بعد معاناة استمرت عقوداً طويلة من الإهمال، وتحويل محيطه إلى مكبّ للنفايات ومخلّفات الهدم، استعاد سور مجرى العيون الأثري بريقه، مرتدياً حُلّة جديدة، عقب تحويل الرصيف الملاصق له إلى ممشى سياحي، بالتزامن مع تطوير محيط قلعة صلاح الدين الأيوبي، ضمن مشروع إحياء القاهرة التاريخية.
ويمتد السور الأثري لنحو 3 كيلومترات، من منطقة «فم الخليج» على نهر النيل غرباً، وصولاً إلى باب القرافة في ميدان السيدة عائشة شرقاً. ويتكوّن من قناطر لنقل المياه، تقع في حي مصر القديمة، على امتداد شارع مجرى العيون وطريق صلاح سالم، وظلّت مستخدمة حتى عام 1872.
ويرجع تاريخ إنشاء السور إلى عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي؛ إذ كان الهدف من بنائه تزويد القلعة بالمياه.
ويرى الباحث في الحضارة الإسلامية، الدكتور أحمد سلامة، أن إعادة إحياء سور مجرى العيون تمثّل إضافة بالغة الأهمية، إذا نُظر إليها بوصفها جزءاً من مشروع أوسع لإعادة اكتشاف المنطقة التاريخية، وربط عناصرها بعضها ببعض، لا بوصفها مجرد عملية ترميم لمنشأة أثرية منفردة. ويقول: «يُعدّ السور والسواقي شاهدين تاريخيين على تطور القاهرة في العصرين المملوكي والعثماني، كما يوضحان النظم الهندسية والعمرانية التي ارتبطت بتوفير المياه للمدينة».

ويضيف سلامة: «ستظهر القيمة الكبرى لتطوير السور عند إعادة دمجه ضمن شبكة المواقع التاريخية المحيطة به، بدءاً من منطقة السيدة عائشة وساحة السلطان حسن ومشاهد آل البيت ومزاراتهم، وصولاً إلى القرافة. عندها يمكننا الحديث عن إعادة بناء المشهد التاريخي للمنطقة؛ فلا يرى الزائر أثراً منفصلاً، بل يقرأ من خلاله طبقات متعاقبة من العمارة والمياه والطرق والمدافن والمشاهد الدينية والحياة الاجتماعية والاقتصادية».
وشهدت قناطر مجرى العيون، خلال العصر العثماني، عدداً من أعمال الإصلاح. كما استخدمت الحملة الفرنسية بعض أجزائها حصناً حربياً للمراقبة، وأحدثت فيها فتحات كبيرة لمدافعها. وفي وقت لاحق، أنشأ محمد علي باشا تفريعة منها لإيصال المياه إلى قبة الإمام الشافعي ومدفن العائلة المالكة.
ويرى مدير آثار الوجه البحري وسيناء بوزارة السياحة والآثار، الدكتور هشام حسين، أن القيمة الحقيقية لإحياء سور مجرى العيون لا تتمثل في ترميمه والحفاظ على قيمته الأثرية فحسب، بل في إعادة دمجه ضمن النسيج التاريخي للقاهرة، واستعادة دوره عنصراً رابطاً بين مجموعة من أهم مكوّنات المشهد العمراني والتراثي في المنطقة.

وقال حسين لـ«الشرق الأوسط» إن ربط السور بمشروع تطوير ساحة السلطان حسن ومنطقة السيدة عائشة ومزارات آل البيت يمكن أن يصنع مساراً متكاملاً يجمع بين التراث العمراني والذاكرة الدينية والمشهد الحضري، بدلاً من التعامل مع كل أثر بوصفه جزيرة منفصلة.
ويحمل سور مجرى العيون، وفق حسين، قصة جديرة بالتأمل؛ فهو ليس مجرد منشأة مائية، بل شاهد على تطور القاهرة وقدرتها على إدارة موارد المياه وربط مناطقها المختلفة. ومن هنا، يمكن تقديمه بوصفه جزءاً من البنية التحتية التاريخية التي أسهمت في بناء المدينة وضمان استمرار الحياة فيها.
وعدّ حسين المشروع نقلة من مفهوم ترميم أثر منفرد إلى إحياء محور تاريخي يعيد قراءة المنطقة، ويخلق مساراً ثقافياً وسياحياً جديداً، ويمنح القاهرة التاريخية امتداداً بصرياً وحركياً واجتماعياً يتجاوز حدود كل موقع أثري على حدة. وأكد أن إعادة الحياة إلى السور لا تعني الحفاظ على الماضي فحسب، بل إعادة توظيفه أيضاً في صنع مستقبل أفضل للمنطقة بأكملها.

ورصدت «الشرق الأوسط» إقبال عدد كبير من المواطنين على زيارة السور بعد تطويره، والتقاط الصور التذكارية إلى جواره، لا سيما ليلاً، إذ تضفي الإضاءة الجديدة عليه بُعداً جمالياً يسرّ الناظرين. وطالب الزائرون بالحفاظ على السور وصيانته دورياً، بما يسهم في استثماره لجذب السياح.
واحتفى عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في مصر بتطوير المنطقة وتحويلها إلى ممشى سياحي، بعد سنوات من الإهمال والتخريب.
وكان الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، قد أعلن في تصريحات صحافية أخيراً الانتهاء من المرحلة الأولى من أعمال ترميم السور والممشى السياحي المجاور له، بطول كيلومتر واحد، مشيراً إلى أن أعمال تطويره بالكامل ستنتهي بحلول نهاية العام الحالي.
وشملت المرحلة الأولى أعمال صيانة السور التاريخي وترميمه، ورفع المخلفات المحيطة به، وإزالة التعديات، وتنظيف أسطحه الحجرية، وفتح العيون المغلقة، إلى جانب إنشاء ممشى سياحي وتزويده بمنظومة إضاءة متطورة تضفي لمسة جمالية على المكان.
وبدأت الحكومة المصرية عام 2019 مشروعاً طموحاً لتطوير منطقة مصر القديمة بصورة جذرية، شمل إزالة المساكن العشوائية ومدابغ الجلود، وإعداد مخطط جديد لتحويل المنطقة المحيطة بالسور الأثري إلى وجهة سياحية. ويهدف المخطط إلى إيجاد متنفس للعاصمة، من خلال إزالة المناطق العشوائية وتحويل المواقع المطوّرة إلى متنزهات ومناطق خدمية وسياحية.
وتُعدّ «حدائق تلال الفسطاط»، التي تصفها مصر بأنها أكبر حديقة في الشرق الأوسط، أحد أبرز عناصر هذا المشروع الحيوي.

كانت منطقة سور مجرى العيون تشتهر بصناعة الجلود، ونظراً إلى ما تسببه هذه الصناعة من تلوث، بدأ التفكير، في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في نقل المدابغ إلى مدينة الروبيكي، شرق القاهرة، التي خُصصت لهذا الغرض. غير أن أصحاب المدابغ رفضوا الانتقال بسبب بُعد المدينة عن الأسواق التجارية التي اعتادوا العمل فيها، مما أدى إلى تأخر المشروع سنوات عدة قبل استكماله.







