لخامس مرة، ينطلق مهرّجو فرقة «كرفانة» لعروض الشارع، في عمل مسرحي جديد، متنقلين بين المناطق اللبنانية، حيث حطوا رحالهم يوم الجمعة الماضي بساحة التل في طرابلس، ومن ثم في ميناء المدينة، ليتابعوا عروضهم بعد ذلك في بيروت والشوف، على أمل الوصول إلى الجنوب اللبناني. وإذا تعذر الأمر؛ بسبب المخاطر الأمنية، فستكون العروض من نصيب جبل لبنان والبقاع.
هذه المرة، يأتي مهرجو جمعية «كلاون مي»، منظمة الحدث، إلى الناس في أحيائهم وشوارعهم وحواريهم، بعرض جديد يحمل اسم «الكرفانة: وحكاياتنا ترن»، مستوحى من التجارب المعيشية لشباب تتراوح أعمارهم بين 17 و24 عاماً.

مسرح متحرك يجوب الشوارع، يتوقف في أماكن مكتظة، حيث لم يعتد الناس رؤية أعمال فنية في مناطقهم من قبل. بمكبر الصوت، ينادي المهرجون معلنين أن مسرحيتهم ستبدأ بعد نصف ساعة. يأخذ الناس في التجمع أمام الكرفانة الجوالة، التي سرعان ما تمتد أمامها منصتان خشبيتان، إحداهما أعلى من الأخرى، كمسرح ثابت وقريب من الجمهور. يعتلي المهرجون المنصة، كلٌّ يروي حكايته على طريقته، بينما يجلس الحضور على الكراسي التي هُيئت لهم. وبين المزاح والجدّ، تطلع الحكايات مؤثرة على ألسن المهرجين. المتفرجون الذين تجمعوا، إمّا كانوا يمرون في المكان بالصدفة، وإما عرفوا بالموعد ولبّوا النداء، لكنهم جميعهم مشدودون إلى مهرج يتحدث عن فقده والده، وعودته إلى منزله ليكتشف الخراب الذي أحدثته الحرب. حكايته تشبه ما عاشه كثر في خضم صراعات متواصلة تعيشها المنطقة. آخر يروي قصة هروبه من الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2024، وها هو يعود إلى وطنه، لكنه لا يزال ضائعاً بين البقاء والهجرة من جديد. آخر يحكي عن معضلة استخدام القاف في أثناء الكلام بالعامية بدلاً من الكاف، ودلالتها الاجتماعية وانعكاساتها على سلوكيات الناس تجاهه وتقديرهم له.

سبع حكايات يتناوب على روايتها ست ممثلات طيلة نصف ساعة. هي تبدو قصصاً فردية لأول وهلة، لكنها تشبه مئات القصص الأخرى التي يتماهى معها الجمهور؛ مما يفتح باب الحوار، بعد انتهاء العرض، بين حضور متأثر قد اندمج في ما رواه لهم المهرجون، وشباب جاءوا يخبرون عن مواجعهم، وهم يعبرون عنها بالفكاهة مرة، وبالغضب أخرى، من دون أن تخلو من الحنين واللامبالاة والعبث الساخر.
المؤديات اختِرن من بين 30 شخصاً شاركوا في ورشة عمل، ورووا قصصهم، وطُورت، ومن ثم سُجلت بأصواتهم، مصحوبة بمؤثرات تجعلها أقرب إلى المذاق العام. اختيرت الحكايات الأعلى جذباً، والأقرب إلى انشغالات الناس. أما الممثلات فلسن بالضرورة صاحبات القصص، لكنهن يقدمنها بأجسادهن وحيويتهن ونبضهن وإيماءاتهن، على منصة رَدمت المسافة بينها وبين الجمهور، لفرط الحميمية والتلقائية في الأداء.
وإن كان مسرح الشارع معروفاً في لبنان وشهده الجمهور، فإن المهرجين الجوالين ليسوا ظاهرة شائعة. والفضل في تشكيل هذا الفريق يعود إلى سابين شقير، التي بدأت عملها منذ عام 2005، وشكلت بعدها بـ3 سنوات مؤسسة «كلاون مي إن» لفن التهريج والمسرح والفنون التشاركية، وبدأت بتنظيم الأنشطة في المناطق المحرومة وبين النازحين، وفي أكثر من بلد وبيئة. ومن خلال ورشات العمل، أُهّل عشرات المهرجين طيلة السنوات الماضية، الذين يرفهون عن المتألمين في المستشفيات والمخيمات وأماكن الإيواء.

أما العروض المسرحية الجوالة، فوُلدت عام 2015 إثر النزوح السوري الكثيف إلى لبنان. يومها نشطت المؤسسة في المخيمات، وسجلت قصص النازحين وقدمت عملها المسرحي الجوال «كرفانة: والعالم يسمع». العرض، الذي يروي فيه النازحون قصصهم، لقي قبولاً وأحدث ضجة، وقُدّم مائة مرة في لبنان. بعد هذا النجاح، قُدّم عمل آخر عن النزوح بعنوان: «كرفانة: هيملاد»، وذهبت به الفرقة إلى تونس، وحاز جائزة تعدّها سابين تتويجاً لجهدها.
وعلى الأثر، صُنعت نسخة أخرى من الفكرة نفسها، عن المهاجرين؛ الفلسطينيين والعراقيين والألمان والدنماركيين والسويديين الذين يعيشون في السويد والولايات المتحدة، في قلب عرض مسرحي بالشارع، من خلال استخدام تسجيلات صوتية لسرد القصص. فسويديون كثر هاجروا إلى أميركا في بداية القرن الـ19؛ بسبب المجاعة والحروب. وجاب هذا العمل السويد التي استقبلت السوريين؛ لتذكير المواطنين هناك بأنهم هم أيضاً كانوا ضحية مثلهم ذات يوم.

واكبت «كلاون مي» الناس في مشاغلهم وهمومهم. فحين طفت مشكلة التسرب المدرسي على السطح عام 2019، جابت القافلةُ المسرحيةُ المناطق وهي تشجع العائلات على إلحاق أولادها بالمدارس الحكومية، من خلال «كرفانة: لنرجع عَالمدرسة»، مُظهرة أن ارتفاع الأقساط المدرسية ليس عائقاً أمام التعليم، بل البدائل متوفرة وبسهولة. ومن بعدها، كان عمل آخر عن حقوق الناس والطفل، كي يتنبه كل فرد إلى حقوقه ويدافع عنها.
هذه المشروعات المسرحية، المستمرة منذ سنوات، بدأتها سابين شقير؛ مؤسسةُ «كلاون مي إن»، التي درست الفنون المسرحية، وتخصصت في المسرح الجسماني، ومثلت مع روجيه عساف وآخرين. خلال مسارها هذا، اكتشفت عالم التهريج، ووجدت فيه ضالتها، فانخرطت في سحره وكرست نفسها له. وحين عادت إلى لبنان من مُغتَرَبها عام 2011، كانت الثورة السورية قد بدأت، والاحتجاجات في لبنان قد اشتعلت، فمارست التهريج مع زملاء لها في المظاهرات والأماكن العامة، ونظمت ورشات عمل لتأهيل مهرجين جدد.
تقول سابين إنها لم تحب يوماً العمل في أماكن مغلقة؛ استهواها دائماً الفضاء المفتوح، والوجود مع الناس، والإصغاء إلى مواجعهم وانشغالاتهم. فمنذ عام 2006، وهي تعمل في الشارع، وإن تغيرت الأدوار والمهام. تعلق سابين: «الشارع مدرسة؛ نتعلم من خلالها، بحكم التجربة والممارسة المتكررة، ما يصلح وما لا يصلح، ونشق طريقنا إلى جمهور أوسع وأرحب».







