نزع السلاح أم الانسحاب أولاً؟ عقدة تهدد خطة ترمب لغزة

رفض نتنياهو يعقّد تنفيذ خريطة الطريق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في فلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في فلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

نزع السلاح أم الانسحاب أولاً؟ عقدة تهدد خطة ترمب لغزة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في فلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في فلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

تمثّل مسألة تحديد الطرف الذي سيبدأ تنفيذ التزاماته العقبة الأساسية التي تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجديدة لقطاع غزة. فإسرائيل تشترط نزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب، فيما تربط الحركة بدء تنفيذ التزاماتها بوفاء إسرائيل أولاً بالتزاماتها، ومنها الانسحاب ووقف الهجمات، بينما تقوم خريطة الطريق على التدرّج المتبادل بين المسارين. ولا يبدو الخلاف تقنياً، إذ يتعلّق بالطرف الذي سيتحرّك أولاً ويتحمّل مخاطر عدم التزام الطرف الآخر.

ويأتي الاجتماع الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (الاثنين)، في القدس مع مبعوث ترمب، جاريد كوشنر، والممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، بعد محادثات أجروها في مصر، أمس (الأحد)، مع الوسطاء الإقليميين، وشارك مسؤولون من «حماس» في جانب منها.

وتسعى التحركات الحالية إلى إنقاذ خريطة طريق من 15 بنداً أعلنها «مجلس السلام» بدعم أميركي، بعد مشاورات شارك فيها وسطاء من مصر وقطر وتركيا، ونُشرت بصيغتها الحالية في 30 يوليو (تموز) الماضي.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه جاريد كوشنر مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصهره في العلمين بمصر يوم 16 أغسطس 2026 (الرئاسة المصرية)

انسحاب مرتبط بنزع السلاح

وتقوم الخطة الجديدة على وقف العمليات العسكرية، ونزع سلاح حركة «حماس» وسائر الفصائل تدريجياً بالتزامن مع انسحاب مرحلي للقوات الإسرائيلية، ونقل الوظائف المدنية والأمنية إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية لا يكون للحركة دور في إدارتها. كما تنص على نشر قوة دولية مؤقتة لمراقبة وقف النار والفصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق الخاضعة للجنة، وتدريب شرطة فلسطينية يُعاد تنظيمها خلال المرحلة الانتقالية.

لكن نتنياهو سبق أن أعلن رفض إسرائيل وثيقة البنود الخمسة عشر، مؤكداً أن الجيش لن ينفّذ أي انسحاب قبل نزع سلاح «حماس» بصورة كاملة وحقيقية، بما يشمل الأسلحة الثقيلة والخفيفة. في المقابل، ربطت الحركة تنفيذ الاتفاق بوفاء إسرائيل أولاً بالتزاماتها، ومنها الانسحاب ووقف الهجمات.

ويتركز الخلاف، بذلك، على طريقة الربط زمنياً بين نزع السلاح والانسحاب: هل ينفّذ الطرفان خطوات متقابلة تدريجياً، أم يستكمل أحدهما التزاماته قبل أن يتحرك الآخر؟ فخريطة الطريق تنص على إخراج الأسلحة الثقيلة والبنية العسكرية التابعة لحركة «حماس» وسائر الفصائل من الخدمة، بما يشمل مواقع تصنيع الأسلحة ومستودعاتها والأنفاق التي تستخدمها، وربط كل مرحلة من هذه العملية بانسحاب إسرائيلي مقابل. وتتولى لجنة دولية، تضم ممثلين عن الدول الضامنة و«مجلس السلام» و«قوة الاستقرار الدولية»، التحقق من تنفيذ التزامات كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية. إلا أن التباين بين شرط إسرائيل البدء بنزع السلاح ومطالبة الحركة بتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية أولاً يُبقي إطلاق هذه الآلية معلّقاً.

دبابات إسرائيلية تتمركز على الجانب الإسرائيلي من الحدود فيما يظهر جانب من الدمار في قطاع غزة في الخلفية... 16 سبتمبر 2025 (رويترز)

تفاصيل تنفيذية معلّقة

ولا تنتهي العقبات عند التوصل إلى تفاهم بشأن ترتيب الانسحاب ونزع السلاح. فعلى الرغم من تحديد الإطار العام للجنة التحقق و«قوة الاستقرار الدولية»، تبقى التفاصيل العملية وصلاحيات كل جهة موضع تفاوض، ومنها معايير التأكد من تسليم الأسلحة أو إخراجها من الخدمة، وكيفية التعامل مع رفض مجموعات مسلحة الامتثال. كما تبقى أسئلة معلّقة بشأن اختيار اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية، ومدى قبولها لدى الفلسطينيين، وقدرتها على إدارة قطاع دمّرت الحرب جزءاً كبيراً من بنيته التحتية ومؤسساته.

وكان معهد «تشاتام هاوس» البريطاني للأبحاث قد أشار، في تقييم لخطة ترمب الأصلية نشره في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أن إعداد قوة شرطة وأمن فلسطينية مدرّبة وموثوقة قد يستغرق أشهراً أو سنوات. أما خريطة الطريق الحالية، فتُسند إلى «قوة الاستقرار الدولية» مهمات الفصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق الخاضعة للجنة الفلسطينية، ومراقبة وقف النار، وتدريب الشرطة، وتأمين وصول المساعدات، ودعم اللجنة، بناءً على طلبها، في مهمات لا تشمل العمل الشرطي. ولا تتولى القوة مسؤولية الأمن الداخلي، إذ تبقى هذه المهمة من اختصاص اللجنة الفلسطينية. ويشير ذلك إلى أن الاتفاق السياسي، في حال التوصل إليه، سيكون بداية مسار طويل يتطلب بناء مؤسسات قادرة على منع الفراغ الأمني وإدارة مرحلة إعادة الإعمار.

حسابات نتنياهو الانتخابية

ووصفت صحيفة «الغارديان» البريطانية رفض نتنياهو الخطة بأنه خلاف علني نادر مع ترمب، مشيرة إلى الضغوط التي يتعرّض لها رئيس الوزراء الإسرائيلي من حلفائه اليمينيين قبل الانتخابات. ويتوجّه الإسرائيليون إلى انتخابات عامة في 27 أكتوبر، فيما يخوض حزب «الليكود» الحاكم معركة صعبة في استطلاعات الرأي، ويواجه نتنياهو ضغوطاً من حلفائه في اليمين الرافضين الانسحاب من قطاع غزة قبل نزع سلاح «حماس».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال جلسة عامة للكنيست في القدس يوم 23 يوليو 2025 (رويترز)

وقد تدفع هذه الضغوط الانتخابية نتنياهو إلى تبنّي خطاب أكثر تشدداً في الداخل، من دون إغلاق باب المحادثات مع واشنطن. فهو يتفق معها على هدف نزع سلاح «حماس» وسائر الفصائل، لكنه يختلف معها حول ترتيب التنفيذ، إذ يصرّ على استكمال نزع السلاح قبل أي انسحاب، بينما تربط خريطة الطريق بين المسارين تدريجياً. وتبقى تفاصيل أساسية قيد التفاوض، تشمل الجدول الزمني، ومعايير التحقق من تنفيذ الالتزامات، ومراحل الانسحاب الإسرائيلي ووتيرته، وتوقيت دخول اللجنة الفلسطينية إلى القطاع ونشر «قوة الاستقرار الدولية». وتنص الوثيقة على إعداد الجدول الزمني وآليات التنفيذ خلال أربعة عشر يوماً من موافقة جميع الأطراف على خريطة الطريق، مع إمكان تمديد المهلة بقرار من لجنة التحقق الدولية، ما قد يطيل فترة التعطيل إذا تعذّر الاتفاق على هذه التفاصيل.

أما ترمب، فيسعى إلى دفع خطته نحو التنفيذ وتقديمها مساراً لإنهاء النزاع. وقد يقوّض تعثر خريطة الطريق جهود الدول الوسيطة والداعمة لها، ويصعّب إقناع «حماس» بالتخلي عن سلاحها من دون التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب ووقف العمليات العسكرية.

حدود الضغط الأميركي

وتملك واشنطن أدوات ضغط يمكن استخدامها لدفع الحكومة الإسرائيلية إلى تعديل موقفها، تبدأ بالضغط السياسي المباشر والغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن، وتمتد إلى التعاون الاستخباراتي والعسكري. ويمكن للإدارة الأميركية إبطاء شحنات أسلحة محددة أو تعليقها، وتشديد الرقابة على استخدامها، وربط الموافقة على صفقات جديدة بخطوات إسرائيلية تتصل بتنفيذ الخطة. غير أن البيت الأبيض لا ينفرد بتقرير المساعدات العسكرية؛ إذ يعود إلى الكونغرس الدور الأساسي في إقرار اعتماداتها وتحديد شروطها، بينما تملك الإدارة الأميركية هامشاً في تنفيذ المساعدات وإدارة صفقات السلاح وتوقيت بعض الشحنات. ومع ذلك، لا يعني امتلاك هذه الأدوات أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدامها إلى حد الدخول في مواجهة علنية مع إسرائيل. وقد يراهن نتنياهو على أن ترمب، رغم رغبته في إنجاح الخطة، لن يذهب بعيداً في الضغط بما يهدد علاقة واشنطن بإسرائيل أو يثير انقساماً بين الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

قبة مبنى الكابيتول... مقر الكونغرس الأميركي الذي يعود إليه الدور الأساسي في إقرار اعتمادات المساعدات العسكرية... واشنطن يوم 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

وتبدو أمام المحادثات ثلاثة مسارات محتملة: قبول نتنياهو خريطة الطريق، ربما بعد الحصول على ضمانات إضافية، بما يتيح ربط مراحل الانسحاب بتقدم خاضع للتحقق في نزع سلاح «حماس» وسائر الفصائل؛ أو إعلان إحراز تقدّم مع إحالة الخلافات إلى جولات لاحقة، بما يُبقي الخطة قائمة من دون تنفيذ فعلي؛ أو تمسّك إسرائيل بشرط نزع السلاح الكامل قبل بدء الانسحاب، ما قد يعيد المسار إلى نقطة التعطيل.

ويبقى انتقال الخطة من التفاوض إلى التنفيذ رهناً باتفاق الأطراف على جدول تنفيذي تفصيلي يحدّد الخطوات المتقابلة ومواعيدها، وآليات التحقق، وكيفية التعامل مع أي خرق للالتزامات. فاستمرار الخلاف حول الطرف الذي يخطو أولاً قد يُبقي التنفيذ معلّقاً، ويحصر خطة ترمب في إطار تفاوضي يصعب نقله إلى أرض الواقع.


مقالات ذات صلة

نتنياهو: هناك «مؤشرات» على أن أعداءنا سيحاولون مهاجمتنا قبل الانتخابات

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز) p-circle 00:22

نتنياهو: هناك «مؤشرات» على أن أعداءنا سيحاولون مهاجمتنا قبل الانتخابات

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن هناك «مؤشرات» على محاولة أعداء إسرائيل مهاجمتها قبل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تحليل إخباري فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

تحليل إخباري هل تلقت إسرائيل تحذيرات مباشرة ودقيقة حول «7 أكتوبر»؟

يبذل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وحملته الانتخابية جهوداً مضنية لطمس «قصة التحذير» من هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 قبل حدوثه... فما القصة؟

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية فلسطينيون يتجمعون بموقع تعرض لضربة إسرائيلية في حي الشيخ رضوان بقطاع غزة الأسبوع الماضي (د.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل «مسلح شارك في هجوم 7 أكتوبر»

أعلن الجيش و«جهاز الأمن العام (شين بيت)» الإسرائيليان «مقتل مسلح شارك في هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)» 2023...

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي لافتة عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية في شارع قرب مدينة جنين بالضفة الغربية يوم الجمعة (إ.ب.أ)

قوائم تتسابق للتسجيل في الانتخابات التشريعية الفلسطينية

تسابق ممثلو قوائم انتخابية لمقر لجنة الانتخابات التشريعية لتسجيل طلباتهم، في مشهد غاب لعقدين من الزمن عن الفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها في المؤتمر الثامن للحركة بجامعة الأزهر في مدينة غزة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

فتح باب الترشح للانتخابات الفلسطينية يربك فصائل غزة

تصر حركة «فتح» على المضي بالانتخابات، وهو أمر أكده الرئيس الفلسطيني، محمود عباس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إيران تعدم رجلين بتهمة قتل عناصر أمن خلال احتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
TT

إيران تعدم رجلين بتهمة قتل عناصر أمن خلال احتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)

ذكرت «شبكة أخبار الطلبة» أن إيران أعدمت اليوم الأربعاء رجلين أدينا بالاضطلاع بدور في قتل أربعة من أفراد قوات الأمن خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2026 في مدينة مشهد شمال شرق البلاد.

وأفادت الشبكة بأن المحكمة العليا الإيرانية أيدت حكمي الإعدام الصادرين بحق الرجلين، ونفذ الحكمان بعد استكمال الإجراءات القانونية.


طهران تنتظر رد واشنطن... وتهدد جيرانها

صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
TT

طهران تنتظر رد واشنطن... وتهدد جيرانها

صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)

تترقب إيران رداً أميركياً على مقترحها لإعادة فتح مضيق هرمز، بعد محادثات أجراها الوسطاء مع الطرفين في نيويورك الاثنين. ويأتي ذلك في وقت حذّرت طهران من أن البنى التحتية في المنطقة لن تكون في مأمن.

وأفاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد لقائه وسيطاً قطرياً قبل مغادرة نيويورك أمس، بأن الاتصالات عبر الوسطاء باتت «أكثر جدية»، معرباً عن أمله في تلقي الرد الأميركي خلال وقت قصير (بحلول أمس الثلاثاء). وشدد على أن مواقف طهران لم تتغير. وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، إن الجهود تتركز على «بناء أرضية مشتركة» و«جسر الفجوة».

ونفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يكون عرض تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة لإنهاء الحرب مقابل خطوات نووية، قائلاً: «لم أعرض عليهم شيئاً».

وفيما بدا تهديداً للدول المجاورة، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: «في المنطقة التي لا نبيع فيها نفطنا، لن يبيع أحد نفطاً، وإذا لم يتحقق أمننا فلن تكون أي بنية تحتية في مأمن»، متوعداً بردّ «قاسٍ ودقيق وسريع» على أي «اعتداء أو مغامرة».

بدوره، قال برايان كاتوليس، من «معهد الشرق الأوسط» في الولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن البلدين في «اختبار إرادات». ورأى فرزين نديمي، من «معهد واشنطن»، أن ورقة هرمز تراجعت ولم تختفِ، فيما رجّح باراك بارفي، من مؤسسة «نيو أميركا»، أن استئناف القتال بات أقرب من إنهائه. (تفاصيل ص3-4) روسيا تعارض خروج إيران من «معاهدة حظر الانتشار»


ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)

أعاد نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لتخفيف العقوبات عن إيران مقابل تنازلات نووية الغموض إلى وساطات تبحث عن أرضية مشتركة بين واشنطن وطهران. وبين إشارات أميركية عن مرونة تفاوضية، وتمسك إيراني برفع الحصار واستعادة العائدات النفطية، يتجاوز الخلاف مضمون التسوية إلى ترتيب تنفيذها: من يقدم التنازل أولاً؟ وبأي ضمانات؟

ويتزامن هذا التعثر مع تحسن تدفقات النفط من المنطقة واستعادة مسارات تتجاوز مضيق هرمز، بما يمنح واشنطن هامشاً لمواصلة الضغط.

لكن التهديد الإيراني باستهداف البنية التحتية يضع حدوداً لهذا الرهان، ويثير سؤالاً موازياً: هل يؤدي إضعاف ورقة الملاحة إلى تسهيل الاتفاق، أم يدفع المواجهة نحو منشآت الإنتاج والتصدير؟

إيرانيون على دراجات نارية يمرون أمام صواريخ وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين وعلماء نوويين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية بطهران الاثنين (أ.ب)

نفي يضاعف الغموض

بعدما نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين استعداد ترمب لتخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل خطوات ملموسة في الملف النووي، نفى الرئيس هذه التقارير وعدّها غير صحيحة.

وجاء التناقض بينما كان وسطاء قطريون وباكستانيون يحاولون تقريب المواقف عبر اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومسؤولي الإدارة الأميركية.

وعدّ مسؤول أميركي المحادثات غير المباشرة بأنها إيجابية وبناءة، مشيراً إلى مرونة إيرانية حيال القضايا النووية، لكنه شدد على استحالة الاتفاق دون معالجتها.

وفي السياق نفسه، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن مسؤول إيراني أن عدم استقرار موقف ترمب يصعب تحديد ما يمكن لواشنطن قبوله وتحويل النقاشات إلى ترتيب عملي.

عناصر من «الباسيج» يحملون نماذج لصواريخ خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ولا يثبت النفي وحده انهيار الاتصالات أو إغلاق باب تخفيف العقوبات مستقبلاً، لكنه يترك الوسطاء أمام فجوة بين ما ينقله المسؤولون وما يعلنه ترمب، ويصعب تثبيت المقابل الاقتصادي الذي تطلبه طهران.

ويصف برايان كاتوليس الباحث في معهد الشرق الأوسط، تصريحات ترمب، بأنها «من دون معنى تقريباً»، عادّاً أن محاولة تحليل كل موقف آني لا تفيد كثيراً، لأن قليلاً مما قاله منذ اندلاع الحرب يرتبط بالواقع، وفق تقديره.

ويرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن البلدين ما زالا في مواجهة واختبار إرادات، يظهر ذلك في التصريحات، بينما يجسدهما التحرك الميداني ومساعي التوصل إلى اتفاق.

التفاهم وعقدة التنفيذ

تتقاطع المقترحات عند الحاجة إلى خفض التصعيد وإعادة انتظام الملاحة وإبقاء المسار التفاوضي مفتوحاً، لكنها تختلف في نقطة الانطلاق. فطهران تريد أولوية لرفع الحصار وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول، بينما تتمسك واشنطن بخطوات نووية ملموسة، وترفض تقديم مكاسب اقتصادية كبيرة مقابل وعد باستئناف التفاوض.

وتتحدث مصادر دبلوماسية عن أن الوسطاء يعملون على إحياء إطار «تفاهم إسلام آباد»، الذي تناول وقف العمليات العسكرية، والملاحة، والملف النووي، والعقوبات. وأعقبته محادثات في سويسرا أفضت إلى لجنة سياسية ومجموعات عمل وآليات للمراقبة وتسوية النزاعات وخط اتصال لتجنب سوء التفاهم.

وتستند أهمية العودة إلى هذا الإطار إلى وجود بنية تفاوضية سابقة، لكن تجدد المواجهة كشف أن إنشاء اللجان لا يضمن احترام الالتزامات. ويتهم مسؤول أميركي نقل عنه «أكسيوس» إيران بخرق التفاهم السابق عبر إطلاق النار على سفن تجارية في يوليو (تموز)، وهو اتهام يزيد تشدد واشنطن بشأن الضمانات.

أما المقترح الإيراني الأخير فيربط إعادة فتح مضيق هرمز بوقف القتال لمدة 7 أيام وتلبية مطالب اقتصادية وأمنية، بينها إنهاء الحصار. وتخشى الإدارة الأميركية أن تقدم تنازلات مسبقة بينما تحتفظ طهران عملياً بقدرة على التحكم بالممر.

لذلك، تبدو المعضلة متعلقة بالتزامن والتحقق بقدر تعلقها بالأهداف: كيف تربط كل خطوة اقتصادية بإجراء أمني أو نووي قابل للفحص؟ وهذه حاجة تحليلية تفرضها الخلافات، وليست آلية متفقاً عليها.

ويخلص الباحث كاتوليس في هذه النقطة للقول إن غياب الثقة يجعل تصور اتفاق قريب أمراً صعباً.

النفط يغير الحسابات

في موازاة التفاوض، قد يبدل تحسن الصادرات النفطية عبر المسارات البديلة حسابات الاستعجال. وأوردت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن صادرات كبار منتجي الشرق الأوسط في سبتمبر (أيلول) قدرت بنحو 16.328 مليون برميل يومياً، بينها 9.719 مليون عبر هرمز. والفصل بين الرقمين ضروري: تعافي إجمالي الصادرات لا يعني عودة المضيق إلى وضعه الطبيعي، ولا زوال أخطار الإمدادات.

أشخاص يقودون مركباتهم قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

ويرى فرزين نديمي كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن، أن هذه المسارات تقلّص ورقة هرمز بدرجة كبيرة، لكنها لا تحسمها. ويشير في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية تنقل بالفعل حصة كبيرة من نفط البلدين بعيداً عن المضيق، وأن توسعات مقررة خلال 2027 - 2029 قد تتيح تجاوز هرمز لكميات تعادل نحو 60 في المائة من تدفقاته النفطية المعتادة، وفق تقديره.

ويضيف أن الأسواق تكيفت، فلم يعد الإغلاق يحدث الصدمة العالمية التي تسعى إليها طهران. لكن صادرات الكويت والغاز الطبيعي المسال القطري ومعظم الصادرات العراقية تبقى معرضة للخطر، فضلاً عن قابلية استهداف البنية التحتية البديلة؛ ولذلك تراجعت الورقة الإيرانية ولم تختفِ.

ويؤكد نديمي أن العقوبات والحصار البحري لم يكفيا بعد لفرض تنازلات نووية حقيقية ودائمة. فالضغط المالي فعلي، لكن النظام تحمّله حتى الآن، وإن كان اشتداده قد يغيّر ذلك. وتحدّ القدرة المتبقية على التعطيل والتصعيد وتحمل الألم الاقتصادي من فاعلية الاستراتيجية، بما يضيّق خيارات طهران على المديين القصير والمتوسط دون إجبارها وحده على التنازل.

ضغط من دون حسم

جاء تحذير رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الثلاثاء، ليكشف هذا الجانب من المواجهة. فقد ربط أمن البنية التحتية الإقليمية بضمان أمن إيران، مهدداً بأن منعها من بيع النفط سيمنع الآخرين أيضاً. ويشير التهديد إلى أن تراجع فاعلية تعطيل الملاحة قد يقابله توسيع نطاق الأهداف المحتملة.

وفي هذا السياق، يرى باراك بارفي الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ترمب يبدو مسلّماً بتعذر التوصل إلى اتفاق في الظروف الراهنة، ويتجه نحو استئناف القصف بعد الانتخابات النصفية، حين تتراجع الضغوط الداخلية عليه.

ويعد أن الإيرانيين توصلوا إلى الخلاصة نفسها من موقع معاكس: فتعطيل هرمز فقد فاعليته، في تقديره، بينما يزيد الحصار الأميركي الضغط على طهران. ولذلك، يرجّح أن الطرفين باتا يدركان أن استئناف الأعمال القتالية هو الاحتمال الأقرب حالياً، لا إنهاء القتال.

لكن في المقابل، لا يعني التلويح الإيراني برفع التكلفة على دول الجوار أنه لن يعرضها لرد أوسع نطاقاً، وقد يوسع دائرة الدول المعارضة والمستعدة للتصدي لهذا التصعيد. وبدلاً من تخويف دول المنطقة قد يدفها ذلك إلى الرد وتصعيد المواجهة. ومع ذلك، لا تعني زيادة الضغوط الاقتصادية تلقائياً استعداد النظام الإيراني لتنازلات نووية أو اقترابه من الانهيار.

ويرى ماثيو غولد الدبلوماسي البريطاني السابق في مقالة رأي في «واشنطن بوست»، أن تغيير النظام يتطلب، إلى جانب الاحتجاجات المستمرة، تصدع الأجهزة الأمنية والنخبة الحاكمة، وأن القصف والتشجيع الأميركي وحدهما لا يكفيان.

وتبقى مهمة الوسطاء تحويل الضغط إلى التزامات متبادلة قابلة للتنفيذ، قبل أن يصبح تحسن تدفق النفط سبباً لإطالة المواجهة، وتتحول التهديدات إلى جولة تصعيد جديدة.