنوعاً في عدة مجالات.


مقالات ذات صلة

الرياض تستضيف المؤتمر والمعرض الدولي لإدارة المرافق

الاقتصاد جانب من الحضور في النسخة الماضية من المؤتمر والمعرض الدولي لإدارة المرافق (جمعية إدارة المرافق السعودية)

الرياض تستضيف المؤتمر والمعرض الدولي لإدارة المرافق

تستضيف مدينة الرياض، الأحد المقبل، أعمال النسخة الثالثة من المؤتمر والمعرض الدولي لإدارة المرافق (SFMA EXPO 2026).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

خاص «ستيت ستريت»: السعودية تملك فرصة فريدة لبناء بنية مالية رقمية حديثة

في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، يرى رئيس الحلول الرقمية العالمية في «ستيت ستريت» أن الأصول الرقمية تعيد تصميم آليات العمل في الأسواق المالية.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

موانئ السعودية تتعامل مع أكثر من 341 مليون طن من الشحن خلال 2025

تجاوز إجمالي كميات الشحن الصادرة والواردة عبر موانئ السعودية 341 مليون طن خلال عام 2025، مع ارتفاع كل من الصادرات والواردات مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد مصانع «نادك» (المركز الإعلامي للشركة)

«نادك» تستكمل متطلبات تملك «الراعي الوطنية للمواشي» بالكامل

أعلنت الشركة الوطنية للتنمية الزراعية «نادك» استكمال الشروط والمتطلبات المرتبطة بإعادة هيكلة ملكية «الراعي الوطنية للمواشي»، تمهيداً لانتقال كامل ملكيتها إليها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا أطلقت الشركة منصة ذاتية تتيح للشركات والوكالات إدارة الحملات الإعلانية مباشرة داخل «ChatGPT» (رويترز)

«أوبن إيه آي» توسع إعلانات «ChatGPT» إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

توسع «أوبن إيه آي» إعلانات «ChatGPT» إلى المنطقة مع منصة ذاتية للمعلنين وفصل واضح بين المحتوى المدفوع وإجابات النموذج.

نسيم رمضان (لندن)

أوروبا تطلب من الصين كبح صادرات السيارات الهجينة

آلاف السيارات المعدة للتصدير في ميناء شنغهاي الصيني (أ.ب)
آلاف السيارات المعدة للتصدير في ميناء شنغهاي الصيني (أ.ب)
TT

أوروبا تطلب من الصين كبح صادرات السيارات الهجينة

آلاف السيارات المعدة للتصدير في ميناء شنغهاي الصيني (أ.ب)
آلاف السيارات المعدة للتصدير في ميناء شنغهاي الصيني (أ.ب)

طلب الاتحاد الأوروبي من الصين فرض قيود طوعية على صادرات السيارات الهجينة إلى السوق الأوروبية، في محاولة لتجنب تصعيد الخلافات التجارية بين الجانبين، وسط قلق متزايد في بروكسل من اتساع العجز التجاري وتأثير تدفق المنتجات الصينية على الصناعة الأوروبية.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز»، الخميس، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن بروكسل تريد من بكين الحد من مبيعات السيارات الهجينة الصينية عند نحو 15 في المائة من سوق الاتحاد الأوروبي.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أوروبي قوله إنه في حال عدم تقييد الصين صادراتها، فإن الاتحاد الأوروبي مستعد للتحرك، مشيراً إلى أن الهدف هو وقف تراجع النشاط الصناعي وإدارة التدفقات التجارية.

ولم يرد الاتحاد الأوروبي فوراً على طلب من «رويترز» للتعليق، كما لم تتمكن الوكالة من التحقق بشكل مستقل من التقرير.

ولا تقتصر مطالب بروكسل على قطاع السيارات، إذ أفادت الصحيفة بأن الاتحاد الأوروبي طلب من الصين أيضاً الحد من صادرات منتجات أخرى، من بينها المواد الكيميائية، بالتوازي مع دعوات إلى زيادة مشتريات بكين من السلع الأوروبية.

وتأتي التحركات بعد يوم من إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتحاد سيستخدم الأدوات المتاحة لمعالجة ما وصفته بالعجز التجاري «غير المستدام» مع الصين.

وبلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الصين 360.6 مليار يورو (413.4 مليار دولار) العام الماضي، قبل أن يتسع بنسبة 9 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي.

وقالت فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي إن العجز وصل إلى نقطة تحول، معتبرة أن أوروبا تواجه موجة جديدة من الضغوط الصناعية نتيجة تدفق المنتجات الصينية.

ويتولى مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش المحادثات مع بكين لمعالجة الاختلال التجاري، وقال إنه يريد تحقيق نتائج ملموسة بحلول أكتوبر (تشرين الأول)، فيما يتوقع أن يزور الصين بحلول أوائل الشهر المقبل.

ويقول الاتحاد الأوروبي إن الزيادة في صادرات الصين من السيارات والبطاريات والمواد الكيميائية وغيرها من المنتجات تعكس فائضاً في القدرات الإنتاجية، وهو ما يضغط على الشركات الصناعية الأوروبية.

وترفض بكين هذه الانتقادات، وتعتبر أن المخاوف الأوروبية بشأن الاختلالات الاقتصادية وفائض الطاقة الإنتاجية تحمل طابعاً حمائياً وتهدف إلى تقييد النمو الصناعي الصيني.

وتضع المطالب الجديدة السيارات الهجينة في قلب المفاوضات التجارية بين الجانبين، بعدما أصبحت صناعة السيارات أحد أبرز ملفات الخلاف. وسيعتمد مسار النزاع على ما إذا كانت بكين مستعدة لقبول قيود طوعية، أو ما إذا كانت بروكسل ستتجه إلى إجراءات تجارية إضافية لحماية صناعاتها المحلية.


انخفاض عوائد السندات والجنيه الإسترليني بعد تعليق بنك إنجلترا مبيعاته

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
TT

انخفاض عوائد السندات والجنيه الإسترليني بعد تعليق بنك إنجلترا مبيعاته

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

انخفضت عوائد السندات الحكومية البريطانية والجنيه الاسترليني قليلاً يوم الخميس، بعدما أبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه أعلن تعليق مبيعات السندات، في إطار برنامج التشديد الكمي، لمدة 6 أشهر.

وأضاف البنك المركزي أنه سيوقف تماماً مبيعات السندات الحكومية طويلة الأجل.

وتراجع عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات بمقدار 6 نقاط أساس إلى 5.243 في المائة، وهو أدنى مستوى له في أسبوع، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السندات، وفق «رويترز».

كما انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.1 في المائة مقابل الدولار إلى 1.3364 دولار، مسجلاً أدنى مستوى له في 7 أسابيع.

وفي الوقت نفسه، واصل مؤشر «فوتسي 100» مكاسبه، مرتفعاً في أحدث تعاملات بنسبة 0.6 في المائة إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع.


تأخر أوروبا في تخزين الغاز يفاقم ضغوط الطاقة والاستياء الشعبي

حارس أمن يقف أمام منشأة وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في لوبمين بألمانيا (رويترز)
حارس أمن يقف أمام منشأة وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في لوبمين بألمانيا (رويترز)
TT

تأخر أوروبا في تخزين الغاز يفاقم ضغوط الطاقة والاستياء الشعبي

حارس أمن يقف أمام منشأة وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في لوبمين بألمانيا (رويترز)
حارس أمن يقف أمام منشأة وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في لوبمين بألمانيا (رويترز)

أدى تأخر أوروبا في إعادة ملء مخزونات الغاز الطبيعي، إلى جانب اقتراب أسعار الديزل وغيرها من المنتجات النفطية المكررة من مستويات قياسية، إلى زيادة الضغوط على الحكومات في وقت تحاول فيه احتواء الاستياء الشعبي وصعود اليمين المتطرف.

وتتفاقم المشكلة في ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، حيث فاز حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) في انتخابات إحدى الولايات الأسبوع الماضي، على أساس برنامج يطالب بالسلام مع موسكو وإعادة العمل بالعقود الخاصة بالغاز الروسي الرخيص.

ومن شأن تحقيق حزب «البديل من أجل ألمانيا» مكاسب إضافية في انتخابات الولايات المقررة هذا الأسبوع أن يزيد الضغوط على المستشار المحافظ فريدريش ميرتس، في حين يدرس خياراته لاتخاذ إجراءات مكلفة لخفض أسعار الوقود، وفق «رويترز».

وتبلغ نسبة امتلاء مخزونات الغاز في أوروبا، التي يفترض أن تكون بمثابة حاجز في مواجهة صدمات الإمدادات والأسعار خلال أشهر الشتاء التي تشهد ذروة الطلب، 69 في المائة، أي أقل من متوسط 85 في المائة المسجل في هذا الوقت من العام خلال السنوات الخمس الماضية، وفقاً لهيئة «غاز إنفراستركشر يوروب» المعنية بالقطاع.

وتُعدُّ ألمانيا وهولندا، اللتان تمتلكان معاً 35 في المائة من سعة التخزين في الاتحاد الأوروبي، من بين الدول الأكثر تأخراً في إعادة ملء المخزونات؛ إذ أدت أسعار الطاقة المرتفعة الناجمة عن اضطرابات مرتبطة بالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى عزوف الشركات الخاصة عن الشراء، وإحجام الحكومات عن فرض أهداف التخزين الوطنية.

وقال محللون إن التقديرات كانت تشير إلى أن الحرب على إيران، التي بدأت في نهاية فبراير (شباط)، ستنتهي سريعاً، وأن الأسعار ستتراجع؛ ما يتيح للشركات إعادة ملء مخزونات أهم مصدر للوقود في أوروبا بأسعار معقولة.

لكن هذه الرهان يبدو مهتزاً بصورة متزايدة.

وقال جوناثان شرور، الخبير الاستراتيجي في «يوني كريديت»: «كل شهر تؤخر فيه أوروبا إعادة ملء المخزونات يزيد الضغوط على الأسعار مع اقتراب ذروة الاستهلاك في الشتاء».

وبالمقارنة مع صدمة أسعار الطاقة التي حدثت في الفترة التي بدأت فيها روسيا غزو أوكرانيا عام 2022؛ ما دفع أوروبا إلى الاستغناء تدريجياً عن الغاز الروسي وتطبيق سياسات تستهدف تخزين الغاز استعداداً لذروة الطلب على التدفئة في الشتاء، فإن الوضع الاقتصادي الحالي أقل حدة من بعض النواحي.

فقد نوعت الدول مصادر الطاقة لديها، كما أدى ضعف سوق العمل إلى الحد من قدرة العمال على المطالبة بزيادات في الأجور؛ ما ساعد على كبح التضخم.

ومع ذلك، لا تزال الحكومات تأمل في شتاء معتدل، في حين رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، وحذَّر صانعو السياسات من أنه قد يضطر إلى رفعها مجدداً إذا لم تتراجع ضغوط أسعار الطاقة.

ومع ارتفاع أسعار النفط العالمية فوق 100 دولار للبرميل رداً على تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار البنزين في أنحاء الاتحاد الأوروبي بنسبة 24 في المائة مقارنة بالعام السابق، في حين زادت أسعار الديزل بنسبة 38 في المائة، ويرجع ذلك جزئياً إلى الهجمات التي استهدفت البنية التحتية للطاقة في روسيا من جانب أوكرانيا. كما ارتفعت تكاليف وقود الطائرات بأكثر من 100 في المائة.

ويجري تداول السعر القياسي للغاز عند 81 يورو (93 دولاراً) لكل ميغاواط/ساعة، بزيادة 150 في المائة عن مستواه قبل عام، وبما يتجاوز توقعات «السيناريو المعاكس» للبنك المركزي الأوروبي، مع ميل المخاطر نحو مستويات أعلى.

وتوقع بنك «مورغان ستانلي» أن يصل السعر إلى 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة، اعتماداً على الظروف الجوية. وقال محللوه: «الاعتماد على الطقس لضمان أمن الإمدادات رهان محفوف بالمخاطر».

وقال محللون آخرون إن الخطر يتمثل في استمرار انخفاض مستويات التخزين وبقاء الأسعار مرتفعة.

وقال جاك شاربلز من معهد «أكسفورد لدراسات الطاقة»: «أستطيع أن أرى، حتى في شتاء بارد عادي، وليس شتاءً شديد البرودة بشكل استثنائي، أن المخزونات قد تستنزف بشدة».

وقد تؤدي الحاجة اللاحقة إلى إعادة ملء المخزونات في عام 2027 من خلال الواردات إلى زيادة الضغوط على أسواق الغاز الطبيعي المسال لأشهر عدة بعد ذلك.

صدمات الغاز قد تكون شديدة الاستمرار

وسيكون هذا السيناريو سيئاً بشكل خاص للاقتصاد.

فقد أظهر بحث أجراه «بنك إيطاليا» ونُشر في يونيو (حزيران) أن صدمات أسعار النفط تميل إلى التسبب في تضخم قصير الأجل، في حين تولد صدمات أسعار الغاز آثاراً أقوى وأكثر استدامة بكثير، وتمتد إلى التضخم الأساسي الذي يراقبه البنك المركزي الأوروبي من كثب.

ولهذا السبب؛ يعتقد المستثمرون الماليون أن البنك المركزي الأوروبي سيضطر إلى رفع أسعار الفائدة ثلاث أو أربع مرات أخرى إلى مستوى يقيد النمو الاقتصادي بشكل ملموس، من خلال زيادة تكاليف الاقتراض بما يحدّ من إنفاق المستهلكين ويثبط الاستثمار.

وقال بيتر كازيمير، صانع السياسات في البنك المركزي الأوروبي: «ينصبّ اهتمامي الآن بدرجة أقل على أسعار النفط والوقود، وبشكل متزايد على أسعار الغاز والكهرباء».

وقال اقتصاديون إن القطاعات الأكثر عرضة للتضرر من المرجح أن تكون شركات الطيران والكيماويات والسيارات ومواد البناء، في حين يمكن لشركات الطاقة والمرافق والبنوك أن تكون من بين المستفيدين، حتى وإن كانت أسعار الفائدة المرتفعة تميل إلى التأثير سلباً على نمو الإقراض.

ومع تزايد الضغوط على الحكومات للحد من تكلفة الطاقة، تبدو ألمانيا معرّضة بشكل خاص للخطر بسبب حجم صناعاتها كثيفة استهلاك الطاقة.

وتواجه دول أخرى مخاطر أيضاً؛ إذ تحدّ أوضاع ماليتها العامة الضعيفة من قدرتها على التحرك.

وقال الائتلاف الحاكم المحافظ في إيطاليا، الذي يتخلف عن منافسيه في استطلاعات الرأي، هذا الأسبوع إنه سيلغي ضريبة الطرق المفروضة على 14.5 مليون سيارة ودراجة نارية ابتداءً من العام المقبل، بتكلفة تزيد على ملياري يورو، إضافة إلى خفض الضريبة الانتقائية على الديزل، الذي كلف بالفعل 2.8 مليار يورو.

وقد تهدئ هذه الإجراءات الاستياء الشعبي الفوري، لكنها ستؤدي على المدى الأطول إلى زيادة ديون إيطاليا وغيرها من الحكومات.

وقال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور للصحافيين، الثلاثاء: «الإجراءات الشاملة التي تشمل الجميع، بمن في ذلك من لا يحتاجون إليها، تمثل اقتصاداً زائفاً. لماذا؟ لأننا سنضطر في نهاية المطاف إلى تمويلها».