أعلنت «يوتيوب» عن تعديل في طريقة احتساب مشاهدات الفيديوهات، من شأنه التأثير على أساليب القياس المعتمدة حالياً، ما أحدث «ارتباكاً» للمعلنين والمؤثرين.
وبحسب بيان رسمي للمنصة أخيراً، فإنه اعتباراً من 24 أغسطس (آب) الحالي سيصار إلى توحيد جميع أنظمة احتساب المشاهدات على «يوتيوب» لتتماشى مع المنهجية المعتمدة في مقاطع «شورتس»، بحيث تُحتسب المشاهدة الواحدة بمجرد بدء تشغيل الفيديو أياً كان قالبه، أكان فيديو طويلاً، أم بثاً مباشراً، أم فيديو قصيراً.
وأوضحت المنصة أنها «اعتمدت تاريخياً على أنظمة متعددة لاحتساب المشاهدات بحسب نوع المحتوى... وأن صُناع المحتوى أعربوا عن رغبتهم في التخلص من هذا الالتباس بشأن قياس المشاهدات، والحصول على فهم أدق لحجم انتشار أعمالهم الفعلي، وهو ما دفع المنصة لإجراء هذا التعديل».
وفق الطريقة المتّبعة حالياً، تُحتسب مشاهدة فيديو «يوتيوب» العادي حين يضغط المشاهد على زر التشغيل ويستمر في المشاهدة 30 ثانية على الأقل، وينطبق الأمر ذاته على البث المباشر، بينما تُحتسب مشاهدة مقاطع «شورتس» بمجرّد ظهورها على الشاشة وبدء تشغيلها تلقائياً.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التغيير إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد المشاهدات المعلنة مع بقاء مقياس «المشاهدات الفعلية» أساساً معتمداً لعمليات تحقيق الدخل. لكن «يوتيوب» أشارت إلى أن التعديل «لن يؤثر على أرباح صُناع المحتوى، ولا على شروط مدى مطابقتهم لبرنامج الشركاء».
محمد مالك، رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بدولة الإمارات، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً، إنه يجب أولاً التفريق بين زيادة رقم المشاهدات الظاهر للجمهور وتحسن أداء المحتوى فعلياً داخل خوارزمية «يوتيوب».
وأردف أن «احتساب المشاهدة بمجرد بدء تشغيل الفيديو سيؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأرقام المعلنة؛ لكنه لا يعني بالضرورة أن الجمهور شاهد المحتوى أو تفاعل معه أو قضى وقتاً أطول في متابعته». وتابع أن «التغيير لا يمنح صانع المحتوى تلقائياً أفضلية خوارزمية؛ إذ تظل القيمة الحقيقية مرتبطة بمؤشرات أعمق كمدة المشاهدة والاحتفاظ بالجمهور». ويرى أن «يوتيوب» تنتقل هنا من مفهوم المشاهدة إلى مفهوم الوصول أو بدء التشغيل في الرقم الظاهر للعامة.
ووفق مالك، فإن «الخطر لا يكمن في فقدان الثقة بـ(يوتيوب)، بل في تراجع القيمة التفسيرية لرقم المشاهدات منفرداً؛ لأن القول إن فيديو حقق مليون مشاهدة لن يكون كافياً للحكم على نجاحه ما لم نعرف أيضاً كم استمر الجمهور في المشاهدة، وما نسبة الاحتفاظ، وما حجم التفاعل».
وبشأن تأثير القرار على تسعير صفقات الرعاية، يرى مالك أن «التأثير الأكبر سيكون في اقتصاد المؤثرين أكثر من إعلانات (يوتيوب) التقليدية، فالعلامة التجارية التي تدفع لمؤثر استناداً إلى عدد المشاهدات فقط قد تجد نفسها أمام أرقام أعلى، لا تعكس بالضرورة زيادة حقيقية في حجم الانتباه».
من ناحية ثانية، توقع مالك أن تتجه العلامات التجارية نحو حزمة أوسع من المؤشرات تشمل «المشاهدات المتفاعلة، ومتوسط مدة المشاهدة، ونسبة الاحتفاظ بالجمهور، ومعدل التفاعل، والنقرات، والتحويلات»، وأضاف أن العقود المرتبطة بعدد محدد من المشاهدات ستحتاج إلى إعادة تعريف المقصود بالمشاهدة تعاقدياً، وأن «سوق الإعلان عبر المؤثرين ستتجه نحو قدر أكبر من النضج؛ إذ ستنتقل القيمة تدريجياً من سؤال: كم شخصاً شغّل الفيديو؟ إلى: كم شخصاً انتبه للمحتوى وتأثر به؟».
من جهته، لا يرى الباحث المصري محمد عاطف، المتخصص في الإعلام الرقمي، أن قرار «يوتيوب» يحمل «شبهة تضليل متعمد»؛ لأن المنصة أعلنت بوضوح أنها غيَّرت تعريف المشاهدة، وستظل توفر مقاييس أخرى مثل قياس المشاهدة الأكثر جدية.
إلا أن الباحث المصري تطرّق في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى مشكلة حقيقية في دلالة الرقم، وهي أن كلمة «مشاهدة» لم تعد بالضرورة تعبر عن اهتمام فعلي بالمحتوى، بل أصبحت أقرب إلى قياس التعرّض للمحتوى أو بدء تشغيله. ولذا يحذر من مقارنة أرقام تحققت بعد التعديل بأخرى سابقة.
أما حول استفادة المؤسسات وصُناع المحتوى فيوضح عاطف أن «هناك استفادة حقيقية من القرار؛ لأن الرقم الجديد يعطي صورة أوضح عن حجم توزيع المحتوى ووصوله الأولي»، ويشير إلى إمكانية الفصل بين مرحلتي وصول المحتوى للجمهور ونجاحه في الاحتفاظ به.
ثم يلفت إلى أن «يوتيوب» طبقت هذه المنهجية على «شورتس» منذ مارس (آذار) 2025، والمؤسسات وصُناع المحتوى سيحصلون غالباً على أرقام أعلى يمكن تقديمها للرعاة، لكنه يستدرك فيحذّر من «خطر وقوع صانع المحتوى في فخ هذه الأرقام، وذلك لأن زيادة المشاهدات لا تعني تلقائياً أن المحتوى أصبح أفضل أو أن الإيرادات ارتفعت».
ووفق عاطف، «فالمستفيد الأكبر استراتيجياً من التعديل هو (يوتيوب)؛ لأن المنصة تعيد تعريف العملة الأكثر شهرة في اقتصاد الفيديو بطريقة تظهر حجم استهلاك الفيديو بصورة أكبر وأكثر قابلية للمقارنة مع المنافسين». وينهي شارحاً أن «صُناع المحتوى يأتون بعد المنصة في الاستفادة؛ لأنهم سيحصلون على ميزة إضافية، أما المعلن فهو مستفيد فقط إذا كان واعياً بالتغيير».



