لجنة سورية تحيل محقق شرطة إلى القضاء بعد وفاة شاب إثر توقيفه

وزير الداخلية يتعهد التعامل بحزم مع أي مخالفة أو تجاوز

اللجنة المكلفة بالتحقيق في ملابسات وفاة الشاب محمد غميرة في مؤتمر صحافي (الإخبارية)
اللجنة المكلفة بالتحقيق في ملابسات وفاة الشاب محمد غميرة في مؤتمر صحافي (الإخبارية)
TT

لجنة سورية تحيل محقق شرطة إلى القضاء بعد وفاة شاب إثر توقيفه

اللجنة المكلفة بالتحقيق في ملابسات وفاة الشاب محمد غميرة في مؤتمر صحافي (الإخبارية)
اللجنة المكلفة بالتحقيق في ملابسات وفاة الشاب محمد غميرة في مؤتمر صحافي (الإخبارية)

أعلنت لجنة رسمية كلَّفتها السلطات السورية بالتحقيق في ملابسات وفاة شاب يعاني من مرض الهيموفيليا في مخفر للشرطة، إحالة أحد المحققين إلى القضاء، بعدما خلصت إلى أنه قام بصفع الموقوف خلال استجوابه.

وكانت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية (غرب) أوقفت، الأحد، سبعة من عناصر مخفر بلدة الحفة، بعد وفاة الموقوف محمد غميرة (29 عاماً). ونعته وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بوصفه أحد كوادرها، مشيرة إلى أنه قضى «متأثراً بمضاعفات نزيف دماغي وفي جهازه الهضمي نتيجة تعرضه للضرب بعد توقيفه».

وأعلن اللواء أحمد لطوف، رئيس لجنة التحقيق ومعاون وزير الداخلية للشؤون الشرطية، «إحالة المحقق أحمد جواد إلى النيابة العامة في اللاذقية». وأضاف في مؤتمر صحافي أن وزارة الداخلية كُلّفت «التوسع في التحقيق المسلكي» مع رئيس المخفر ومحقق آخر.

وخلصت اللجنة، استناداً إلى شهادات موقوفين من عناصر المخفر، إلى أن جواد أقدم على «صفع الموقوف» في أثناء التحقيق، رغم إبلاغه من رئيس المخفر «بوجود وضع صحي خاص بالموقوف».

محمد غميرة المتطوع السابق في «الخوذ البيضاء» توفي في مخفر الحفة بريف اللاذقية (حساب وزير الطوارئ)

وكان غميرة يعاني من مرض الهيموفيليا أو الناعور، وهو مرض يمنع الدم من التجلط بشكل سليم. وأقرت اللجنة، بالنظر إلى خطورة الوضع الصحي لغميرة، «بحصول خطأ خلال التحقيقات معه»، وفق لطوف الذي أكد أنه «ستتم محاسبة هذا الخطأ الجسيم عن طريق القضاء».

من جهته، تعهد وزير الداخلية السوري أنس خطاب، في تغريدة على «إكس» بأن «أي مخالفة أو تجاوز من قبل عناصر وزارة الداخلية سيتم التعامل معه بحزم ضمن القوانين والإجراءات المتبعة»، مضيفاً أن «كل مخالف سينال جزاءه العادل».

ونعى وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح غميرة ووصفه بأنه «أخ وصديق وزميل»، مرفقاً بيانه بصورة للشاب وهو في زي الدفاع المدني. وأضاف: «اليوم أوقفت عناصر المخفر المتهمين بضرب الفقيد محمد، وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم». وتابع: «لقد ضحى السوريون طوال 14 عاماً حتى يصلوا إلى سوريا التي تصون كرامتهم وتحفظ إنسانيتهم»، مؤكداً أنه لن يكون هناك «إفلات من العقاب».

ووفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان، توفي عدد من الأشخاص خلال وجودهم قيد الاحتجاز منذ تولي السلطة الجديدة الحكم. وذكرت وسائل إعلام رسمية في يناير (كانون الثاني) 2025، أن معتقلاً توفي في مدينة حمص بوسط سوريا عقب «انتهاكات» ارتكبها عناصر أمن، حيث جرى اعتقالهم وإحالتهم إلى القضاء.

المشيعون يحملون نعش محمد غميرة المتطوع السابق في «الخوذ البيضاء» لدفنه في قرية الحفة بمحافظة اللاذقية سوريا الاثنين (أ.ب)

وأفادت اللجنة بأن تقرير الأطباء الذين عاينوا الجثة أكد «عدم وجود أي آثار لعنف أو تعذيب جسدي على جثة المتوفى»، وفق لطوف. وتعهّد المحامي العام في محافظة اللاذقية أسامة شناق «بتسريع الإجراءات القانونية لينال عقابه العادل كل من يثبت تورطه بتقصير أو إهمال في وفاة غميرة». وأثارت وفاته انتقادات واسعة، بعدما أعادت التذكير بمعاناة السوريين المريرة في مراكز الاحتجاز والمعتقلات خلال حقبة الحكم السابق. وطالب ناشطون ومنظمات حقوقية بمحاسبة كل من يثبت تورطه، لا سيما بعد تقارير عن حالات وفاة موقوفين آخرين لدى أجهزة الأمن السورية.

واعتبر المحامي ميشال شماس، وهو عضو المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، أن «التناقض بين التقرير الطبي والأدلة والشهادات يفرض فتح تحقيق قضائي مستقل؛ لأن أي تقرير لا ينسجم مع الوقائع المادية والشهادات المباشرة يفقد قيمته القانونية»، مشيراً إلى «المسؤولية في موت محمد غميرة تقع أولاً على قاضي النيابة العامة الذي قرر تحويل الشكوى إلى الشرطة وتمديد التوقيف لمدة 48 ساعة للتوسع في التحقيق بشكوى ما كان يجب أن تحال إلى محكمة بداية الجزاء أساساً».

وأضاف أن «لجنة وزارة الداخلية ليست جهة تحقيق قضائي، ولا تُعفي النيابة العامة من واجبها في التحرك الفوري عند وقوع جريمة داخل مكان الاحتجاز، فعند وقوع شبهة تعذيب داخل أحد مخافر الشرطة، فإن القاعدة القانونية تنص على أن (لا يجوز تكليف الشرطة أو أي ضابط تابع لوزارة الداخلية بالتحقيق في الجريمة، حتى لو كانوا ضباطاً كباراً)؛ لأن الجهة المتهمة لا يجوز أن تحقق بنفسها».

لجنة التحقيق برئاسة اللواء أحمد لطوف تباشر مهامها في محافظة اللاذقية للوقوف على ملابسات وفاة المواطن محمد غميرة (المتحدث باسم الداخلية)

الإصلاح ضرورة

بعد وفاة المعتقل «محمد غميرة» الذي نقل إلى المستشفى عقب احتجازه لمدة ثلاثة أيام في مخفر بلدة الحفة بريف اللاذقية، شكلت وزارة الداخلية، لجنة تحقيقية مختصة بالبحث والتحقيق ومتابعة الملابسات والأسباب المحيطة بوفاة «غميرة»، وتوقيف 7 عناصر على ذمة التحقيق، كانوا موجودين في قسم شرطة الحفة خلال فترة توقيفه، وذلك بعد الحملات الرقمية ودعوات السوريين لمحاسبة المتورطين من العناصر.

وأكد مستشار وزير الداخلية للشؤون القانونية وحقوق الإنسان، العميد سامر الحسين، أن «حقوق المواطنين مصونة ومحفوظة، وأن المحتجز أو نزيل السجن أمانة»، وإشارته إلى «أن العقوبة تقيد الحرية لكنها لا تمس الكرامة»، وأن الوزارة «تعمل على بناء قدرات العناصر وتدريبهم بشكل دوري، بهدف بناء جهاز أمن داخلي يمارس مهامه وفق أعلى المعايير.

أما مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، فشدد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «التدريب (في الداخلية السورية)، على حقوق الإنسان ضروري، لكنه لا يكفي إذا ظل الاحتجاز غير مسجل والاستجواب غير موثق والرقابة غائبة، واستمر العنف بلا عواقب مهنية أو قضائية».

وبحسب عبد الغني، فإن الإصلاح يتطلب فرض احترام القانون كنظام عمل يومي، وذلك من خلال منع الاحتجاز غير المسجل، وإلزام التسجيل الفوري لكل حالة توقيف، وإبلاغ الموقوف بسبب توقيفه وحقوقه، وتمكينه من الاتصال بمحامٍ وبأسرته دون تأخير، وعرضه سريعاً على قاضٍ مختص ومستقل، وتمكينه من الطعن في قانونية الاحتجاز.

ومن شروط التوقيف، «إجراء فحص طبي مهني عند الدخول والنقل والخروج، وعند ظهور أي إصابة أو ادعاء بالتعرض للعنف، وتوثيق الاستجوابات مرئياً وحفظها وضمان حضور المحامي منذ المراحل الأولى للاحتجاز بوصفه ضمانة وقائية أساسية بمواجهة الإكراه وسوء المعاملة، كذلك، إنشاء آلية سرية وآمنة للشكاوى، مع حماية المبلغين والشهود من الانتقام».

استقلالية لجان التحقيق

ويتفق كل من مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، وميشال شماس، على أهمية خطوة وزارة الداخلية في تشكيل لجنة تحقيق التي تعد «مفيدة وضرورية»، إلا أنهما أكدا «عدم حصر التحقيق بوزارة الداخلية، أو أن تكون بديلاً عن القضاء، ولا ينبغي أن تكون الجهة الوحيدة التي تبت في اتهامات تمس منتسبي الوزارة نفسها».

كما يشير فضل عبد الغني إلى أن «مهلة 72 ساعة قد تكون مناسبة لاتخاذ التدابير الأولية، مثل حفظ الأدلة، وإبعاد المشتبه بهم، والاستماع العاجل للشهود، لكنها مدة غير كافية لإنجاز تحقيق كامل في وفاة يحتمل أن تكون غير مشروعة، بما يتطلبه ذلك من تشريح وتحليل طبي، ومراجعة للوثائق، واستجواب متقاطع للشهود».

ويرى أن الشراكة مع المنظمات الحقوقية والإنسانية المستقلة ضرورية، شريطة ألا تكون رمزية، ويمكن لهذه المؤسسات أن تسهم في «توثيق الشكاوى، وتدريب المحققين والأطباء الشرعيين، وتحليل الأنماط المتكررة، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للأسر والضحايا، وتعزيز الثقة العامة».


مقالات ذات صلة

نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»

المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)

نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»

يتمحور الحراك الدبلوماسي السوري حول تعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة، وتجنب الانخراط في ساحات الصراعات الإقليمية، والتحول إلى عنصر استقرار إقليمي...

سعاد جروس (دمشق)
خاص عناصر الدفاع المدني ورجل إطفاء ينتشلون جثة من موقع انفجار مستودع للتخزين المؤقت للأسلحة بالقرب من سرمدا بمحافظة إدلب الأربعاء (أ.ب)

خاص لماذا يتكرر انفجار مستودعات الأسلحة «المؤقتة» في شمال غربي سوريا؟

يعيد الانفجار الأخير في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي تسليط الضوء على معضلة مستودعات الأسلحة، ومخلفات الحرب التي ترزح تحت وطأتها مناطق شمال غربي سوريا.

منصور حسين (إدلب (سوريا))
الاقتصاد وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره السوري في مايو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على فيسبوك)

على خطى «المسار التركي»... الاقتصاد بوابة التقارب بين مصر وسوريا

أعلنت القاهرة تشكيل الجانب المصري من مجلس الأعمال مع سوريا بعد أيام من لقاء وزاري بين البلدين ركز على سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية.

محمد محمود (القاهرة )
خاص مبنى مجلس الشعب وسط دمشق (رويترز)

خاص مجلس الشعب السوري لتسريع آلية التشريع وإنهاء فوضى المؤسسات

ترمي هذه التحركات إلى تسريع الآلية التشريعية وإنهاء حالة الفوضى التنظيمية التي تعاني منها البيئة المؤسساتية بسبب تداخل الأحكام والأصول السابقة وتراكمها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الخليج وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومدير عام الوكالة رافاييل غروسي خلال مؤتمر صحافي في دمشق - 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

السعودية ترحب بقرار «الطاقة الذرية» إنهاء ملف ضمانات سوريا

رحَّبت السعودية باعتماد «مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية» القرار المتعلق بسوريا، وما ترتب عليه من إنهاء نظر المجلس في بند تنفيذ اتفاق الضمانات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
TT

نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)

بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لأنقرة وعقد اجتماعين منفصلين مع نظيره التركي هاكان فيدان، والمبعوث الأميركي توم براك مساء الثلاثاء، استقبل الشيباني في دمشق، الأربعاء، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، وقالت الخارجية السورية إن اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وتعزيز التعاون في كل المجالات، وتطورات الأوضاع في جنوب سوريا ومسار تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية، بين سوريا والمملكة الأردنية والولايات المتحدة الأميركية بما يخص محافظة السويداء.

ويتمحور الحراك الدبلوماسي السوري حول تعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة، وتجنب الانخراط في ساحات الصراعات الإقليمية، والتحول إلى عنصر استقرار إقليمي، وتفعيل موقعها بصفتها بديلاً جيوسياسياً وممراً آمناً للتجارة مع اضطراب خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب جراء التصعيد في اليمن، حسب مصادر في دمشق قالت لـ«الشرق الأوسط» إن الدبلوماسية السورية تنخرط في هندسة دور سوريا الجديدة القائم على سياسة «الحياد الإيجابي»، وتتركز أولوياتها على ملفات رئيسية عدة، أبرزها ملف ضبط الحدود المرتبط بالتعاون مع دول الجوار (العراق ـ تركيا ـ لبنان ـ الأردن).

التقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي (الخارجية السورية)

وتسعى دمشق إلى الحصول على مزيد من الدعم الدولي، لا سيما الأميركي لمنع استخدام الأراضي السورية ممرات إمداد وتهريب السلاح و المخدرات. أما الملف الثاني، وهو الأكثر أهمية، نشر الاستقرار في الجنوب السوري والتوصل عبر الوساطة الأميركية إلى «صيغة تفاهم مع إسرائيل لوقف الاعتداءات والتوغلات والعودة إلى خط فض الاشتباك لعام 1974»، والدفع نحو حل ملف السويداء كجزء من بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية وتكريس الاستقرار.

ويعد الحراك الديبلوماسي السوري الحثيث استمراراً للنشاط المكثف الذي يقوده وزير الخارجية أسعد الشيباني منذ «لحظة الانتصار، حسب المستشار في الرئاسة السورية أحمد موفق زيدان لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً، أن هذا «النشاط بكل تأكيد يحدث في ظل أوضاع إقليمية ملتهبة كما هو ملاحظ».

وتابع، أن «ما تريده دمشق هو أن تكون عموداً من أعمدة الاستقرار والسلام الداخلي والإقليمي والدولي، ولا أدلّ على ذلك من اقتلاعها عمود محور الاضطراب وزعزعة الاستقرار الذي كان النظام البائد المجرم يشكله لعقود».

وأكد زيدان على أن دمشق اليوم هي «عنوان السلام والاستقرار، وتقف مع جوارها العربي، وسندها الخليجي، من أجل تعزيز الاستقرار والسلم»، ورأى أن اقتلاع سوريا لحكم الميليشيات التي كانت تتحكم فيها، سيكون «مقدمة لنهاية عصر الميليشيات في المنطقة التي جلبت على المنطقة المآسي والمصائب»، معبّراً عن الأمل بالتمكن من خلال هذا «التحرك المتواصل مع محيطنا العربي والإسلامي أن نعظم الاستقرار، ونقزم الفوضى».

وكان المبعوث الرئاسي الأميركي توم برّاك قد أشاد بوزير الخارجية السوري عقب لقاء امتد حتى ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء- الأربعاء في أنقرة، ووصفه بأنه شريك «دؤوب، ذو رؤية ثاقبة، وجاد في خفض حدة التوتر».

وأضاف براك في منشور عبر منصة «إكس»، أن «الدبلوماسية ليست مسرحية، بل هي التوفيق بمواءمة صبورة بين المصالح قبل أن تنقلب الأحداث وتتجه في اتجاه معاكس ضد الجميع». معرباً عن امتنانه الكبير لشفافية وصراحة الحوار مع الوزير السوري، مؤكداً أن الشيباني يدرك جيداً أن «ضبط النفس والحوار يمثلان أيضاً شكلين من أشكال القوة».

وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد أجرى مباحثات مع نظيره التركي هاكان فيدان في أنقرة، دون الإفصاح رسمياً عن مضمون المحادثات التي جاء بعد نحو شهر على زيارة مماثلة في 6 أغسطس (آب) الماضي، وبحثا التعاون الثنائي والتطورات الأمنية والسياسية في سورية والمنطقة وتم الاتفاق على إنشاء مجلس تنسيق أعلى بين سورية وتركيا، وتسريع تفعيل لجنة البحار الأربعة، والدفع لإنجاز مشروع الربط السككي، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية السورية.


واشنطن تسعى لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»

نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تسعى لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»

نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)

تسعى الولايات المتحدة الأميركية لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»، وهو مسار بات أكثر وضوحاً، هذا الأسبوع، من خلال زيارة قام بها السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى إلى «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، تلاها بيان صادر عن السفارة أكدت فيه أن جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات».

وبدت حركة السفير عيسى تجاه الطائفة الشيعية، سواء باتجاه المؤسسة الدينية أم لجهة مخاطبة سكان الجنوب (تسكنه أغلبية شيعية)، لافتة في هذا التوقيت، خصوصاً بعد قطيعة اقتصرت، في وقت سابق، على محادثات ولقاءات مع رئيس البرلمان نبيه بري.

تغيير الانطباع السابق

وتقول مصادر مواكِبة لهذه الحركة الأميركية إن مثار الاهتمام بها «ينطلق من أن هناك اتهامات سابقة لواشنطن بمعاداة الطائفة الشيعية»؛ في إشارة إلى تصريحات وتسريبات صادرة عن «حزب الله» ومقرَّبين منه تتهم واشنطن بالانحياز ضد الطائفة، مضيفة، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أن الانطباع السابق «يحاول السفير عيسى تغييره، إذ يستدرك بحركته الأخيرة مسارات التواصل، ويحاول أن يغير الصورة عن واشنطن لتأكيد أنه لا مشكلة مع الطائفة، بل المشكلة مع فئة فيها هي (حزب الله)، وهو ما تُكرسه اللقاءات والصور الأخيرة».

رجال دين شيعة يؤدون صلاة الجنازة على نعوش 12 شخصاً قُتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين الماضي (أ.ب)

ويتصدر ملف نزع سلاح «حزب الله» اهتمامات واشنطن في لبنان، إذ تعدّ أن نزع السلاح «هو العنوان الأول الذي تبدأ على أساسه أي ترتيبات أخرى»، وفق ما تقول مصادر دبلوماسية مواكبة للحركة الأميركية، وهو ما يدفعها لتأكيد أن المشكلة مع «حزب الله» وليس مع الطائفة، وأنها تفصل بين الطرفين، وتحاول تحييد الطائفة عن «الحزب».

مخاطبة السكان مباشرة

وفتح السفير عيسى مساراً جديداً عبر مخاطبة الشيعة وسكان الجنوب بشكل مباشر. فقد أكدت السفارة الأميركية في بيروت، في بيان نشرته الخميس، أن «الشعب اللبناني يُبدي يومياً تفضيله لمؤسسات الدولة اللبنانية على سلاح (حزب الله)»، مشيرةً إلى أن جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات».

وقالت السفارة إن الولايات المتحدة تُشيد بهذه المجتمعات، وتدعم الحكومة اللبنانية في هدفها المعلَن المتمثل في فرض السيادة، التي يتولى الجيش اللبناني إنفاذها، وضمان أن تبقى قرارات الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية حصراً.

مسار ثالث

ويُعد هذا البيان المسار الثالث بين واشنطن والطائفة الشيعية في لبنان. ولطالما كان الرئيس بري قناة الاتصال شبه الوحيدة مع الجانب الأميركي، ويعود ذلك أولاً إلى موقعه الرسمي في لبنان رئيساً لمجلس النواب ورئيس «حركة أمل»، إضافة إلى أنه المفوَّض من قِبل «الحزب» بالتفاوض خلال الحرب، وقناة التواصل الرسمية بين «الحزب» والدولة اللبنانية في ظل القطيعة بين الرئيس جوزيف عون و«الحزب» منذ مارس (آذار) الماضي.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مستقبِلاً السفير عيسى والجنرال كليرفيلد (الوكالة الوطنية للإعلام)

أما الآن، فقد توسعت المسارات، رغم أن الخطاب الأميركي هو نفسه، وتكرر الموقف، سواء في البيان، وما سبقه على منبر «المجلس الشيعي»، وخلال لقاء السفير عيسى مع نائب رئيس المجلس الشيعي الشيخ علي خطيب.

وقالت مصادر مواكِبة للقاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن السفير لم يطرح مبادرة، بل جُلّ ما طرحه هو تأكيد «أنه على (حزب الله) تسليم سلاحه، مما يتيح فتح الطريق أمام الحلول والمعالجات للأزمة، ولتأمين انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية».

موقف شيعي موحد

وأشارت المصادر إلى رد الشيخ الخطيب، وكان الطلب من الجانب الأميركي القيام بمبادرة أو بخطوة لدفع الجيش الإسرائيلي للانسحاب من جنوب لبنان، ولو من منطقة أو قضاء (في الجنوب)، مما يثبت أن واشنطن عادلة وجِدية في تأمين الحلول. كما تحدَّث الخطيب، وفق المصادر، عن أن «المقاومة هي نتيجة احتلال، وليست سبباً، والمقاومة كانت قبل (حزب الله)».

نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب يستقبل السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى (الوكالة الوطنية)

ولم تنفِ المصادر أن الزيارة تبعث رسالة بأن هناك محاولة أميركية لتحييد الطائفة عن «حزب الله»، وذلك على أثر تأكيد السفير عيسى أن واشنطن «تكنّ كل الاحترام وكل المحبة للطائفة الشيعية، ولا تُصنفها طائفة إرهابية، بل تُصنف (الحزب) فقط». وأضافت المصادر أن الشيخ الخطيب «أكد أن الموقف الشيعي موحد، سواء في (حزب الله) أم (حركة أمل) أم (المجلس الشيعي)، ومن الصعوبة تحييد فئة أو عزلها لأنه موقف الطائفة بكل مكوناتها»، مشيرة إلى أن البيئة الشيعية بجميع انتماءاتها «تسأل عن الضمانات والتطمينات الأميركية، في حال نزع السلاح دون انسحاب إسرائيلي من الجنوب»، لافتة إلى أنه «لا ضمانات حتى الآن».

وأشارت المصادر إلى أن الخطيب «أكد لعيسى أن الشيعة يريدون الدولة، ويدفعون باتجاه دولة تحميهم وترعى شؤونهم، وهو موقف جامع لدى جميع المكونات».

وتتوسط واشنطن في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وينتظر لبنان تحديد موعد للجلسة الثامنة التي يُفترض أن تُعقد هذا الشهر في روما، في وقت تُواصل إسرائيل فيه قصف لبنان وتنفيذ الاعتداءات، مما يقوّض قدرة الجيش على الانتشار، وتأمين عودة السكان حتى إلى المناطق النموذجية.

كان رئيس البرلمان نبيه بري قد قال، في تصريح سابق آخر، الأسبوع الماضي، إن «إسرائيل ماضية في تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق اقتراع بالدم في سباق الانتخابات المقبلة في معركة يتنافس فيها الجميع حول مَن يقتل ومَن يدمّر أكثر».


قوات التحالف بقيادة أميركا بدأت الانسحاب من شمال العراق

مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

قوات التحالف بقيادة أميركا بدأت الانسحاب من شمال العراق

مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

أفاد وزير في إقليم كردستان العراق، الخميس، بأن قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة المتطرفين بدأت الانسحاب من شمال العراق مع اقتراب الموعد النهائي لانتهاء مهمتها في عموم البلاد، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسبق لهذه القوات أن أنجزت في يناير (كانون الثاني) الانسحاب من قواعد في مناطق أخرى في العراق، وبات انتشارها حالياً يقتصر على إقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي.

ومن المقرر أن تنجز هذه القوات انسحابها من عموم البلاد بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، بموجب اتفاق أبرم بين بغداد وواشنطن في عام 2024.

وقال وزير داخلية كردستان، ريبير أحمد، للصحافيين: «بخصوص مسألة خروج قوات التحالف من إقليم كردستان أو من العراق عموماً، فبناءً على الاتفاق القائم، على هذه القوات أن تُغادر بحلول نهاية شهر سبتمبر، وقد بدأوا بذلك بشكل جدي بالفعل».

وأضاف: «كما بدأوا في إقليم كردستان أيضاً، وتُنقل تلك القوات يومياً إلى مواقع أخرى خارج العراق».

وأكد مسؤول عراقي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن قوات التحالف بدأت الانسحاب من الإقليم، وأن انتشارها بات حالياً يقتصر على مطار أربيل الدولي.

وكانت قوات التحالف قد غادرت سوريا في وقت سابق من هذا العام.

وبدأ التحالف مهمته في العراق وسوريا بعد سيطرة تنظيم «داعش» على مناطق واسعة من البلدين عام 2014. وأعلنت بغداد هزيمة التنظيم في 2017، في حين تمّ دحره من آخر معاقله في سوريا بعد ذلك بعامين.

وتراجعت هجمات المتطرفين بشكل كبير في الأعوام الماضية، رغم أن مجموعات منهم ما زالت تنشط في مناطق صحراوية وجبلية، مع مواصلة القوات العراقية تنفيذ عمليات ضدهم.

وشكّل استمرار انتشار قوات التحالف نقطة خلاف بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة المدعومة من إيران.

وعلى مدى سنوات، استهدفت هذه المجموعات مصالح أميركية، بما فيها قواعد تنتشر فيها هذه القوات، لا سيما في الأشهر الأخيرة عقب بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومنذ توليه منصبه هذا العام، تعهّد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة، وبأن تسلّم الفصائل أسلحتها. وفي حين أعلنت بعض الفصائل استعدادها لذلك، ما زالت أخرى ترفض هذه الخطوة، رابطة ذلك باستمرار وجود قوات أجنبية في البلاد.

وحدّدت السلطات 30 سبتمبر -أي تاريخ انتهاء مهمة التحالف- موعداً نهائياً لتسليم الفصائل أسلحتها.