«نيكي» يسجل أسوأ أسبوع في شهر

النفط والسندات يضغطان على الأسهم اليابانية

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«نيكي» يسجل أسوأ أسبوع في شهر

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

أنهت الأسهم اليابانية أسبوعاً مضطرباً تحت ضغط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط وعوائد السندات، في مزيج أعاد مخاوف التضخم وتشديد السياسة النقدية إلى صدارة حسابات المستثمرين.

وسجل مؤشر نيكي أسوأ أداء أسبوعي له منذ أكثر من شهر، رغم أن غالبية مكوناته ارتفعت في جلسة الجمعة، في إشارة إلى أن الضغوط تركزت بدرجة كبيرة في عدد من الأسهم القيادية ذات الأوزان الثقيلة.

وأغلق مؤشر نيكي جلسة الجمعة منخفضاً 0.3 في المائة عند 66,016.36 نقطة، ليفقد نحو 4 في المائة خلال الأسبوع، مسجلاً أكبر خسارة أسبوعية منذ الأسبوع المنتهي في 17 يوليو (تموز).

وفي المقابل، ارتفع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً 0.2 في المائة في الجلسة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً 3.1 في المائة، في أسوأ أداء أسبوعي له منذ أوائل مارس (آذار).

وجاء الضغط الأساسي من أسواق الطاقة بعدما ارتفعت أسعار النفط بنحو دولارين خلال الليل، بالتزامن مع تصاعد الغموض المحيط بالصراع في الشرق الأوسط. وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الخميس، إن الولايات المتحدة ستفرض «أشد العقوبات في التاريخ» على إيران، في إطار زيادة واشنطن ضغوطها الاقتصادية سعياً لإنهاء الحرب المستمرة منذ نحو ستة أشهر.

وتكتسب تحركات النفط أهمية مضاعفة بالنسبة إلى الاقتصاد الياباني، إذ تستورد البلاد نحو 95 في المائة من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، ويمر نحو 70 في المائة من تلك الإمدادات عبر مضيق هرمز. ومن ثم فإن استمرار اضطراب الملاحة أو ارتفاع أسعار الخام ينعكس سريعاً على فاتورة الواردات وتكاليف الشركات والأسعار المحلية.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه اليابان بالفعل ضغوطاً تضخمية متزايدة. وأظهرت بيانات صدرت الجمعة تسارع التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين في يوليو، ما عزز التوقعات بأن بنك اليابان قد يرفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول).

وانعكست هذه المخاوف مباشرة على سوق السندات. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 3 نقاط أساس إلى 2.875 في المائة، بعد يومين من التراجع أعقبا وصول العوائد إلى أعلى مستوياتها في عقود. كما ارتفع عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 0.5 نقطة أساس إلى 1.675 في المائة، فيما صعد عائد الخمس سنوات 1.5 نقطة أساس إلى 2.115 في المائة.

وكانت الضغوط أكبر عند آجال الاستحقاق الطويلة الأكثر تأثراً بتوقعات التضخم، إذ ارتفع عائد السندات لأجل 20 عاماً 5 نقاط أساس إلى 3.76 في المائة، وصعد عائد الثلاثين عاماً 5.5 نقطة أساس إلى 4.06 في المائة.

وقالت يوكي ماتسودا، محللة الأسواق في «ميزوهو»، إن المخاوف بشأن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لا تزال قوية، وإن ارتفاع أسعار النفط يميل إلى الضغط على السندات اليابانية.

وتخلق زيادة العوائد تحدياً مزدوجاً للأسهم. فمن ناحية، ترفع تكلفة التمويل على الشركات، ومن ناحية أخرى تقلل الجاذبية النسبية لتقييمات الأسهم، خصوصاً شركات التكنولوجيا والنمو التي تعتمد قيمتها بدرجة أكبر على الأرباح المستقبلية.

وقالت ماكي ساوادا، الاستراتيجية لدى «نومورا سيكيوريتيز»، إن المستثمرين يتجهون على الأرجح إلى جني الأرباح قبل عطلة نهاية الأسبوع مع بقاء أسعار النفط وعوائد السندات مرتفعة في ظل الغموض بشأن الشرق الأوسط.

وتراجع سهم «فاست ريتيلينغ»، المشغلة لسلسلة «يونيكلو» وصاحبة الوزن الكبير في نيكي، 3.6 في المائة، ليكون من أكبر الضغوط على المؤشر، بينما هبط سهم مجموعة «سوفت بنك»، المستثمر البارز في الذكاء الاصطناعي، 2.5 في المائة.

لكن الصورة داخل السوق كانت أكثر توازناً من أداء المؤشر الرئيسي. فقد ارتفع 135 سهماً من مكونات نيكي البالغ عددها 225، مقابل تراجع 86 سهماً واستقرار أربعة، ما يعكس انتقال الأموال بين القطاعات بدلاً من موجة بيع شاملة.

وكان قطاع الشحن المستفيد الأكبر، إذ قفز 4.9 في المائة وتصدر القطاعات الـ33 في بورصة طوكيو، مع توقع المستثمرين ارتفاع أسعار الشحن في ظل استمرار الإغلاق الفعلي لطريق الملاحة الحيوي عبر مضيق هرمز. كما ارتفع قطاع التعدين، الذي يضم شركات التنقيب عن النفط، 2.2 في المائة، وصعد قطاع النفط والفحم 2.1 في المائة.

وبذلك تدخل الأسواق اليابانية الأسبوع المقبل أمام ثلاثة متغيرات مترابطة؛ هي مسار الصراع في الشرق الأوسط، واتجاه أسعار النفط، وتوقعات قرار بنك اليابان في سبتمبر. وأي ارتفاع جديد في الخام قد يعزز التضخم ويرفع عوائد السندات، بما يزيد الضغوط على الأسهم، بينما يمكن لانحسار المخاطر الجيوسياسية أن يمنح «نيكي» فرصة لاستعادة جزء من خسائره الأخيرة.


مقالات ذات صلة

الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

الاقتصاد متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)

الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

أنهت الأسهم الكورية الجنوبية تعاملات الجمعة على ارتفاع بدعم من شركات أشباه الموصلات

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)

عجز مفاجئ يضيّق خيارات بريطانيا المالية

سجَّلت المالية العامة البريطانية عجزاً مفاجئاً، في يوليو، في تطور يعيد تسليط الضوء على ضيق المساحة المالية المتاحة أمام وزير المالية الجديد، قبل ميزانية أكتوبر

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خلال مؤتمر صحافي في كربلاء بالعراق... 20 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

قاليباف: على إيران التغلّب على «العقوبات الجائرة» الأميركية

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، اليوم الجمعة، إن على بلاده التخطيط من أجل التغلّب على «العقوبات الجائرة» من قِبل الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)

مجموعة السبع في مواجهة فخ الديون

تدخل أسواق الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى مرحلة أكثر حساسية، بعدما اجتمع تضخم الاقتراض الحكومي مع ارتفاع أسعار الفائدة ومطالب إنفاق يصعب تأجيلها

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)

الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

تراجع الدولار الأميركي يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل خسارة أسبوعية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
TT

الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)

أنهت الأسهم الكورية الجنوبية تعاملات الجمعة على ارتفاع بدعم من شركات أشباه الموصلات، مستفيدة من تحسن نظيراتها الأميركية وقوة بيانات الصادرات. لكن هذه المكاسب لم تكن كافية لمنع السوق من تسجيل خسارة أسبوعية، في وقت تزداد فيه تقلبات الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما واصل المستثمرون الأجانب البيع وارتفعت عوائد السندات المحلية. وأغلق مؤشر «كوسبي» مرتفعاً 60.37 نقطة، أو 0.88 في المائة، عند 6912.95 نقطة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً بنحو 0.9 في المائة. يأتي ذلك بعد قفزة أسبوعية بلغت 11.5 في المائة في الأسبوع السابق، كانت الأكبر منذ أوائل مايو (أيار)، وأنهت سبعة أسابيع متتالية من الخسائر. ويعكس التراجع الأسبوعي درجة الحساسية التي باتت تميز سوق سيول تجاه التحركات العالمية في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وظل مؤشر التقلبات عند مستوى مرتفع بلغ 58 نقطة يوم الجمعة، مقارنة بأدنى مستوى في شهرين عند 55 نقطة سجله الأسبوع الماضي.

وكانت شركات الرقائق المحرك الرئيسي لمكاسب الجلسة، إذ ارتفع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 3.87 في المائة، بينما صعد سهم «إس كيه هاينكس» 2.31 في المائة، بعد ارتفاع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات في الولايات المتحدة 0.5 في المائة. ويكتسب أداء الشركتين أهمية كبيرة للسوق الكورية بالنظر إلى وزنهما في المؤشر ودورهما المحوري في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية.

كما أصبحت «إس كيه هاينكس» تحديداً من أبرز المستفيدين من الطلب على رقائق الذاكرة المتقدمة المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وحصل قطاع التكنولوجيا على دعم إضافي من بيانات التجارة. فقد أظهرت الأرقام ارتفاع صادرات كوريا الجنوبية بنسبة 56 في المائة خلال أول 20 يوماً من أغسطس (آب)؛ ما يقدم إشارة إيجابية بشأن الطلب الخارجي ويعزز أهمية دورة أشباه الموصلات بالنسبة إلى الاقتصاد الكوري المعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات.

كما يترقب المستثمرون تحركات «سامسونغ إلكترونيكس»، التي تعتزم عقد اجتماع لمجلس إدارتها لمناقشة حزمة جديدة لعوائد المساهمين. وقد تصبح أي زيادة في توزيعات الأرباح أو عمليات إعادة شراء الأسهم عاملاً إضافياً لدعم السهم وجاذبية السوق أمام المستثمرين.

لكن الصورة الأوسع كانت أقل قوة مما يوحي به صعود المؤشر؛ فمن أصل 904 أسهم متداولة، ارتفع 193 سهماً فقط، مقابل تراجع 683 سهماً؛ ما يكشف أن المكاسب تركزت بدرجة كبيرة في عدد محدود من الشركات الكبرى.

وتراجعت «إل جي إنرجي سوليوشن» لصناعة البطاريات 4.05 في المائة، بينما انخفض سهم «هيونداي موتور» 0.60 في المائة، و«كيا» 0.15 في المائة. كما خسر سهم «بوسكو هولدينغز» 3.58 في المائة، وتراجعت «سامسونغ بيولوجيكس» 1.46 في المائة. واستمر المستثمرون الأجانب في اتخاذ موقف حذر؛ إذ سجلوا صافي مبيعات للأسهم بقيمة 175.9 مليار وون، ما يعادل نحو 126.9 مليون دولار.

ويشير ذلك إلى أن صعود الجلسة لم يكن مصحوباً بعودة قوية لرؤوس الأموال الخارجية. وفي سوق العملات، قدم ضعف الدولار دعماً للوون، الذي ارتفع 0.69 في المائة إلى 1386.5 وون للدولار، مقارنة مع إغلاق سابق عند 1396 وون. ويشكل ارتفاع العملة المحلية عاملاً إيجابياً من ناحية تقليص تكلفة الواردات، لكنه قد يحد جزئياً من المكاسب التي تحققها الشركات المصدرة عند تحويل إيراداتها الخارجية إلى العملة المحلية.

في المقابل، ارتفعت تكاليف الاقتراض. وصعد عائد سندات الخزانة الكورية لأجل ثلاث سنوات 3.3 نقطة أساس إلى 3.855 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات 3.8 نقطة أساس إلى 4.372 في المائة. وتأتي هذه التحركات في وقت تؤكد فيه السلطات الكورية مراقبتها للمخاطر في أسواق المال والعملات والسندات والعقارات. وقال وزير المالية إن السلطات ستقيّم عوامل الخطر بصورة استباقية وستتحرك سريعاً عند الحاجة، بينما أكد نائب محافظ بنك كوريا الجديد أن قرارات السياسة النقدية ستُتخذ «بحذر شديد» وبمرونة، مع مراعاة عوامل من بينها الآثار الجانبية لرفع أسعار الفائدة.


عجز مفاجئ يضيّق خيارات بريطانيا المالية

العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
TT

عجز مفاجئ يضيّق خيارات بريطانيا المالية

العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)

سجَّلت المالية العامة البريطانية عجزاً مفاجئاً، في يوليو (تموز)، في تطور يعيد تسليط الضوء على ضيق المساحة المالية المتاحة أمام وزير المالية الجديد جون هيلي قبل ميزانية أكتوبر (تشرين الأول)، رغم التحسن الذي أظهرته بعض المؤشرات الاقتصادية في الآونة الأخيرة. وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن صافي اقتراض القطاع العام بلغ 1.8 مليار جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 2.5 مليار دولار، خلال يوليو.

جاءت النتيجة أسوأ من توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم رجحوا ميزانية متوازنة، كما خالفت تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية التي كانت تشير إلى فائض قدره 500 مليون جنيه.

وكان تحقيق هذا الفائض سيجعل يوليو أول شهر مماثل يسجل فائضاً منذ ما قبل جائحة «كوفيد - 19»، لكن ارتفاع الإنفاق الحكومي المرتبط بالتضخُّم بدد أثر إيرادات قياسية من ضريبة الدخل ذاتية التقييم. وتكشف تفاصيل البيانات أن المشكلة الأساسية لا تكمن في ضعف الإيرادات بقدر ما ترتبط باستمرار ارتفاع فاتورة الإنفاق؛ فقد زاد إنفاق الحكومة المركزية على المزايا الاجتماعية بمقدار ملياري جنيه مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما ارتفع الإنفاق على السلع والخدمات، بما يشمل تكاليف الموظفين، بنحو 1.2 مليار جنيه.

وتوفر مراجعة بيانات يونيو (حزيران) بعض الارتياح، بعدما خُفض تقدير العجز إلى 12.8 مليار جنيه من 16 ملياراً في القراءة السابقة. إلا أن الصورة منذ بداية السنة المالية لا تزال تشير إلى ضغوط واضحة؛ فخلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية 2026 - 2027، بلغ الاقتراض الحكومي 56.7 مليار جنيه، متجاوزاً توقعات مكتب مسؤولية الميزانية البالغة 54.4 مليار جنيه بنحو 2.3 مليار.

ويرى اقتصاديون أن هذا التجاوز قد لا يكون مؤقتاً. وقال توماس بوغ، كبير الاقتصاديين لدى شركة الضرائب والاستشارات «آر إس إم»، إنه يتوقع أن يتجاوز الاقتراض توقعات مكتب مسؤولية الميزانية خلال بقية العام مع استمرار ارتفاع الإنفاق.

وأشار إلى ثلاثة عوامل رئيسية تضغط على المالية العامة البريطانية، هي ارتفاع عوائد السندات الحكومية، واستمرار التضخم، ورغبة الحكومة في زيادة الإنفاق. ووفق تقديراته، قد يبقى الاقتراض أعلى من 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، بدلاً من انخفاضه إلى 3.6 في المائة وفق التوقعات الرسمية.

وهنا تكمن إحدى أبرز المعضلات أمام الحكومة؛ فارتفاع التضخم لا يؤدي فقط إلى زيادة تكاليف البرامج والمزايا المرتبطة بالأسعار، وإنما يرفع أيضاً تكلفة خدمة جزء من الدين العام، في وقت تؤدي فيه عوائد السندات المرتفعة إلى زيادة تكلفة الاقتراض الجديد وإعادة تمويل الديون المستحقة. وارتفعت فاتورة فوائد الدين في يوليو بنحو 700 مليون جنيه مقارنة بالعام السابق. كما توقع مسؤول في مكتب الإحصاءات الوطنية ارتفاعاً حاداً في هذه التكلفة، عندما تصدر بيانات سبتمبر (أيلول)، نتيجة اتجاهات التضخم وتوقيت مدفوعات الفائدة على السندات. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة قبل ميزانية أكتوبر؛ إذ إنها تقلص قدرة هيلي على الجمع بين زيادة الإنفاق والالتزام بالقواعد المالية، من دون اللجوء إلى إجراءات لتعزيز الإيرادات أو خفض بعض النفقات.

وتنص القواعد الحالية على ضرورة تحقيق التوازن في الميزانية الجارية، التي تقارن الإيرادات الضريبية بالإنفاق اليومي، بحلول السنة المالية 2029 - 2030. وفي هذا الجانب تحديداً، تبدو الصورة أفضل نسبياً؛ فقد بلغ عجز الميزانية الجارية 34.7 مليار جنيه خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يوليو، مقابل 36.7 مليار جنيه كان يتوقعها مكتب مسؤولية الميزانية. ويعني ذلك أن الحكومة لا تزال تحقق أداء أفضل من التوقعات في مقياس رئيسي تستخدمه قواعدها المالية، رغم تجاوز الاقتراض الإجمالي للتقديرات.

وأكد هيلي أن «الانضباط المالي هو حجر الأساس للاستقرار الاقتصادي والأمن القومي في المملكة المتحدة»، مشدداً على التزام الحكومة بقواعدها المالية والحفاظ على هامش لمواجهة حالة عدم اليقين العالمية. لكن الحفاظ على ذلك الهامش قد يصبح أكثر صعوبة، إذا ظلت عوائد السندات والتضخم مرتفعة؛ فكل زيادة مستدامة في تكلفة الاقتراض تستنزف موارد كان يمكن توجيهها إلى الخدمات العامة أو الاستثمار، بينما يؤدي ارتفاع الإنفاق الاجتماعي إلى جعل ضبط المصروفات أكثر تعقيداً سياسياً واقتصادياً.

وبالنسبة إلى الأسواق، ستكون ميزانية أكتوبر اختباراً لقدرة الحكومة على تقديم مزيج مقنع بين دعم الاقتصاد والحفاظ على مصداقيتها المالية. وإذا استمر الاقتراض في تجاوز التوقعات، فقد تجد الحكومة نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة تشمل زيادة الإيرادات أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

وهكذا، فإن عجز يوليو البالغ 1.8 مليار جنيه قد يبدو محدوداً بمفرده، لكنه يحمل رسالة أكبر، وهي أن بريطانيا تدخل موسم إعداد الميزانية، في وقت أصبحت فيه تكلفة التضخم والفائدة والإنفاق العام عوامل تضيق هامش المناورة، وتجعل الحفاظ على ثقة سوق السندات جزءاً أساسياً من أي قرار مالي مقبل.


مجموعة السبع في مواجهة فخ الديون

مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
TT

مجموعة السبع في مواجهة فخ الديون

مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)

تدخل أسواق الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى مرحلة أكثر حساسية، بعدما اجتمع تضخم الاقتراض الحكومي مع ارتفاع أسعار الفائدة ومطالب إنفاق يصعب تأجيلها، من الدفاع وشيخوخة السكان إلى تغير المناخ والطاقة. ومع تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، واقتراب عوائد السندات اليابانية من مستويات لم تشهدها منذ ثلاثة عقود، باتت تكلفة خدمة الدين أحد أبرز التحديات التي تواجه دول مجموعة السبع.

ولا تقتصر المشكلة على الولايات المتحدة واليابان؛ فألمانيا، التي تتمتع بعبء دين أقل كثيراً من معظم نظرائها، شهدت ارتفاع عوائد سنداتها إلى أعلى مستوياتها منذ 2011، بينما تواجه فرنسا ضغوطاً مالية متزايدة. وتضاف إلى هذه الصورة الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة والظواهر المناخية المتطرفة، وهي عوامل ترفع الإنفاق العام وتعيد مخاطر التضخم إلى الواجهة. جاء التحوُّل الأهم في أسواق السندات بعد جائحة «كوفيد - 19»، ثم تسارع مع الحرب الروسية - الأوكرانية؛ فقد رفعت البنوك المركزية أسعار الفائدة بقوة لمواجهة التضخم، منهية حقبة طويلة من الأموال الرخيصة التي سمحت للحكومات بزيادة ديونها بتكلفة منخفضة نسبياً. واليوم يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالديون طويلة الأجل. كما أضيف عامل جديد يتمثل في موجة الاقتراض الضخمة من شركات التكنولوجيا العملاقة لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؛ ما يزيد المنافسة على رؤوس الأموال، ويدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أكثر جاذبية.

وتتجاوز التداعيات ميزانيات الحكومات؛ فالسندات السيادية تمثل السعر المرجعي للاقتراض في الاقتصاد، وبالتالي فإن ارتفاع عوائدها ينتقل إلى قروض الشركات والتمويل العقاري والرهون السكنية، ويضغط في نهاية المطاف على الاستثمار والاستهلاك والنمو.

• مساعي التكيف

وتحاول بعض الحكومات التكيف عبر زيادة الاعتماد على السندات قصيرة الأجل، بعدما أصبحت تكلفة الاقتراض طويل الأجل أكثر ارتفاعاً نسبياً. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مختلفة؛ إذ تضطر الحكومات إلى إعادة تمويل ديونها بوتيرة أسرع، ما يعني أن أي ارتفاع جديد في الفائدة ينتقل بسرعة أكبر إلى الميزانية. وتزداد المشكلة مع تراجع مشتريات بعض المستثمرين التقليديين في السندات طويلة الأجل، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد، بالتزامن مع تقليص البنوك المركزية محافظها من السندات. وتكشف مستويات الدين حجم التحدي؛ فالدين الحكومي يعادل تقريباً الناتج الاقتصادي أو يتجاوزه في معظم دول مجموعة السبع باستثناء ألمانيا، بينما تتصدر اليابان القائمة بدين يتجاوز ضعفي حجم اقتصادها.

ولا تبدو الضغوط مرشحة للاختفاء سريعاً؛ فشيخوخة السكان ترفع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية، بينما تتطلب التحولات المناخية استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة. وفي الوقت نفسه، أدت التوترات الجيوسياسية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، خصوصاً في أوروبا. وقد أبلغت وزارة المالية الألمانية «رويترز» بأن الحرب الروسية رفعت احتياجات التمويل اللازمة للاستثمارات الدفاعية الضخمة، وهو ما ساهم في زيادة تكاليف الاقتراض.

ويظهر العبء بصورة متزايدة في مدفوعات الفائدة؛ فرغم أنها لا تزال أقل من قمم تاريخية في عدد من الاقتصادات، ارتفعت تكلفة الفائدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول المجموعة، وبصورة ملحوظة في الولايات المتحدة. وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تجاوزت مدفوعات الفائدة بالفعل الإنفاق الدفاعي خلال 2024.

• تحديات إضافية

وتواجه الولايات المتحدة تحدياً إضافياً يتمثل في ارتفاع «علاوة الأجل»، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل. ويعكس ذلك القلق بشأن السياسة المالية، وتقليص الاحتياطي الفيدرالي حيازاته من السندات، وعدم اليقين بشأن التضخم والسياسة النقدية. وليس الأمر أميركياً فقط؛ إذ وصلت علاوة الأجل في الاقتصادات الرئيسية بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عشر سنوات.

أما أوروبا، فتقدم صورة أكثر تفاوتاً؛ فقد تراجعت فروق العائد بين سندات بعض دول منطقة اليورو والسندات الألمانية مقارنة بأزمة الديون السيادية قبل أكثر من عقد.

وتبرز إيطاليا مثالاً لافتاً؛ إذ ساعد الاستقرار السياسي وانخفاض عجز الميزانية وزيادة التماسك الأوروبي على دفع علاوة مخاطر ديونها أخيراً إلى أدنى مستوياتها منذ 2008. وعلى الجانب الآخر، أصبحت فرنسا مصدراً أكبر للقلق. فالانقسام السياسي الذي أعقب انتخابات 2024 عرقل جهود السيطرة على العجز، فيما حذر تقرير مستقل بتكليف من الحكومة في يوليو (تموز) من تدهور حاد محتمل في المالية العامة خلال بقية العقد، إذا لم يتحرك صناع القرار سريعاً لضبط الإنفاق.

• أزمة اليابان

لكن اليابان قد تكون الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة العالمية؛ فعائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات أصبح قريباً من مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ منتصف التسعينات، في تحول جذري لسوق اعتادت لعقود الفائدة شديدة الانخفاض. وتجتمع في اليابان ثلاثة ضغوط؛ هي الدين الحكومي الضخم، وعودة التضخم، وتوقعات تشديد السياسة النقدية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بخطط الإنفاق التي تتبناها رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي. واضطرت الحكومة بالفعل إلى خفض بعض إصدارات السندات طويلة الأجل للمساعدة في تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب، لكن الضغوط على العوائد لم تختف.

والخطر الياباني يحمل بُعداً عالمياً؛ فقد كانت المؤسسات والمستثمرون اليابانيون لعقود مصدراً مهماً للطلب على السندات الأميركية والأوروبية، بسبب ضعف العوائد المحلية. وإذا أصبحت السندات اليابانية أكثر جاذبية، فقد تعود أجزاء من تلك الأموال إلى الداخل. وهنا تظهر الحلقة الأكثر خطورة؛ حيث إن ارتفاع العوائد اليابانية قد يسحب السيولة من أسواق الدين الغربية، ما يرفع العوائد الأميركية والأوروبية، ويزيد بدوره تكلفة خدمة ديون الحكومات.

لذلك، لم يعد السؤال أمام مجموعة السبع يتعلق فقط بحجم الدين الذي تستطيع الحكومات تحمله، بل بالسعر الذي سيطلبه المستثمرون لتمويله. ومع استمرار احتياجات الإنفاق الدفاعي والمناخي والاجتماعي، أصبح على الحكومات الموازنة بين دعم اقتصاداتها والحفاظ على ثقة سوق السندات. وإذا استمرت العوائد المرتفعة، فقد تتحول تكلفة الدين من بند مالي قابل للإدارة إلى قيد مباشر على النمو ومستويات المعيشة والسياسات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.