أدانت مصر وقطر وتركيا في بيان مشترك، الخميس، الهجمات الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة، التي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين بينهم نساء وأطفال، وشددت على ضرورة أن تفي إسرائيل بجميع التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وأن تمتنع عن أي أعمال من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد التوترات.
وأعربت الدول الثلاث في البيان عن قلقها العميق إزاء الانتهاكات المستمرة، وأكدت أن تصعيد الهجمات «يقوض الجهود الإقليمية والدولية في مرحلة حرجة، حيث تُبذل جهود مكثفة لتنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، بما في ذلك الاجتماع بين مجلس السلام والمسؤولين الإسرائيليين، واتخاذ خطوات بنّاءة في عملية التفاوض».
وأضاف البيان: «تُجدد الدول الوسيطة دعوتها إلى المجتمع الدولي ومجلس السلام تحت قيادة الرئيس ترمب لاتخاذ الخطوات اللازمة لضمان الامتثال لوقف إطلاق النار ووفق قرار مجلس الأمن رقم 2803، وممارسة ضغط فعّال لمنع أي تصعيد إضافي».
جاء هذا في حين صرَّح مصدران من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» بأن قيادات بالحركة وجهت رسائل حملت نبرة لوم للمسؤولين في «مجلس السلام»، بعدما صدر منهم من تصريحات اعتبرتها إسرائيل «ضوءاً أخضر» للمضي في الهجمات.
«فيتو» إسرائيلي جديد
من جانبه، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أن حكومته لم توافق على دخول قوات الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة، مشدداً على أن إسرائيل أكدت سابقاً أنه لن يكون هناك أي إعادة إعمار في القطاع قبل نزع سلاح «حماس» بشكل كامل.
ونفى مكتب نتنياهو صحة تقارير إعلامية إسرائيلية أفادت بأن المجلس الوزاري الأمني قرر السماح لجزء من القوة ببدء العمل في منطقة محدودة من القطاع.

وكانت تقارير بهذا الشأن قد انتشرت قبل وقت قصير من زيارة نتنياهو للرئيس الأميركي دونالد ترمب أواخر يوليو (تموز) الماضي. وكان ترمب قد اقترح العام الماضي تشكيل قوة متعددة الجنسيات لحفظ السلام في إطار خطة للسلام بقطاع غزة.
ودخل وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ، رسمياً، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ولكن الهجمات الدامية لا تزال مستمرة. وصعَّدت إسرائيل غاراتها الجوية مجدداً في الآونة الأخيرة، فيما قال الجيش إنه استهدف قادة بارزين من حركة «حماس».
وعلى النقيض من «حماس»، رفض نتنياهو حتى الآن خريطة طريق أعدها «مجلس السلام» الذي شكله ترمب بشأن ترتيبات ما بعد الحرب ونزع سلاح الحركة.
وتتمثل إحدى نقاط الخلاف في بند ينص على وضع الأسلحة التي ستسلمها «حماس» في مخازن، مع بقائها تحت السيطرة الفلسطينية؛ في حين تطالب إسرائيل بإخراج الأسلحة كاملة من القطاع. وقال مكتب نتنياهو، الخميس: «أوضحت إسرائيل أنه لن تكون هناك أي إعادة إعمار في القطاع قبل نزع سلاح (حماس) بالكامل».
الاجتماع المصري - القطري
وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء قطر وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بعد اجتماعهما في القاهرة، إن جهود الوساطة التي قام بها البلدان إلى جانب تركيا، أسفرت عن استجابة الفصائل الفلسطينية لحصر السلاح، وإنه يجري التركيز حالياً على تنفيذ «خريطة الطريق»، مشيراً إلى أنهما بحثا خطة ترمب للسلام في غزة وكيفية دعمها والانتقال للمرحلة الثانية.

وأضاف: «لا بد من التركيز على تنفيذ خريطة الطريق بشأن غزة والكرة الآن في ملعب الجانب الإسرائيلي»، داعياً الجميع إلى الضغط على إسرائيل لتنفيذ الالتزامات الواردة في المرحلة الأولى من اتفاق غزة، ومعرباً عن أمله في استمرار جهود الجانب الأميركي لفرض وتنفيذ خطة ترمب.
فيما قال الوزير القطري إن بلاده تتطلع إلى قيام واشنطن بالضغط على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها، وإنه سيتم بذل كل الجهود الدولية اللازمة لخلق ضغط دولي من أجل هذا الهدف، مؤكداً أن التعاون بين الدول الوسيطة ساهم في تذليل العقبات بشأن ملف السلاح في قطاع غزة.
وأضاف: «نحن في مرحلة مفصلية بعد إعلان الفصائل الفلسطينية قبولها خطة السلام»، متهماً الجانب الإسرائيلي بأنه لم ينفذ الالتزامات الواردة بالمرحلة الأولى من اتفاق غزة، وبارتكاب أفعال تزعزع الاستقرار.
«حماس» غاضبة
في الوقت ذاته، وجهت قيادات في «حركة حماس» انتقادات حادة إلى «مجلس السلام» على خلفية التصعيد العسكري والخروقات المتواصلة في قطاع غزة، التي أدت لمقتل 17 فلسطينياً في أقل من 24 ساعة من مساء الثلاثاء إلى صباح الأربعاء.
ودعت «حماس» في بيان رسمي حول الخروقات الإسرائيلية الإدارة الأميركية و«مجلس السلام» والجهات الوسيطة والضامنة إلى إلزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار.
كما صدر بيان آخر عن رئيس المكتب السياسي للحركة، خليل الحية، أدان فيه عمليات القتل، ووجَّه الرسائل نفسها التي تطالب تلك الجهات بالعمل على ضمان تنفيذ الاتفاق.

وكان باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» وعضو فريقها المفاوض، قد حمَّل «مجلس السلام» المسؤولية عن استمرار القتل، مشيراً لتصريحات من المجلس يُفهم منها أنها ضوء أخضر لحكومة نتنياهو للاستمرار في خروقاتها. وهو أمر تبناه حازم قاسم، الناطق باسم الحركة في غزة، الذي حمَّل المجلس مسؤولية التصعيد لعدم قيامه بالضغط على إسرائيل وإلزامها بما تم الاتفاق عليه.
وقال: «مجلس السلام أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرته وجديته في إدارة الوساطة والمفاوضات، وتصريحات المسؤولين فيه المتناقضة مع ما يتم الاتفاق عليه تعطي الاحتلال الغطاء لتصعيد عدوانه».
«الضوء الأخضر»
وقال مصدران من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إنه تم توجيه رسائل حملت نبرة اللوم للمسؤولين في «مجلس السلام» عما يجري، خاصةً بعدما منحوا حكومة نتنياهو الحق في الدفاع عن النفس، كما ورد بتصريحات بعد لقاء جمع مسؤولين من المجلس والمبعوث الأميركي جاريد كوشنر مع رئيس الحكومة الإسرائيلية.

ووفقاً للمصدرين، تم نقل الرسائل إلى الوسطاء بضرورة العمل للضغط على الولايات المتحدة و«مجلس السلام» لتبني ما تم الاتفاق عليه في القاهرة، «دون تلاعب في التصريحات يمنح نتنياهو ذرائع للاستمرار في عدوانه لخدمة نفسه في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة».
وقال أحد المصدرين: «هناك حالة من الغضب داخل قيادة الحركة إزاء الظهور بوجهين من قبل أعضاء مجلس السلام وإدارة ترمب»، مبيناً أنه خلال اللقاءات التي تجري بشكل مباشر أو غيرها يتم نقل رسائل ودية وتحمل مواقف جيدة، وعند لقائهم الإسرائيليين تتغير المواقف.
وأضاف: «اللقاء مع كوشنر كان جيداً للغاية، ونقل لنا رسائل واضحة تدعم وقف الخروقات والتزام كل الأطراف بما يقع عليه من التزامات؛ ولكن بعد وصوله إلى إسرائيل ولقاء نتنياهو خرج بتصريحات تمنح الأخير الضوء الأخضر لتنفيذ ما يشاء من عمليات».
وأشار المصدر إلى أن الحركة طلبت من الوسطاء الحصول على توضيحات بشأن التصريحات التي أطلقها كوشنر ومسؤولون في «مجلس السلام».
يأتي ذلك في وقت نقلت فيه هيئة البث الإسرائيلية العامة، مساء الأربعاء، عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله إن سياسة الاغتيالات في غزة حصلت على ضوء أخضر من الإدارة الأميركية، وإن قواته ستواصل التصدي لأي تهديدات وإزالته ولن تنسحب من الخط الأصفر، ولن يتم البدء في أي عمليات تتعلق بإعادة إعمار القطاع حتى نزع سلاح «حماس» كاملاً.
واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، تصريحات المسؤول الأمني الإسرائيلي بأنها تخالف كل الاتفاقات وحديث الوسطاء وتعهدات الإدارة الأميركية، داعياً «مجلس السلام» لاتخاذ «موقف واضح من هذه المجازر، والخروج من مربع انحيازه للموقف الإسرائيلي»، على حد قوله.



