«سندات اليابان» تهدد خطط تاكايتشي المالية

اقتراب العائد من 3 % يرفع تكلفة الدين ويضيّق هامش الإنفاق

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

«سندات اليابان» تهدد خطط تاكايتشي المالية

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

تواجه اليابان اختباراً مالياً معقداً مع اقتراب عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات من مستوى 3 في المائة، في وقت تزداد فيه مخاوف التضخم وتتسع الضغوط على الموازنة العامة؛ مما يهدد بتقويض جزء من برنامج الإنفاق الطموح الذي تتبناه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي.

وبعد أكثر من عقد كانت فيه سوق السندات اليابانية مرادفة للعوائد المنخفضة والسياسة النقدية شديدة التيسير، تغير المشهد سريعاً. فقد بلغ العائد على السندات لأجل 10 سنوات 2.945 في المائة الثلاثاء، وهو أعلى مستوى في 3 عقود، قبل أن يتراجع إلى نحو 2.89 في المائة الأربعاء.

ويقول محللون إن الموجة الحالية لا تعكس مجرد مضاربات قصيرة الأجل، بل تعكس كذلك تحوّلاً أعمق في تقييم المخاطر، في ظل تضخم أشد صعوبة، وارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وتوقعات متصاعدة بأن «بنك اليابان» قد يسرع وتيرة رفع أسعار الفائدة.

وقالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «نومورا للأوراق المالية»، إن «اليابان لم تشهد ضغوطاً سعرية بهذا الإصرار منذ صدمة النفط السابقة»، مشيرة إلى أن إبقاء التضخم قريباً من هدف «بنك اليابان» البالغ اثنين في المائة أصبح أكبر صعوبة.

ورغم أن الدعم الحكومي أبقى بعض مقاييس التضخم الأساسي دون مستوى اثنين في المائة، فإن «البنك المركزي» نفسه حذر من احتمال تجاوز التضخم الهدف؛ مما عزز التكهنات بشأن رفع الفائدة في وقت أقرب وبوتيرة أسرع.

ويرى المستثمرون الآن مساراً محتملاً لوصول أسعار الفائدة إلى اثنين في المائة، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى ذروة قرب 1.5 في المائة. وهذا التحول يكفي وحده لإعادة تسعير منحنى العائد بأكمله ورفع تكلفة الاقتراض الحكومي.

* 3 % ليست مجرد رقم

وتكمن حساسية مستوى 3 في المائة في أنه يتجاوز أنه حاجز نفسي للسوق؛ إذ يلامس مباشرة افتراضات الحكومة المالية.

وتقوم استراتيجية تاكايتشي الاقتصادية على فكرة أن النمو الاقتصادي سيظل أعلى من تكلفة الاقتراض طويلة الأجل، بما يسمح لليابان بتمويل الاستثمارات الجديدة والاستمرار في خدمة دينها الضخم من دون فقدان السيطرة على أوضاع المالية العامة.

لكن هذه الفرضية تصبح أكبر هشاشة إذا تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة بصورة مستدامة، بينما يدور التضخم حول اثنين في المائة، ويتوقع أن يظل النمو الحقيقي قرب واحد في المائة، وفق «رويترز».

وتتوقع الحكومة نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.9 في المائة خلال السنة المالية التي تنتهي في مارس (آذار) 2027، ثم 1.1 في المائة خلال السنة التالية.

في المقابل، خصصت الحكومة حالياً نحو 31 تريليون ين، أي نحو 195 مليار دولار، لخدمة الدين. وإذا ارتفعت العوائد فوق المستوى الذي بنيت عليه الموازنة، فإن هذه الفاتورة ستزداد سريعاً.

ووفق السيناريو الأساسي لوزارة المالية، فإنه إذا بلغ عائد السندات لأجل 10 سنوات 3.6 في المائة خلال السنة المالية 2029، فإن تكلفة خدمة الدين سترتفع إلى نحو 41 تريليون ين، أي بزيادة تبلغ نحو 10 تريليونات ين على المستوى الحالي.

وهذا الرقم يوضح حجم المشكلة؛ فكل ارتفاع مستدام في العوائد يلتهم حيزاً مالياً كان يمكن توجيهه إلى الاستثمار أو الدعم أو القطاعات الاستراتيجية.

* إنفاق أكثر... ومرونة أقل

وتزداد الضغوط لأن الحكومة رفضت وضع سقف للإنفاق على طلبات القطاعات الاستراتيجية في موازنة العام المقبل، بينما تسعى أيضاً إلى تنفيذ تخفيضات ضريبية على الغذاء.

ويعني ذلك احتمال زيادة إصدار السندات لتعويض الإيرادات المفقودة وتمويل برامج النمو، مما قد يزيد بدوره المعروض من الدين ويضغط أكثر على الأسعار ويرفع العوائد.

كما تواجه تاكايتشي ضغوطاً من داخل الحزب الحاكم نفسه، حيث يدعو جناح أكبر تحفظاً مالياً إلى ضبط الإنفاق والحد من توسع العجز.

وهكذا تصبح الحكومة عالقة في حلقة معقدة: ارتفاع تكاليف المعيشة يدفعها إلى زيادة الدعم وخفض الضرائب، لكن هذه السياسات توسعية وقد تغذي الطلب والتضخم، ثم تؤدي إلى ارتفاع العوائد وتزيد تكلفة خدمة الدين.

أما الأدوات المتاحة لتهدئة السوق، فهي محدودة ومؤقتة في نظر المحللين. وأحد الخيارات هو أن تعدل وزارة المالية جدول إصدار السندات، أو تخفض الإصدارات بصورة استثنائية في بعض الآجال، خصوصاً سندات الـ10 سنوات، إذا رأت أن السوق تواجه فائضاً في المعروض.

وقال أتارو أوكومورا، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «إس إم بي سي نيكو للأوراق المالية»، إن تعديل إصدار السندات في توقيت غير معتاد قد يساعد في كبح ارتفاع العوائد، خصوصاً إذا ترافق مع إشارة واضحة إلى استعداد الوزارة لتقليل الإصدارات عند بعض الآجال.

لكن هذه الخطوة لا تحل المشكلة الأساسية؛ لأن الحكومة لا تزال بحاجة إلى التمويل، وبالتالي قد تؤجل الإصدارات أو تنقلها من أجل إلى آخر بدلاً من تقليصها جذرياً.

والخيار الثاني هو تدخل «بنك اليابان» عبر عمليات شراء طارئة للسندات إذا شهدت السوق تحركات سريعة وغير منتظمة تهدد الاستقرار المالي. وقد احتفظ «البنك» بهذه الأداة حتى مع بدء تقليص مشترياته الضخمة من السندات الحكومية، إلا إن التوقيت الحالي لا يبدو مناسباً للعودة إلى الشراء الواسع.

ووفق مصدر مطلع على تفكير «البنك»، فإن صناع السياسة لا يرون حتى الآن أن ارتفاع العوائد غير مبرر؛ لأنه يعكس في جانب كبير منه تغيرات في الأساسيات الاقتصادية، وعلى رأسها التضخم وتوقعات الفائدة.

* معضلة «بنك اليابان»

والمفارقة الأصعب بالنسبة إلى «بنك اليابان» أن أي زيادة كبيرة في مشتريات السندات لخفض العوائد قد تتعارض مع مسار تطبيع السياسة النقدية، وتبعث برسالة مربكة للأسواق في وقت يحاول فيه «البنك» كبح التضخم.

وقالت نعومي موغوروما، كبيرة استراتيجيي السندات لدى «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي للأوراق المالية»، إن «بنك اليابان» لا يستطيع تثبيت توقعات التضخم إذا كانت الحكومة توسع الإنفاق وتضيف مزيداً من الضغوط السعرية إلى تلك الناجمة عن حرب الشرق الأوسط.

وأضافت أن «التضخم أصبح الآن الخطر الرئيسي لأي متعامل في السندات الحكومية اليابانية»، عادّةً أن جوهر المشكلة يتمثل في شكوك السوق بشأن مدى استعداد الحكومة فعلياً لمواجهة التضخم.

وبذلك، فإن أزمة السندات لا تبدو مجرد اضطراب عابر في سوق الدين، بل تعدّ اختباراً مباشراً لنموذج اقتصادي كامل. فإذا استقرت العوائد قرب نسبة 3 في المائة أو تجاوزتها، فستضطر حكومة تاكايتشي إلى إعادة الموازنة بين أولويات النمو والدعم والانضباط المالي، في وقت أصبح فيه هامش المناورة أضيق بكثير.

وفي النهاية، يبدو أن الأسواق ترسل رسالة واضحة إلى طوكيو؛ فاليابان لم تعد قادرة على التعامل مع ارتفاع الإنفاق وتكلفة الدين كأن حقبة الفائدة المنخفضة لا تزال قائمة. ومع عودة التضخم وتغير موقف «بنك اليابان»، أصبحت تكلفة كل قرار مالي أشد وضوحاً في سوق السندات.


مقالات ذات صلة

عجز حساب المعاملات الجارية في مصر يبلغ 22.5 مليار دولار

الاقتصاد سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس (رويترز)

عجز حساب المعاملات الجارية في مصر يبلغ 22.5 مليار دولار

ذكر البنك المركزي المصري، يوم الاثنين، أن عجز حساب المعاملات الجارية بلغ 22.5 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026 مقارنة مع 15.4 مليار دولار في العام السابق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

دخلت المنافسة بين شركات السيارات الصينية والأوروبية مرحلة جديدة، بعدما توصل «الاتحاد الأوروبي» والصين إلى اتفاق يضع سقفاً لواردات السيارات الهجين الصينية...

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)

الشيخوخة تهدد ربع القوى العاملة في شرق آسيا

حذر صندوق النقد الدولي من أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية قد تفقد ما يصل إلى ربع قواها العاملة بحلول عام 2050، نتيجة تسارع شيخوخة السكان

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد أشخاص يمرون بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنطلق في بانكوك

يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في بانكوك هذا الأسبوع، للمشاركة في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

الأسهم الصينية تتراجع رغم صمود اليوان

تراجعت الأسهم الصينية خلال تعاملات الاثنين، متأثرة بارتفاع عوائد السندات العالمية، وتصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

السوق العربية للكهرباء وتبادل الطاقة على طاولة اجتماع في الرياض

اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
TT

السوق العربية للكهرباء وتبادل الطاقة على طاولة اجتماع في الرياض

اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)

بحث المجلس الوزاري العربي للكهرباء، في دورته السادسة عشرة التي عُقدت في الرياض، مستجدات السوق العربية المشتركة للكهرباء ومشروعاً تجريبياً لتبادل الطاقة بين الأردن والسعودية ومصر، في إطار جهود تعزيز التكامل الكهربائي بين الدول العربية.

وترأست المملكة الاجتماع، الذي عُقد يوم الاثنين على هامش مؤتمر البترول العالمي، ضمن فعاليات «أسبوع الطاقة في الرياض»، بمشاركة وزراء ومسؤولين وممثلين عن جهات عربية معنية.

كما ناقش المجلس ملفات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، والتعاون في مجال الهيدروجين النظيف، وتبادل الخبرات في اقتصاديات وتقنيات التبريد المناطقي، إلى جانب تطوير البرامج العربية المرتبطة بكفاءة إنتاج الطاقة واستخدامها.

تأتي هذه المناقشات في سياق مساعي تعزيز التعاون العربي في قطاع الكهرباء، ودعم أمن الطاقة وتكامل الشبكات وتبادل الخبرات بين الدول المشاركة.


«وول ستريت» تتباين قرب مستوياتها القياسية مع ارتفاع أسعار النفط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتباين قرب مستوياتها القياسية مع ارتفاع أسعار النفط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

استهلت الأسهم الأميركية أسبوعاً حافلاً بالأحداث بتداولات متباينة، الاثنين، أبقت المؤشرات الرئيسية قرب مستوياتها القياسية.

واستقر مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» دون تغيير يُذكر، متداولاً قرب مستواه القياسي المسجل الأسبوع الماضي. في المقابل، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 91 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة 9:58 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما تراجع مؤشر «ناسداك» المجمع بنسبة 0.1 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وسجلت أسهم قطاع الطاقة بعضاً من أكبر المكاسب، مدعومة بارتفاع أسعار النفط، إذ صعد سهم «إكسون موبيل» بنسبة 1.8 في المائة، وسهم «شيفرون» بنسبة 1.9 في المائة.

في المقابل، شكّلت أسهم التكنولوجيا أبرز الضغوط على السوق، مع تراجع سهم «مايكرون تكنولوجي» بنسبة 4.2 في المائة، وسهم «أدفانسد مايكرو ديفايسز» بنسبة 1.8 في المائة. وتندرج الشركتان ضمن مجموعة من الشركات التكنولوجية ذات القيمة السوقية الضخمة، التي تؤثر تحركات أسهمها بدرجة كبيرة في أداء السوق.

وارتفع سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، بنسبة 2.1 في المائة إلى 106.95 دولار للبرميل. وكانت الأسعار قد تذبذبت بين 96 دولاراً ونحو 110 دولارات خلال الشهر الماضي، وسط حالة من عدم اليقين بشأن الحرب الأميركية مع إيران وتداعياتها المستمرة على إمدادات الطاقة العالمية ومعدلات التضخم.

وجاء ارتفاع الأسعار رغم إعلان الرئيس دونالد ترمب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي الجمعة، التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشراء الديزل الروسي، في مسعى للحد من الارتفاع الحاد في أسعار الوقود قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني). غير أن هذه الخطة تتعارض مع الجهود الأميركية الرامية إلى الحد من الإيرادات التي تجنيها روسيا من صادرات النفط والغاز، والتي يمكن أن تستخدمها في تمويل حربها على أوكرانيا.

وسيكون ارتفاع أسعار الطاقة وانعكاساته على الاقتصاد عموماً في صدارة اهتمامات الأسواق هذا الأسبوع، في وقت تترقّب فيه «وول ستريت» صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية المهمة، تشمل مؤشرات جديدة عن سوق الإسكان والتضخم ومبيعات التجزئة. كذلك، تتسارع وتيرة إعلان الشركات نتائجها المالية، مع ترقب نتائج عدد من المصارف الكبرى، من بينها «سيتي غروب»، و«جي بي مورغان تشيس»، و«ويلز فارغو».

وفي سوق السندات، توقفت التداولات على السندات الأميركية بمناسبة عطلة «يوم كولومبوس».

وسجلت الأسواق الأوروبية مكاسب، في حين اتجهت معظم الأسواق الآسيوية إلى التراجع، فيما أُغلقت بورصة طوكيو بسبب عطلة رسمية.


غورغييفا: الذكاء الاصطناعي يعزز النمو العالمي ويهدد بإعادة تشكيل الوظائف

كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
TT

غورغييفا: الذكاء الاصطناعي يعزز النمو العالمي ويهدد بإعادة تشكيل الوظائف

كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)

هيمنت تداعيات الذكاء الاصطناعي على افتتاح اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، بين رهانات على دوره في دعم النمو العالمي ومخاوف من اضطراب واسع في أسواق العمل.

وحذَّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا من «تسونامي بطيء الحركة» قد يطول الوظائف والأنظمة الضريبية والتعليم، مشيرة إلى أن نحو 40 في المائة من الوظائف عالمياً ستتأثر بهذه التكنولوجيا، في وقت تُبقي فيه الاستثمارات القوية في بنيتها التحتية النمو العالمي عند نحو 3 في المائة رغم صدمة إمدادات الطاقة.

وفي هذا الإطار، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، يوم الاثنين، إن الاستثمارات القوية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تُبقي النمو العالمي عند نحو 3 في المائة، مع تحقيق فوائد كبيرة لآسيا، ولكنها تنذر أيضاً بـ«تسونامي بطيء الحركة» قد يُحدث اضطرابات واسعة في أسواق العمل والأنظمة الضريبية والتعليم.

وأضافت أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تُحدث بالفعل «صدمة في الطلب وصدمة استثمارية»، من شأنهما تعزيز النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة، بما يتراوح بين نصف نقطة مئوية ونقطة مئوية كاملة، وفي الاقتصادات الآسيوية الناشئة بما يتراوح بين 0.2 و0.8 نقطة مئوية.

عروض فنية خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولييين عام 2026 في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

وقالت غورغييفا: «سواء أحببنا الذكاء الاصطناعي أم كرهناه، فهو موجود بالفعل».

وأضافت، خلال حديثها إلى مئات المشاركين في اليوم الأول من سلسلة اجتماعات تستمر أسبوعاً لصندوق النقد والبنك الدوليين في العاصمة التايلاندية: «إن هذا الانتقال إلى مستوى أعلى من السرعة هو ما يُبقي الاقتصاد العالمي ينمو بنحو 3 في المائة، رغم أن صدمة إمدادات الطاقة تؤثر سلباً في النمو».

وكان صندوق النقد الدولي قد توقَّع في يوليو (تموز) نمواً عالمياً بنسبة 3 في المائة عام 2026، ومن المقرر أن يصدر توقعاته المحدَّثة يوم الثلاثاء.

ومن المتوقع أن يشارك نحو 18 ألف شخص في اجتماعات هذا الأسبوع، بينهم مسؤولون ماليون من الدول الأعضاء الـ191 في صندوق النقد الدولي. غير أن عدداً من وزراء المالية سيغيبون عن الاجتماعات للتركيز على أولويات داخلية، ومن بينهم وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ووزير المالية الإسباني أركادي إسبانيا.

كما سيغيب وزراء مالية كندا والهند، وجمهورية الكونغو الديمقراطية التي تواجه صعوبات في احتواء تفشِّي فيروس إيبولا الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 4 آلاف شخص، وفقاً لمصدر مطَّلع على خطط المشاركة.

ورداً على سؤال بشأن التأثير السلبي للذكاء الاصطناعي في الوظائف، قالت غورغييفا إن بحوث صندوق النقد الدولي تشير إلى أن نحو 40 في المائة من الوظائف ستتأثر بالذكاء الاصطناعي، سواء من خلال تعزيز أداء العاملين أو خفض مستوى الوظائف أو إلغائها، وقد تصل النسبة إلى 60 في المائة في الاقتصادات المتقدمة.

وأوضحت أن لذلك تداعيات عميقة على الوظائف والنمو والتعليم، وحتى على مصادر الإيرادات الحكومية من الضرائب، في ظل التحوُّل المتوقع من الاعتماد على العمل إلى الاعتماد على رأس المال.

مندوب يشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين عام 2026 في بانكوك (إ.ب.أ)

وأظهرت دراسة أولية أن 10 في المائة من الوظائف في الولايات المتحدة تتطلب بالفعل مهارات في الذكاء الاصطناعي. وفي حين يتراجع عدد الوظائف الروتينية والمتكررة، يزداد عدد الوظائف منخفضة الأجور في قطاعين من القطاعات الأقل أجراً، هما البناء ومراكز البيانات.

وقالت غورغييفا إن «هذه تكنولوجيا تحوُّلية، فهي تغيِّر بصورة جذرية الطريقة التي نعمل ونعيش بها»، مشيرة إلى أن مساعداً يعمل بالذكاء الاصطناعي بات يقدِّم لها كل صباح رسالة مدتها 30 ثانية تتضمن جدول أعمالها.

وأضافت أن الولايات المتحدة والصين والهند هي أبرز الدول المنتجة في سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي، ولكن كثيراً من الشركات التي توفر الأجهزة اللازمة للبنية التحتية المطلوبة تعمل في آسيا، مشيرة إلى تايلاند، الدولة المضيفة للاجتماعات السنوية لهذا العام.

تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف المخصصة للمبتدئين

وقال رئيس سنغافورة ثارمان شانموغاراتنام، الذي تحدث في الفعالية نفسها، إن على الحكومات معالجة مسألة تراجع فرص العمل للخريجين نتيجة الذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «هناك مشكلة محددة علينا معالجتها في وقت قريب جداً... وهي أن الطلب على أولى درجات السلم الوظيفي، أي الوظيفة الأولى التي يحصل عليها الخريج بعد التخرج، بدأ يتراجع».

وقال إنه ينبغي للعالم أيضاً الحيلولة دون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى «تباعد جديد» في معدلات النمو وخلق الوظائف بين الاقتصادات النامية والمتقدمة.

وأضاف: «سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى توسيع الفجوة إذا تعاملنا معه بسلبية مفرطة. لذلك، علينا بذل كل ما في وسعنا لاستخدام الذكاء الاصطناعي أولاً في إيجاد وظائف جيدة، وفي إنشاء وظائف يستطيع البشر أداءها بكفاءة، وتتيح لهم التقدم على السلم الوظيفي رغم وجود الذكاء الاصطناعي».

من جهته، قال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا الذي جعل توفير الوظائف محوراً أساسياً في رئاسته، للصحافيين، إنه غير مقتنع بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى القضاء على الوظائف المخصصة للمبتدئين، معتبراً أن جانباً كبيراً من الاضطرابات سيحدث في الاقتصادات المتقدمة التي تعمل على تطوير نماذج ضخمة للذكاء الاصطناعي.

وقال: «في الأسواق الناشئة، لا نعمل على تطوير نماذج لغوية كبيرة»، مضيفاً أن البنك الدولي يركِّز على الاستفادة من «الذكاء الاصطناعي الصغير»، الذي لا يتطلب قدرة حوسبة هائلة لتحقيق مكاسب في الإنتاجية لدى المزارعين والعيادات الصحية والمعلمين.