الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

مسؤول في «الاستثمار الآسيوي» لـ«الشرق الأوسط»: المنطقة تنتقل من التمويل الحكومي إلى شراكات أوسع

أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)
أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)
TT

الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)
أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

تدخل السعودية ودول الخليج مرحلة جديدة في تمويل مشاريع البنية التحتية، لا تقوم فقط على ضخ الاستثمارات الحكومية، وإنما على تعبئة رؤوس الأموال الخاصة والمؤسسية الطويلة الأجل عبر شراكات أكثر تطوراً تجمع الحكومات والبنوك التنموية والمستثمرين السياديين والقطاع الخاص.

ويأتي هذا التحول مع اتساع احتياجات المنطقة في مجالات الطاقة والمياه والرقمنة، وتزايد أهمية تحويل المشاريع الكبرى إلى أصول قابلة للاستثمار على المدى الطويل.

ولا تعكس التحولات الجارية في الخليج زيادة حجم الإنفاق على البنية التحتية فحسب، بل تشير إلى تغير أعمق في معادلة التمويل نفسها. فمع اتساع المشاريع في الطاقة والمياه والنقل والاقتصاد الرقمي، لم يعد التمويل الحكومي وحده كافياً لتلبية الاحتياجات الاستثمارية المتزايدة، فيما تملك صناديق التقاعد وشركات التأمين ومديرو الأصول رؤوس أموال طويلة الأجل تتلاءم بطبيعتها مع الأصول التي توفر تدفقات نقدية مستقرة على مدى سنوات طويلة.

ومن هنا تتجه المنطقة تدريجياً إلى بناء هياكل تمويل قادرة على تقاسم المخاطر، وتحسين الجدارة الائتمانية للمشاريع، وتحويل الاستثمارات الحكومية إلى فرص قابلة لجذب رأس المال الخاص والمؤسسي.

وفي حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال مسؤول الاستثمار الأول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية، سعود بن عبد الله السياري، إن «الأساسيات قوية» في السعودية ودول الخليج، مشيراً إلى أن النمو السكاني والتوسع الحضري وبرامج التحول الاقتصادي تخلق مجموعة واسعة من الفرص في الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية والمياه والرعاية الصحية.

ويرى السياري أن التحدي لم يعد يتمثل في حجم الفرص المتاحة، بقدر ما يتعلق بكيفية هيكلة المخاطر وتعبئة رأس المال اللازم لتنفيذها، معتبراً أن المؤسسات التنموية المتعددة الأطراف تستطيع لعب دور محوري في جعل المشاريع أكثر قابلية للتمويل، وخفض المخاطر أمام المستثمرين، وتحفيز تدفقات رأسمالية تتجاوز بكثير حجم مساهماتها المباشرة.

الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية

وأوضح أن أبرز الفرص الاستثمارية خلال السنوات الخمس المقبلة ستكون عند تقاطع النمو الاقتصادي مع أهداف المناخ والاستدامة، لافتاً إلى أن مشاريع الطاقة المتجددة على نطاق واسع، إلى جانب تقنيات التخزين، ستشكل ركناً أساسياً في تحول قطاع الطاقة بالمنطقة.

وأشار إلى تجربة تمويل محطة عبري الثانية للطاقة الشمسية في سلطنة عمان بقدرة 500 ميغاواط، باعتبارها نموذجاً لهذا النوع من المشاريع.

وأضاف أن البنية التحتية المدعومة بالتكنولوجيا، من شبكات الألياف الضوئية الوطنية إلى الخدمات اللوجستية الذكية، «تضاعف قيمة كل فئة من فئات الأصول الأخرى»، فيما ستنمو البنية التحتية الاجتماعية، خصوصاً قطاعي الرعاية الصحية والتعليم، بالتوازي مع النمو السكاني والتوسع الحضري في المنطقة.

وأكد أن «الهيكلة المنضبطة والمعايير البيئية والاجتماعية القوية هي ما يحول الفرصة إلى قيمة مستدامة وطويلة الأجل».

مسؤول الاستثمار الأول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية سعود بن عبد الله السياري (البنك)

المؤسسات التنموية تدعم قابلية المشاريع للتمويل

ويرى السياري أن البنوك التنموية المتعددة الأطراف يمكن أن تؤدي دوراً رئيسياً في تحويل خطط البنية التحتية الحكومية إلى مشاريع قابلة للتمويل والاستثمار، من خلال تقاسم المخاطر وتوفير الخبرات الفنية اللازمة.

واستشهد في هذا الصدد بالتمويل الأخير مع الهيئة السعودية للمياه، الذي جرى هيكلته بالتعاون مع صندوق البنية التحتية الوطني ومقرضين تجاريين، بهدف تحديث عدد من محطات تحلية المياه الرئيسية. وقال إن مشروعاً بهذا الحجم يصبح قابلاً للاستثمار عندما تستطيع مؤسسة تنموية متعددة الأطراف استيعاب مخاطر لا يستطيع المقرضون التجاريون تحملها، إلى جانب تنفيذ دراسات العناية البيئية والاجتماعية وتوفير القدرات الفنية اللازمة لهيكلة الصفقة وفق المعايير الدولية.

وأضاف: «هذا هو النموذج؛ إذ تحول المؤسسات التنموية المتعددة الأطراف الطموحات إلى مشاريع قابلة للتمويل من خلال الإعداد المنضبط والتمويل المختلط وتعزيز الجدارة الائتمانية». وأوضح أن مشاركة البنك «تطمئن السوق وتخفض المخاطر المتصورة وتحفز رأس المال الخاص بما يتجاوز بكثير حجم التزامنا المباشر».

توزيع المخاطر

وفيما يتعلق بالتحديات التي تحول دون زيادة مشاركة القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية، قال السياري إن المخاطر في هذا القطاع لا يمكن إلغاؤها، وإنما يجب توزيعها بصورة مناسبة بين الأطراف. وأوضح أن التحدي يظهر عندما يُطلب من المستثمرين تحمل مخاطر يصعب عليهم تسعيرها، مثل عدم اليقين التنظيمي، ومخاطر الإنشاء في المراحل المبكرة، أو أطر الإيرادات التي لا تمتلك سوابق واضحة.

وقال: «مهمتنا كبنك تنمية متعدد الأطراف هي تصحيح توزيع هذه المخاطر».

وأشار إلى أن البنك يعمل على ذلك من خلال التمويل غير السيادي، الذي يخفف العبء عن الميزانيات العامة، إلى جانب الضمانات وهياكل تحمل الخسارة الأولى، التي تساعد على رفع جاذبية الشرائح التجارية للمستثمرين المؤسسيين وتعزيز ثقتهم في آليات تنفيذ المشاريع وتشغيلها.

وأكد أهمية وضوح المشاريع المستقبلية أمام المستثمرين، مشيراً إلى أن برنامج الاستثمار الذي يطوره البنك مع السعودية يمنح السوق رؤية أوضح لمجموعة من الفرص الاستثمارية المنظمة بدلاً من الاعتماد على صفقات منفردة.

4 شروط لجذب المستثمرين المؤسسيين

وقال السياري إن صناديق التقاعد وشركات التأمين تدير كميات ضخمة من رؤوس الأموال الطويلة الأجل، في وقت لا تزال فيه نسبة محدودة من محافظها مخصصة للبنية التحتية، رغم التوافق الطبيعي بين طبيعة هذه الاستثمارات والتزامات تلك المؤسسات.

وأوضح أن البنية التحتية توفر تدفقات نقدية طويلة الأجل يمكن التنبؤ بها، وغالباً ما تكون مرتبطة بالتضخم، بما يجعلها متوافقة بدرجة كبيرة مع التزامات المستثمرين المؤسسيين.

وحدد أربعة شروط رئيسية لفتح المجال أمام مزيد من هذه الاستثمارات، تتمثل في وجود أطر قانونية وتنظيمية مستقرة، بما في ذلك أنظمة واضحة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوحيد وثائق وإجراءات طرح المشاريع وهياكلها، وتوفير أدوات لتعزيز الجدارة الائتمانية، إضافة إلى تحقيق أداء موثوق في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة.

وقال إن «المستثمرين العالميين يخضع كثير منهم لالتزامات تتعلق بصافي الانبعاثات الصفري، ولذلك يبحثون عن أصول متوافقة مع أهداف اتفاق باريس».

وأضاف: «عندما تتوافر هذه الشروط، يمكن للبنية التحتية الخليجية أن تتحول إلى فئة أصول رئيسية للمستثمرين المؤسسيين، وستتبعها رؤوس الأموال».

الصناديق الإقليمية تعزز تعبئة رأس المال

ووصف السياري الصناديق الإقليمية بأنها من أكثر الأدوات فاعلية في تعبئة رأس المال الخاص لمشاريع البنية التحتية في الخليج والمنطقة.

وأوضح أن القرض المباشر يمول مشروعاً واحداً، بينما يمكن لمنصة استثمارية جيدة الهيكلة تمويل محفظة من المشاريع وتنويع المخاطر وبناء منظومة استثمارية متكاملة حولها.

وأشار إلى التزامات البنك تجاه صناديق البنية التحتية في دول الخليج، ومنها «راكيزا» و«أبردين ستاندرد إنفستكورب لشركاء البنية التحتية»، التي تستهدف البنية التحتية الأساسية المستدامة في قطاعات تشمل الرعاية الصحية والتعليم والمياه والتنقل والشبكات الرقمية، بدعم من مستثمرين من بينهم صندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز الاستثمار العماني.

وأكد أن مشاركة البنك لا تضيف رأس المال فحسب، بل تفرض أيضاً معايير محددة على المشاريع، إذ تخضع المشاريع الفرعية للتقييم وفق معايير البنك، مع استبعاد الأنشطة غير المؤهلة وإدراج متطلبات الحوكمة بصورة تعاقدية.

وقال إن الجمع بين «الحجم والانضباط والخبرة المحلية» يمثل عاملاً رئيسياً في توجيه رؤوس الأموال المؤسسية نحو احتياجات المنطقة من البنية التحتية.

مبنى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (البنك)

تحديث الأصول القائمة

وأشاد السياري بالتقدم الذي أحرزته دول الخليج في بناء منظومة بنية تحتية مستدامة توازن بين النمو الاقتصادي والأهداف البيئية واحتياجات التمويل الطويلة الأجل. وقال إن الاستدامة أصبحت جزءاً أساسياً من الرؤى الوطنية في المنطقة، من التزامات الحياد الصفري إلى أهداف الطاقة المتجددة، مشيراً إلى أن ما يلفت الانتباه بشكل خاص هو توجه دول المنطقة نحو تحديث الأصول القائمة، وليس الاكتفاء ببناء مشاريع جديدة. واعتبر تحديث محطات تحلية المياه في السعودية مثالاً على ذلك، موضحاً أن التحول من تقنيات التحلية الحرارية إلى تقنية التناضح العكسي سيخفض استهلاك الطاقة والانبعاثات، مع زيادة القدرة الإنتاجية وإطالة عمر الأصول.

وأضاف أن «النمو والأداء البيئي يتقدمان معاً».وأشار إلى أن منظومة التمويل في المنطقة تشهد بدورها تطوراً سريعاً، مع تنامي الهياكل التمويلية التي تجمع المؤسسات متعددة الأطراف والوطنية والتجارية، معتبراً الشراكة مع صندوق البنية التحتية الوطني نموذجاً قابلاً للتكرار.

وأكد أن كل تمويل يوافق عليه بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية يتماشى مع أهداف اتفاق باريس، مضيفاً أن «اتجاه المنطقة واضح، ونحن فخورون بدعم هذا المسار».

الطاقة والمياه والهيدروجين الأخضر

وتوقع السياري أن تبرز السعودية ودول الخليج خلال العقد المقبل في عدد من المجالات المرتبطة بالبنية التحتية، في مقدمتها الطاقة المتجددة وأنظمة التخزين، والاقتصاد الناشئ للهيدروجين الأخضر، إلى جانب البنية التحتية المعتمدة على التكنولوجيا وأنظمة المياه القادرة على مواجهة التغيرات المناخية. وقال إن المنطقة تمتلك بالفعل استثمارات متقدمة في مجالات الاتصال وقدرات مراكز البيانات والبنية الرقمية، في حين يمثل أمن المياه أولوية استراتيجية بالنظر إلى طبيعة المنطقة واحتياجاتها المستقبلية.

تحول في نماذج التمويل

ويرى السياري أن التطور الأبرز خلال العقد المقبل لن يقتصر على نوعية مشاريع البنية التحتية، بل سيمتد إلى طريقة تمويلها، مع تحول تدريجي من النماذج التي تعتمد بصورة أساسية على التمويل الحكومي إلى شراكات أكثر تطوراً تجمع الحكومات والمؤسسات التنموية والمستثمرين السياديين ورؤوس الأموال الخاصة.

وقال إن هذا التحول يأتي في صميم الدور الذي أُنشئ بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية لدعمه. وأضاف أن الاجتماع السنوي الحادي عشر للبنك، الذي تستضيفه الدوحة، سيمثل محطة مهمة مع دخول المؤسسة عقدها الثاني تحت شعار «بنية الغد التحتية: الأثر والابتكار»، متوقعاً أن تقود السعودية ودول الخليج عدداً من الاتجاهات العالمية في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية وأنظمة المياه خلال السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

«إبسون» تتخذ الرياض مقراً إقليمياً للشرق الأوسط وشمال أفريقيا

خاص مقر شركة «إبسون» في سوا باليابان (إنترنت)

«إبسون» تتخذ الرياض مقراً إقليمياً للشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تتجه شركة «إبسون» اليابانية للتكنولوجيا إلى تعزيز حضورها في السعودية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر افتتاح مقرها الإقليمي في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية لمحافظة الخفجي (دارة الملك عبد العزيز)

«السيادي» السعودي يطلق شركة لتطوير وجهة ساحلية في الخفجي

أطلق صندوق الاستثمارات العامة شركة لتطوير وجهة ساحلية متكاملة في الخفجي، تضم وحدات سكنية وفندقية ومرافق سياحية وتجارية على ثلاث مراحل.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الاقتصاد أفق مدينة برلين عند شروق الشمس (رويترز)

معنويات المستثمرين في منطقة اليورو تقفز لأعلى مستوى في 4 سنوات خلال سبتمبر

ارتفعت معنويات المستثمرين في منطقة اليورو خلال سبتمبر إلى أعلى مستوياتها في أكثر من 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص وزير الخارجية الصربي ونائب وزير الخارجية السعودي يوقعان اتفاقية إلغاء التأشيرات الرسمية (إكس)

خاص السعودية وصربيا توسعان شراكتهما في الطاقة والتقنية والتجارة

تتجه العلاقات السعودية - الصربية إلى مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، مع تحرك الرياض وبلغراد لتوسيع الشراكة.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
خاص صورة لشريحة ذكاء اصطناعي مع علم كوريا (رويترز)

خاص الرقائق الكورية تتجه إلى السعودية... من التصنيع إلى الحوسبة

تستقطب السعودية شركات الرقائق الكورية لدعم طموحاتها في الذكاء الاصطناعي، مستفيدةً من الطاقة والبنية التحتية لبناء منظومة حوسبة متقدمة.

عبير حمدي (الرياض)

«المركزي التركي» يبقي الفائدة عند 37 % للاجتماع الخامس على التوالي

مقر البنك المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
مقر البنك المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
TT

«المركزي التركي» يبقي الفائدة عند 37 % للاجتماع الخامس على التوالي

مقر البنك المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
مقر البنك المركزي التركي في أنقرة (رويترز)

أبقى البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي عند 37 في المائة يوم الخميس تماشياً مع التوقعات، ليحافظ عليه دون تغيير للاجتماع الخامس على التوالي، في وقت يواصل فيه مراقبة تداعيات الحرب في إيران على معدلات التضخم.

وفي استطلاع أجرته «رويترز»، توقع 16 من أصل 17 خبيراً اقتصادياً إبقاء سعر الفائدة عند 37 في المائة، في حين توقع خبير واحد خفضه بمقدار 100 نقطة أساس.

كما أبقى البنك المركزي أسعار الفائدة على الإقراض والاقتراض لليلة واحدة دون تغيير، عند 40 في المائة، و35.5 في المائة على التوالي. ويستخدم البنك «نطاق أسعار الفائدة»، أو ممر الفائدة، لتعديل تكلفة التمويل في السوق عند الضرورة، من دون تغيير سعر الفائدة الرئيسي.

وكان البنك المركزي قد استأنف الشهر الماضي مزادات إعادة الشراء (الريبو) لأجل أسبوع واحد، التي كانت معلقة منذ مارس (آذار) بهدف السيطرة على الأثر التضخمي للحرب في إيران. وانخفض سعر الفائدة لليلة واحدة، الذي ظل عند مستوى 40 في المائة تقريباً منذ بدء التعليق، بمقدار 300 نقطة أساس.

وأدّى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناجم عن الحرب إلى زعزعة استقرار الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، مثل الاقتصاد التركي، في وقت بلغ فيه معدل التضخم 31.51 في المائة الشهر الماضي.

وفي أحدث تقرير له عن التضخم، رفع البنك المركزي توقعاته لمعدل التضخم بنهاية عام 2026 إلى 28 في المائة، مقارنة مع 26 في المائة في تقدير سابق، في حين تتوقع الحكومة أن يبلغ التضخم 28.4 في المائة بنهاية العام الحالي.

ولا يزال الاقتصاديون يتوقعون مواصلة تخفيف السياسة النقدية خلال الفترة المتبقية من العام، لكنهم يراقبون من كثب التوترات الجديدة في المنطقة وتأثيرها المحتمل على التضخم.


مخاوف ارتفاع التكاليف تعرقل خطة البيت الأبيض لفرض تعريفات على النحاس

لفافة من قضبان النحاس في مصنع ويلاسنت في غانتشو مقاطعة جيانغشي الصين (رويترز)
لفافة من قضبان النحاس في مصنع ويلاسنت في غانتشو مقاطعة جيانغشي الصين (رويترز)
TT

مخاوف ارتفاع التكاليف تعرقل خطة البيت الأبيض لفرض تعريفات على النحاس

لفافة من قضبان النحاس في مصنع ويلاسنت في غانتشو مقاطعة جيانغشي الصين (رويترز)
لفافة من قضبان النحاس في مصنع ويلاسنت في غانتشو مقاطعة جيانغشي الصين (رويترز)

لم يتخذ البيت الأبيض قراراً نهائياً بعد بشأن فرض تعريفات جمركية على النحاس المكرر، في وقت يوازن فيه المسؤولون بين مخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار المعدن الأحمر إلى زيادة تكاليف التصنيع، والفوائد المحتملة لتشجيع المزيد من عمليات التعدين المحلية، وفقاً لمصدرين مطلعين على الأمر.

ويأتي هذا التردد في وقت تركز فيه الإدارة الأميركية بشكل متزايد على القدرة على تحمل التكاليف قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، إذ يواجه الرئيس دونالد ترمب والمشرعون الجمهوريون ضغوطاً لإثبات أن سياساتهم الاقتصادية تسهم في خفض التكاليف على المستهلكين والشركات الأميركية، بدلاً من زيادتها.

وارتفعت أسعار النحاس إلى مستويات قياسية وسط توقعات بأن يفرض ترمب تعريفات جمركية على منتجات النحاس المكرر، مثل الكاثود، إضافة إلى مركزات النحاس المنتجة في مواقع التعدين. ويسارع التجار والمشترون الصناعيون إلى بناء مخزونات في الولايات المتحدة تحسباً لفرض رسوم جديدة، مما أدى إلى تكوين أحد أكبر مخزونات النحاس في العالم.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن الإدارة لم تتخذ قراراً نهائياً بشأن الرسوم الجمركية، مؤكداً أن وزارة التجارة قدمت للرئيس ترمب تحديثاً بحلول الموعد النهائي الذي حدده البيت الأبيض في 30 يونيو (حزيران).

وقال المسؤول: «تواصل الإدارة تقييم جميع الخيارات لإعادة توطين صناعة النحاس وغيرها من الصناعات التحويلية الحيوية في الولايات المتحدة».

وتشير هذه التصريحات إلى أن فرض الرسوم الجمركية ليس أمراً محسوماً، رغم توقعات السوق بأن الولايات المتحدة قد توسع نطاق الرسوم الحالية لتشمل النحاس المكرر.

وتدرس الإدارة فرض رسوم جمركية على النحاس المكرر في إطار مساعي ترمب الأوسع لإعادة بناء قاعدة التصنيع الأميركية وتقليل الاعتماد على الإمدادات الأجنبية من المواد الحيوية.

ويُستخدم النحاس في قطاعات البناء والنقل والإلكترونيات والعديد من الصناعات الأخرى. وتتوقع وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن يؤدي نمو قطاعي الذكاء الاصطناعي والدفاع إلى زيادة الطلب العالمي على النحاس بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2040.

وتستورد الولايات المتحدة ما يقارب نصف احتياجاتها من النحاس سنوياً، ولا تملك سوى مصهرين عاملين للنحاس، مملوكين لشركتي «فريبورت-ماكموران» و«ريو تينتو» على التوالي.

وقد تؤدي الرسوم الجمركية المقترحة إلى رفع أسعار النحاس المستورد، وتحسين الجدوى الاقتصادية لمشاريع التعدين والصهر والتكرير في الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، قال مسؤول تنفيذي في شركة «ريو تينتو» لوكالة «رويترز» في وقت سابق من هذا العام إن «مجموعة الآليات والتعريفات الجمركية الحالية المتعلقة بالنحاس» لا تسهم إلا بقدر محدود في تخفيف التحديات الاقتصادية التي تواجه مصهر الشركة في الولايات المتحدة.

لكن فرض تعريفات جمركية أوسع نطاقاً على النحاس قد يؤدي أيضاً إلى زيادة تكاليف التصنيع على الشركات التي تعتمد على هذا المعدن، بما في ذلك منتجو المعدات الكهربائية والسيارات ومواد البناء وغيرها من السلع الصناعية.

وقد أدى هذا التوتر إلى تعقيد جهود الإدارة الأميركية لاستخدام التعريفات الجمركية لتشجيع الإنتاج المحلي، من دون المساهمة في زيادة التضخم أو تقويض الرسالة السياسية لترمب بشأن خفض تكلفة المعيشة. كما أن حالة عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية تعرقل تدفق النحاس إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة، مما يزيد من شح المعروض العالمي.

وقال جاكوب وايت، محلل المعادن في شركة «سبورت» لإدارة الأصول، التي تستثمر في منتجي النحاس: «طالما بقيت سياسة الرسوم الجمركية دون حل، فإن هذا الاحتمال يقلل من الحافز لإعادة المعدن إلى الأسواق الدولية».

أميركا تعتمد على شركات تعدين النحاس العالمية

ويذكّر التوقع بفرض رسوم جمركية على النحاس بما حدث في عام 2025، عندما توقعت السوق فرض رسوم شاملة على جميع المنتجات التي تحتوي على هذا المعدن. غير أن ترمب تراجع في يوليو (تموز) 2025 عن فرض مثل هذه الرسوم الشاملة، واكتفى بفرض رسوم على الأنابيب والأسلاك وغيرها من المنتجات نصف المصنعة، مما أثار استياء الشركات التي تستخرج النحاس.

وكلّف ترمب وزير التجارة هوارد لوتنيك بتقديم تقرير بحلول يونيو (حزيران) حول أسواق النحاس، إلى جانب توصية بشأن فرض تعريفة جمركية بنسبة 15 في المائة اعتباراً من 1 يناير (كانون الثاني) 2027، على أن ترتفع إلى 30 في المائة في عام 2028. ولم يتضح على الفور ما أوصى به لوتنيك ترمب.

وقفزت واردات الولايات المتحدة من النحاس المكرر 16 ضعفاً منذ عام 2015، رغم انخفاض الإنتاج بنسبة 20 في المائة، وفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية. وتمتلك البلاد مخزوناً يكفيها لما يقرب من 30 عاماً.

وسعى ترمب خلال العام الماضي إلى دعم مشروعات النحاس الأميركية، بما في ذلك مشروع «ريزوليوشن كوبر» في أريزونا التابع لشركتي «بي إتش بي» و«ريو تينتو»، ومشروع «توين ميتلز» في مينيسوتا التابع لشركة «أنتوفاغاستا».

كما اتخذ ترمب خطوات لحظر تصدير النفايات الإلكترونية التي تحتوي على النحاس.


عائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات يسجل أعلى مستوى في أكثر من 19 عاماً

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
TT

عائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات يسجل أعلى مستوى في أكثر من 19 عاماً

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

لامس عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له في أكثر من 19 عاماً، الخميس، مع استمرار موجة بيع السندات التي بدأت في الجلسة السابقة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل للمرة الأولى في ستة أسابيع؛ ما أدى إلى زيادة تكاليف الاقتراض عالمياً.

وسجل عائد السندات لأجل 10 سنوات 5.295 في المائة عند الساعة 09:30 بتوقيت غرينتش، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) 2007، مرتفعاً بنحو نقطتين أساس خلال تعاملات الخميس، وفق «رويترز».

كما ارتفع عائد السندات لأجل عامين نقطتين أساس عن مستوى إغلاق الأربعاء، ليصل إلى 4.742 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، في حين صعد عائد السندات لأجل خمس سنوات إلى 4.828 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ سبتمبر (أيلول) 2023.

وجاء ارتفاع العوائد بالتزامن مع إعلان مكتب إدارة الدين البريطاني نتائج مزاد لبيع سندات حكومية بقيمة 5 مليارات جنيه إسترليني (6.78 مليار دولار)، تستحق في مايو (أيار) 2030 وتحمل عائداً بنسبة 4.625 في المائة. وشهد المزاد طلباً قوياً؛ إذ بلغت قيمة طلبات الشراء 16.2 مليار جنيه إسترليني.

وبلغ متوسط العائد على السندات المباعة في المزاد 4.786 في المائة، وهو أعلى عائد لسندات بهذه الآجال منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وكانت بريطانيا قد باعت، الثلاثاء، سندات قياسية لأجل 30 عاماً عبر طرح مشترك، بعائد هو الأعلى منذ عام 1998 على الأقل.

وقالت سوزانا ستريتر، كبيرة استراتيجيي الاستثمار لدى شركة «ويلث كلوب»، إن الارتفاع الأخير في عوائد السندات البريطانية يعكس إلى حد كبير اتجاهات الأسواق العالمية.

وأضافت: «يبدو أن ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد كان الشرارة وراء هذه الموجة الأخيرة من صعود العوائد، لكن هناك تحولاً هيكلياً أعمق في تدفقات رؤوس الأموال العالمية منذ فترة، مع اتجاه بعض أكبر المستثمرين المؤسسيين في العالم بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية بحثاً عن عوائد في ديون الشركات».