«القاهرة للمسرح التجريبي» يراهن على الحرية في تناول القضايا الإنسانية

دورته الجديدة بمشاركة 14 دولة

العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)
العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة للمسرح التجريبي» يراهن على الحرية في تناول القضايا الإنسانية

العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)
العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)

يراهن مهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، في دورته الـ33، التي تنطلق خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر (أيلول)، على تقديم تجارب لا تكتفي بكسر القوالب التقليدية في صناعة العرض المسرحي، بل تستخدم التجريب بوصفه وسيلة للاقتراب من أسئلة الإنسان ومخاوفه وأحلامه وصراعاته. ويشارك في الدورة الجديدة 16 عرضاً تمثل 14 دولة، ضمن برنامج يجمع بين المسرح الدرامي، والرقص المعاصر، والمسرح الحركي والبصري، ومسرح الدمى، والعروض متعددة الوسائط، بما يعكس اتساع مفهوم التجريب الذي يتبناه المهرجان.

وتبدو القضايا الإنسانية أكثر حضوراً من التقنيات المسرحية وحدها؛ إذ تذهب العروض إلى مناطق تتصل بالحرية، والحلم، والسلطة، والعلاقات الإنسانية، والبحث عن الذات، وتمنحها اختلافات الثقافات والمدارس المسرحية طرائق متباينة في التعبير.

وتتضح هذه الرؤية في العرض السويسري «إيكارو» (Icaro)، الذي يأتي إلى القاهرة بعد مسيرة دولية طويلة، ويقدم تجربة تقوم على العلاقة المباشرة بين المؤدي والمتلقي. ولا يتعامل العرض مع الحرية بوصفها فكرة مجردة، بل يضعها في إطار تجربة شخصية تطرح أسئلة الأمل والحلم والهروب، من خلال شخصية إنسانية بعيدة عن صورة البطل التقليدي. ويجمع العمل بين المسرح والسيرك والحركة والصورة وفنون الأداء.

وفي المقابل، يذهب العرض المصري «سابع سما» إلى منطقة مختلفة، لكنه يلتقي مع «إيكارو» في جعل الإنسان محور الصراع. فالعرض يتابع «آدم»، الموظف الذي يشعر بالتهميش وعدم التقدير في عمله، قبل أن تأتي الترقية التي طالما حلم بها لتغيّر مسار حياته. ومع انتقاله إلى موقع أعلى، يبدأ في اكتشاف وجه آخر للسلطة، فيتحول تدريجياً إلى شخص أكثر قسوة واستبداداً، ويبتعد عن زوجته، ويقسو على من يعملون معه، وصولاً إلى فقدان كل ما كان يملكه.

سامح مهران خلال المؤتمر الصحافي (إدارة المهرجان)

ولا يقتصر حضور هذه الأسئلة على العروض المصرية أو السويسرية؛ إذ تضم المسابقة تجارب دولية عديدة تتقاطع مع الإنسان وعلاقاته وموقعه في العالم، مثل «أطفال اليوم» (Children of Today) من ألمانيا، و«حديقة الهسبيريدس» (The Garden of the Hespérides) و«تريبتكو – كلاسيكيات إسبانية» (TRÍPTICO – Spanish Classics) من إسبانيا، و«المذبحة الروحية» (The Spiritual Massacre) من جنوب أفريقيا، و«ليزا المسكينة» (Poor Liza) من روسيا، و«الذيل الأرجواني» (Purple Tail) من الصين، و«لعبة ليلية» (A Night's Game) من المملكة المتحدة، و«منذ البداية» (In the Beginning) من المجر، و«زهنيا + تانيا = حب» (Zhenya + Tanya = Love) من بيلاروسيا.

وتكشف عناوين هذه الأعمال وحدها عن اتساع المساحات التي تتحرك فيها الدورة، من العلاقات والحب إلى إعادة قراءة الأساطير والكلاسيكيات، ومن التجارب المرتبطة بالأجيال الجديدة إلى الأسئلة الأكثر قتامة حول الروح والإنسان.

ففي «تريبتكو – كلاسيكيات إسبانية»، على سبيل المثال، يصبح الاشتغال على الكلاسيكيات مدخلاً لإعادة النظر في علاقة المسرح المعاصر بتراثه النصي، في حين يحمل «زهنيا + تانيا = حب» العلاقة العاطفية إلى واجهة التجربة المسرحية، في تأكيد أن اختلاف اللغات والثقافات لا يلغي الأسئلة المشتركة بين البشر.

ويمتد هذا التنوع إلى القسم العربي، الذي يضم «غياهب الروح» من الإمارات، و«الناعشون» من السعودية، و«أنت منذ الأمس» من الأردن، إضافة إلى «لا موضي» من تونس، ضمن عروض الـ«Off Show»، في حين يمثل مصر عرضا «كتاب الموتى... الاسم المفقود» و«بماذا يحلم الناجون؟».

وخلال المؤتمر الصحافي الذي استضافته القاهرة مساء السبت، أُعلن تكريم كل من الفنان حمزة العيلي، والمخرج طارق الدويري، والفنان والسينوغراف محمد الغرباوي، والفنان حمدي حسين، والأكاديمي والباحث الدكتور عصام عبد العزيز، والفنانة عايدة فهمي، من مصر، إلى جانب المخرجة والمنتجة الأميركية الإيطالية باتريشيا لومباردي أكيرا، والمخرج البريطاني سكوت غراهام، والمخرج ومصمم الرقصات النيوزيلندي ليمي بونيفاسيو، والمخرجة اللبنانية لينا أبيض، والكاتب والناقد السوداني الدكتور يوسف عايدابي، والكاتب والمخرج الكويتي سليمان البسام، والفنان العراقي جواد الشكرجي، ضمن فعاليات المهرجان.

وقال رئيس المهرجان سامح مهران إن اختيار قائمة المكرمين جرى بعد مناقشات موسعة ومفاضلة بين مئات الأسماء التي تستحق التكريم، كلٌّ في مجاله، مشيراً خلال المؤتمر الصحافي إلى أنهم حرصوا على الإعداد المبكر للدورة الحالية من المهرجان، بما أسهم في إنجاز العديد من الفعاليات المصاحبة التي بدأت قبل انطلاق فعالياته.

كُشفت تفاصيل الدورة الجديدة من المهرجان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (إدارة المهرجان)

ويترأس لجنة تحكيم المهرجان الممثل المصري رياض الخولي، وتضم في عضويتها مهندس الديكور المصري محمد الغرباوي، والمخرج والباحث التونسي محمد منير العرقي، والمسرحي والكاتب البحريني خالد الرويعي، والمخرجة والمنتجة الأميركية باتريشيا لومباردي أكيرا، والفنان والمخرج الفرنسي - البوركيني حسان كاسي كوياتي، والمخرج والكاتب المقدوني ساشو أوغنانوفسكي.

ويصاحب عروض المهرجان برنامج فكري يمتد 6 أيام، بمشاركة باحثين وأكاديميين ونقاد ومسرحيين من مصر والعالم العربي وعدد من الدول، ويناقش قضايا عدّّة تتصل بالتجريب المسرحي وتحولاته وعلاقته بالجمهور والمكان والسياقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

وقال الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن إن الدورة الجديدة من المهرجان تحمل رؤية مبشرة، خصوصاً في ظل التنوع الواضح في العروض والفعاليات والأسماء المشاركة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا التنوع يمنح الدورة مساحة واسعة لعرض تجارب مختلفة في الشكل والرؤية، ويفتح المجال أمام حوار حقيقي بين أجيال ومدارس مسرحية متعددة»، لافتاً إلى أن المهرجان «من خلال اختياراته، يثبت قدرته على استعادة دوره بوصفه منصة تجمع التجارب المصرية والعربية والدولية، بدلاً من أن يظل مجرد مناسبة لعرض عدد من الأعمال المسرحية».


مقالات ذات صلة

«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

يوميات الشرق 4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)

«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

يضحك الجمهور على اختلال المواقف وعلى «حنظلة» الذي يُحاول تطبيق منطقه البريء في عالم تحكمه قواعد ملوَّثة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الموهبة أحياناً دون أقدام (أ.ب)

«الأميرة» تخطف الدور... أفعى تتألَّق على مسرح المتروبوليتان

يتعيَّن على الجميع تقريباً ممّن يعتلون خشبة المسرح في أوبرا المتروبوليتان بنيويورك خوض اختبارات الأداء؛ حتى الأفعى التي ستستحوذ لبرهة على صدارة المشهد...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق مسرحية «مش للكل» تُعرَض على مسرح «مونو» في بيروت (الشرق الأوسط)

«مش للكل» تطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل البشرية

الأهم هو أن نحافظ على علاقاتنا الإنسانية كي لا تندثر، فالمسرح يلعب دوراً أساسياً، إذ لا يزال يملك القدرة على جمع الناس ومدِّ جسور التواصل بينهم.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)

«حديقة الهيسبيريديس» تقرّب بين الثقافتين الإسبانية والمغربية

ينافس العرض المسرحي الإسباني «حديقة الهيسبيريديس» على جوائز المسابقة الرسمية في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

قد يبدو اسم «الناعشون» للوهلة الأولى ذا وقع صادم، إلا أنه بمجرد أن يُسدل الستار على أحداث العمل يوقن المشاهد أنه الأنسب.

رشا أحمد (القاهرة )

الشاهد على فظائع صيدنايا... دخلَهُ معتقلاً وخرج مع فيلم عن أسوأ السجون

يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
TT

الشاهد على فظائع صيدنايا... دخلَهُ معتقلاً وخرج مع فيلم عن أسوأ السجون

يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)

في الميكروباص المتّجه من دمشق شمالاً، خمسة رجال ينظرون من النوافذ إلى البعيد. داخل الآليّة الصغيرة التي تُقلّهم، يتّسع بهم المكان ويُبهِرُهم ضوء النهار، فهُم اليوم أحرار. أمس فقط كانوا من نزلاء صيدنايا، أسوأ المعتقلات سُمعةً وأدناها إنسانيةً عبر التاريخ؛ السجن الذي حلموا فيه بلفتةٍ نحو السماء وكانوا كلّما لمحوا عصفوراً قالوا له: «نيّالك».

من الصعب أن تعود الضحية إلى المكان الذي شَهِد على عذاباتها، لكن هذا ما قرّر أن يفعله المعتقلون الخمسة السابقون. والعودة ليست عادية، فهي تدور وسط الدموع وذكرياتٍ دامية، تحت عين الكاميرا في فيلم وثائقي بعنوان «الجانب الآخَر من الشمس».

نال الفيلم الجزء الأكبر من الدعم من صندوق البحر الأحمر (صور المخرج)

يوم تجرّأت دمشق على الوقوف في وجه حاكمها مطلع 2011، مشى توفيق صابوني في المظاهرات رافعاً هاتفه وموثّقاً الاحتجاجات. الشاب الحالم بأن يصبح صانع أفلام، كان يكتفي حينها بدراسة الحقوق لأنّ الظروف لم تسمح بتحقيق الحلم. سرعان ما وجد في توثيق الحَراك السوري شغفه وقضيته، إلّا أنّ النقلة كانت سريعةً إلى ما وراء القضبان.

في سجن صيدنايا، المعروف بأنه ينافس كل سجون العالم وحشيّةً، جُرّد صابوني من كل شيء. لم يبقَ معه سوى عينَيه وذاكرته لتسجيل ما يرى، ووعدٍ لنفسِه بأن ينقل الصورة إلى العالم إذا ما خرج حياً.

حصد الفيلم 3 جوائز في مهرجان عمّان السينمائي (صور المخرج)

«في 8 ديسمبر (كانون الأول) بشّار الأسد هرب وأبواب السجون اللي ضلّت مسكّرة أكتر من 53 سنة فتحت. رجعتْ صوّر بالمكان اللي انحبست فيه لأني كنت عم صوّر». بهذه الكلمات يفتتح توفيق صابوني فيلمَه، بينما يداه تركّبان مجسّماً لسجن صيدنايا بزنازينه المعتمة، ومَهاجعه الرطبة، وغرفِ التحقيق المضرّجة جدرانها بالدماء، ومَراوح الهواء الصدئة التي كانت صلة الوصل الوحيدة بين المساجين والعالم.

بعد خروجه من المعتقل في 2012، عزمَ صابوني على مغادرة سوريا. سافر إلى بلجيكا حيث استقرّ ونال شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي. «عام 2022 كان قد اكتمل نص الفيلم عن تجربتي في صيدنايا وبدأ البحث عن التمويل»، يخبر المخرج السوري «الشرق الأوسط». «كان من المفترض أن يجري التصوير في استوديو في بروكسيل. ثم فجأةً سقط نظام الأسد نهاية 2024 وأسقط معه الرؤية التي كنّا قد وضعناها للفيلم».

وبما أنّ أبواب السجون فُتحت مع رحيل الأسد، بات من الحتميّ الانتقال إلى دمشق وسلوك درب صيدنايا مرةً جديدة، لتوثيق الشهادات من قلب المكان الذي ما زال مسكوناً برائحة المعتقلين الضحايا، وفق تعبير صابوني.

بعد أربعة أشهر على سقوط النظام، فُتحت أبواب صيدنايا أمام خمسة من معتقليه السابقين، وصابوني واحدٌ منهم. يكفي أن يروا المبنى – الشبَح، حتى ينهار بعضُهم باكياً مستذكراً شقيقاً أو صديقاً قضى هنا تحت التعذيب والتجويع والإهمال.

على ضوء الهواتف، يدخلون إلى زنازينَ أمضوا فيها أياماً وليالي ظنّوها لن تنتهي. «هنا مشيت فوق بركة دم»، «في هذا الحمّام الضيّق كانوا يكدّسوننا عراة فوق بعضنا»، «هنا رُميت جثة رفيقنا أرضاً بعد أن مات وهو يصارع السلّ»... تكُرّ المَشاهد أمام عيون المعتقلين السابقين.

في دهاليز سجن صيدنايا وبين مهاجعه التي تحولت إلى غرف تعذيب (صور المخرج)

في صيدنايا وسائر المعتقلات السورية، لطالما تكرّرت عبارةٌ على ألسِنة السجّانين والجلّادين؛ «رح ودّيك ورا الشمس». سمعَها صابوني خلال إحدى جلسات التحقيق، بل الضرب. من هنا جاء عنوان الفيلم، «الجانب الآخر من الشمس»، وهو جانبٌ لا يعرفه إلّا مَن عبروا في صيدنايا وقذفهم التعذيب والظلم والتجويع إلى أقصى الألم والمهانة والذلّ، فما عادوا يبصرون سوى الظلام.

مستعيناً بدميةٍ بحجم إنسان، يجسّد الوثائقي الحال التي يصل إليها السجين بعد قضائه أسابيع في صيدنايا. هي أشبَه بجثّةٍ متحرّكة، يشي لونها الترابي وعظامها النافرة ونظراتُها الفارغة بالموت الذي أصابَ روحها. «هذه الشخصية هي البطل الفعلي للفيلم»، يقول صابوني. تتكاثر تلك الدمية لتصبح كل المساجين الذين عبروا: «هي تحية للمعتقلين المغيّبين ولأرواح من قضى منهم خلال نصف قرنٍ من عمر السجن»، يضيف المخرج.

الدمية التي تجسّد السجين هي البطل الحقيقي للفيلم (صور المخرج)

بعفويّةٍ تامة ومن دون إعدادٍ تمثيليّ، يستعيد المعتقلون السابقون أفظع ما رأوا واختبروا في صيدنايا. «هنا قُتل سجين أمام عيون الجميع لمجرّد أن يعلّم السجّان رئيسَ المهجع كيف يُخرج جثّة منه»، «وفي هذا المكان اقتلع السجّان عين أحد رفاقنا فقط لأنه تجرّأ على النظر إليه»، «في هذا الحمّام كان يُرمى الطعام عمداً فنبقى أياماً على معدة فارغة». يروي المعتقلون السابقون والدموع تسبقُ كلامهم، كيف أنّ ذويهم ما عادوا قادرين على التعرّف إلى ملامحهم لفَرط ما خسروا من وزنٍ بسبب التجويع.

ثمّ يتّخذون وضعيّة القرفصاء برؤوسٍ تكاد تلامس الأرض، ويهرعون في طابورٍ سريع إلى الحمّام حيث الاستحمام لدقيقةٍ واحدة، بالمياه الباردة شتاءً والساخنة صيفاً.

بعفويّة تامة ومن دون إعداد تمثيليّ يستعيد المعتقلون أفظع ما اختبروا في صيدنايا (صور المخرج)

رغم وحشيّة ما قاست شخصيات الوثائقي وما عاينت عينا المخرج، فإنّ صابوني لم يغلق الزنازين بالكامل في وجه الإنسانيّة. أفردَ مساحةً للحب، والخيال، والمقاومة. هذه هي المفاتيح التي استندَ إليها كي يشقّ طاقةَ ضوء فلا يتحوّل فيلمه إلى مرثيّة. وتأتي الموسيقى التصويرية من تأليف سامي أبو لوح لتُكمّل اللغة السينمائية الإنسانيّة التي اعتمدها المخرج. أمّا وحدة الحال والألفة الناشئة بين معتقلي صيدنايا فيُترجمُها رفاق صابوني بإحساسٍ عالٍ، عندما يسترجعون مشاهد كاحتضان بعضهم للتخفيف من وطأة البرد، أو كتخزين قِطَع صغيرة من الحلاوة من أجل تَقاسُمِها في لحظات الجوع الحالك.

من عرض الفيلم الوثائقي في مهرجان عمّان السينمائي (الشرق الأوسط)

من المستبعد أن يُشاهد سجّانو صيدنايا فيلم «الجانب الآخر من الشمس»، وهو حتماً لن يصل إلى بشّار الأسد في منفاه، لكنّ صابوني يريدُ عمله التوثيقيّ للناس أوّلاً، أي لضحايا النظام السابق. «لا تتحقّق العدالة من خلال فيلم، بل عندما ترى الأمّ التي عُذّب ابنُها في صيدنايا، الجلّاد وهو يُعاقَب خلف القضبان».

ينظر صابوني إلى فيلمه على أنه وثيقة مُساعِدة في تحقيق العدالة، وشهادة للتاريخ. أما الأهم بالنسبة إلى المخرج الصاعد والمعتقل السابق، أن يكون «الجانب الآخر من الشمس» فعلَ مقاومة ضدّ النسيان؛ لأننا شعوبٌ اعتادت أن تنسى آثار السياط على أجسادها والندوب في أرواحها.


كارمن بصيبص لـ«الشرق الأوسط»: سرتُ في طريقي ولم أتأثّر بما يدور حولي

حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)
حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)
TT

كارمن بصيبص لـ«الشرق الأوسط»: سرتُ في طريقي ولم أتأثّر بما يدور حولي

حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)
حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)

الممثلة اللبنانية كارمن بصيبص لا تشبه سواها في الوسط الفنّي. وكما تقول لـ«الشرق الأوسط»، سارت منذ بداياتها في طريقها من دون الاكتراث كثيراً بما يجري حولها. وضعت أهدافها أمامها ومضت بخطوات ثابتة، رافضةً أن تحيد عن قناعاتها. وعندما نقول لها إنها تبدو مختلفة عن غيرها، تردّ: «لا أعتقد. كلّ ما في الأمر أنني حاولتُ تفادي أي تلوّث قد يعترض طريقي. لم أقبل العمل تحت ذريعة (من المفروض)».

وتشير بصيبص، التي حصدت جائزة «موركس دور» أفضل ممثلة لبنانية في دور أول، إلى أنها اكتشفت «اللعبة الفنية» منذ بداياتها، وأدركت حيثياتها ومخاطرها، فاختارت التعامُل معها وفق قناعاتها: «أسلوبي هذا وفَّر عليّ كثيراً من المطبّات، فحققتُ النجاح وحصدت محبّة الناس، وهذا يكفيني».

وتعدّ جائزة «موركس دور»، التي حصدتها عن مسلسل «ليل»، الأولى التي تحظى بها في مشوارها. فهل ترى أنّ هذا التكريم جاء متأخراً؟ تردّ: «لا أفكّر وفق هذه المعادلة، وأشكر الجهة التي قدَّمتها لي. دور (ورد) في (ليل) أتعبني كثيراً، وجميل تلقّي هذا التقدير عنه».

تقول إنها منذ بداياتها شقّت طريقها بعيداً عن أيّ تأثيرات خارجية (إنستغرام)

ولكن دورها في «عروس بيروت» كان أيضاً من أجمل ما قدّمته. تُعلِّق: «هذا المسلسل جزء من قلبي. وكان أول عمل معرّب يُعرض على الشاشة، كما أنه حصد جائزة الجمهور حينها. ما يهمّني في ذلك أن أعمل ما يناسب تطلّعاتي وطموحي. لا أعمل بهدف حصد الجوائز، ولا بهدف الانتشار، وإلا لاتّبعتُ أسلوباً آخر».

وتتحدّث عن شخصية ورد في «ليل»، وتصفها بأنها ذات تركيبة صعبة؛ إذ تجسّد امرأة تعرّضت للاعتداء من أقرب الناس إليها، مما ترك جرحاً عميقاً في روحها، خصوصاً أن أحداً لم يصدّق روايتها، حتى والدها وحبيبها. وهكذا تألّفت الشخصية من طبقات، بينما كان هاجسها الأساسي تأمين حياة آمنة لابنتها: «تتمتّع بنضج امرأة مُحاربة عانت وحدها. وعلى مدى 90 حلقة، أخذتني إلى عالم من الحزن والقسوة. لم يكن من السهل أبداً التعامل مع الدور».

وتشير إلى أنّ تجسيدها له تزامن مع ولادة ابنتها، فاضطرت إلى الانتقال برفقتها وزوجها إلى تركيا 9 أشهر للتصوير. وعن الفرق بين تجربتها الأولى في «عروس بيروت» والثانية في «ليل»، تقول: «الفرق كبير. الأولى كانت عفوية وتعي أحلامها، بينما تطلَّبت الثانية العمق والثبات والنضج. أرهقني الدور، وعندما انتهيت من التصوير تنفّستُ، كأنني أزحت ثقلاً كبيراً عن كتفيّ. كنت أتوق إلى العودة إلى حياتي الطبيعية، لأنها وضعتني باستمرار في أجواء درامية حزينة».

كارمن بصيبص مع الممثل وسام فارس في مسلسل «ليل» (إنستغرام)

وترى بصيبص أنّ الأعمال المعرّبة تبقى ظاهرة ناجحة ما دامت تحظى بإقبال كبير من المُشاهد العربي. وتجد أن هذا النوع من الأعمال، المعروف بـ«سوب أوبرا»، قد يشوبه التكرار والتطويل، وإنما ذلك جزء من ركيزته. كما أنّ حضوره على الساحة يُسهم في التنوّع إلى جانب الأعمال الرمضانية والمحلّية والمشتركة. وتقول: «التنويع ضروري، والناس تحتاج إلى الترفيه والابتعاد عن همومها. وعندما تتضمَّن الأعمال المعرّبة موضوعات مهمّة، فإنها تُحقق أهدافها وتوفّر فرص عمل لعدد كبير من الممثلين».

أما الإنتاجات الدرامية المحلّية، فتعدّها فخراً للبنان، لكونها تضمّ أهم عناصر الدراما، وتُبرهن على قدرات الممثلين والمخرجين وطاقاتهم الإبداعية والاجتهادية. وقد شاركت في أحدها «البريئة»، مع شركة «إيغل فيلمز»، وهو عمل تحبّه واستمتعت بتنفيذه.

وعمّا إذا كانت تطمح إلى لعب دور في عمل كوميدي، تقول: «أحب الكوميديا ومنفتحة عليها، ولكن لا يمكن الاستخفاف بها بتاتاً. لذلك يجب أن تستند إلى أشخاص يحترفون صناعتها وأثق بقدراتهم. كما أنّ مخرج هذا النوع من الأعمال يجب أن يكون محترفاً فيمنع الخطأ. نحتاج اليوم إلى أعمال كوميدية أكثر من أيّ وقت».

وعندما تستعيد شريط حياتها المهنية، تقول: «لم أكن ناضجة كما اليوم. لم أكن أستطيع تقدير الأمور كما يجب. ولكن في المقابل، هناك مشاريع كثيرة خضتها منذ بداياتي وكانت ناجحة، وبينها ما أفتخر به».

تطمح إلى خوض تجربة في عمل كوميدي (إنستغرام)

وفي فيلم «غاب القط»، ظهرت كارمن بصيبص ضيفةَ شرف. ألم يزعجها الانتقال من البطولة إلى هذه المساحة؟ تجيب: «لا. كثيرون من نجوم مصر شاركوا فيه ضيوفَ شرف. يومها طلبت مني صديقتي، مخرجة الفيلم، المُشاركة من هذا الباب، ورأيتُ في هذه التجربة تجديداً لمسيرتي، واستمتعت كثيراً».

حالياً، تقرأ كارمن نصَّ عمل جديد تتكتّم على تفاصيله، مكتفيةً بالقول إنه لبناني. لكنها أكدت أنه لم يُعرض عليها أيّ عمل رمضاني بعد، وتوضح: «قرأت نصّاً لم يقنعني، فاعتذرت عن عدم المشاركة. أتعمّقُ في خياراتي وأستشير مَن هم حولي. من الصعب أن نتّخذ قرارات وحدنا، فقد لا ندرك مدى صوابها».


«عيد الفلّاح»... هل أنصفت الأغاني والأفلام أبناء الريف بمصر؟

فيلم الأرض أكثر الأفلام التي عبرت عن الريف المصري (فيسبوك)
فيلم الأرض أكثر الأفلام التي عبرت عن الريف المصري (فيسبوك)
TT

«عيد الفلّاح»... هل أنصفت الأغاني والأفلام أبناء الريف بمصر؟

فيلم الأرض أكثر الأفلام التي عبرت عن الريف المصري (فيسبوك)
فيلم الأرض أكثر الأفلام التي عبرت عن الريف المصري (فيسبوك)

قبل 74 عاماً مع صدور قوانين الإصلاح الزراعي في مصر عام 1952، والقضاء على الإقطاع، وإعادة توزيع الأرض على الفلاحين، تغيرت النظرة النمطية للفلاح في المجتمع المصري، وجاء هذا التغيير متسقاً مع التوجه الذي أعلنته ثورة 1952، بضرورة الاهتمام بالفلاح، وإعطائه حقه، وتمكينه من أرضه، وهو التوجه الذي انبرى لمساندته ودعمه ونشره نجوم الفن في السينما، والإذاعة، والأغاني، وفيما بعد في التلفزيون.

وما زالت الأعمال الدرامية والسينمائية حتى اليوم تتناول الريف المصري، كما ظهر من قبل في أغانٍ مثل: «يا حلاوة أم إسماعيل في وسط عيالها» لـ«فنان الشعب» سيد درويش، أو «محلاها عيشة الفلاح» لأسمهان، أو أغنية «فلاح كان فايت بيغني من جنب السور» لشريفة فاضل، أو أعمال عبد الحليم حافظ مثل: «بالأحضان» و«صورة» و«إحنا الشعب»، وأغنية أنغام الشهيرة «الأرض». وهناك أيضاً كثير من الأعمال السينمائية الشهيرة التي انطلقت من مجتمع القرية، مثل: «البوسطجي»، و«الزوجة الثانية»، و«الحرام»، و«الأرض» أحد أهم أفلام يوسف شاهين. وفي الأخير ظهرت صورة أبناء الريف بطريقة تبدو كوميدية ساخرة في الفيلم الأحدث «السادة الأفاضل».

وزارة الزراعة تحتفل بعيد الفلاح (وزارة الزراعة المصرية)

وخلال الاحتفال اليوم بالذكرى 74 لعيد الفلاح المصري، هل أنصفت الأغاني والسينما والدراما أبناء الريف، وقدمتهم بالصورة التي يستحقونها؟ سؤال يجيب عنه نقيب الفلاحين، حسين أبو صدام، بالقول: «الأغاني والأفلام التي كانت تهتم بالفلاحين، وترصد حياتهم وقضاياهم تراجعت إلى حد كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «من قبل كنا ننتظر مسلسل سر الأرض كل جمعة، وهو ما لم يعد يحدث، لكن مع التطور الجديد يجب أن تكون الرؤية مواكبة للواقع، لأن الفلاح اليوم ليس هو فلاح فيلم (الأرض)، بل أصبح متمدناً، ومتطوراً إلى حد كبير».

لقطة من فيلم «أدهم الشرقاوي» (يوتيوب)

وأشار إلى أن «بعض الأفلام أو الدراما اعتادت تقديم صورة الفلاح باعتباره الشخص المرهق الذي يعاني دائماً، وهو أمر غير واقعي، كما أن هناك بعض النوادي أو الأماكن التي تمنع دخول الفلاح بجلبابه البلدي، رغم أنه زي مصري أصيل، وهذه الصورة النمطية يجب أن تتغير، ويجب الاهتمام برصد حياة الفلاح الجديدة، فمنذ أغنية (محلاها عيشة الفلاح) لم نسمع أغنية، أو نرى مادة بهذا الجمال عن الفلاحين».

وطالب أبو صدام بتغيير صورة الفلاح في السينما، والأغاني، والدراما، لترغيب الفلاحين، وتحفيزهم للقيام بدورهم في المجتمع، وهو الدور المركزي لحفظ الأمن الغذائي، والاعتداد بالوطن، والانتماء، لأنه يعرف قيمة الأرض التي يعيش عليها. وبمناسبة عيد الفلاح، توجه وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري، علاء فاروق، بالتهنئة إلى جموع الفلاحين والمزارعين في مختلف المحافظات، مؤكداً تقدير الدولة الكامل لجهودهم، وعطائهم الممتد في إنتاج وتوفير احتياجات المواطنين من السلع، والمنتجات الغذائية الأساسية. وأضاف في بيان للوزارة، الأربعاء، أن المزارع المصري أثبت حرصه الدائم على استقرار الأسواق، واستمرار الإنتاج رغم التحديات الاقتصادية، والتقلبات المناخية المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، والعالم.

اهتمام مصري بعيد الفلاح (وزارة الزراعة المصرية)

من جانبه، يرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «هناك اهتماماً بأفلام الفلاحين، ورصد واقعهم بصور درامية مختلفة في السينما، والدراما»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن الفلاحين موجودون في الفن بصورة مناسبة، وملائمة أكثر حتى من الصعايدة، ربما المظلومون في هذا الأمر هم أهلنا من البدو»، ويتابع: «مسألة الإنصاف قد تكون كبيرة بعض الشيء، ويصعب قياسها، لكن لا أحد ينكر أن الأفلام قدمت الفلاح بطريقة جيدة، لكن الأغاني قليلة، وأشهرها (محلاها عيشة الفلاح)، ونلاحظ أنها الأغنية الوحيدة التي اجتمع فيها بيرم التونسي وعبد الوهاب».

وتظل في ذاكرة السينما المصرية أعمال راسخة، مثل أفلام: «زينب»، و«المواطن مصري»، و«شيء من الخوف»، ومسلسلات مثل: «البراري والحامول»، و«الوتد»، و«الناس في كفر عسكر»، و«الوسية»، وأغانٍ متنوعة من بينها أعمال ترصد الفولكلور الفلاحي مثل: «ماتجيب لي شيكولاته» لسعاد حسني، وأغاني فرقة الفلاحين، خصوصاً خضرة محمد خضر، وفاطمة سرحان.

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «ثورة يوليو (تموز) عام 1952 أنصفت الفلاح إلى حد كبير، ومن هذا الإنصاف ركزت عليه القوى الناعمة ممثلة في السينما، والأغاني، ومن بعد ذلك التلفزيون، فوجدنا كثيراً من الأعمال المهمة التي تحتفي بالفلاحين، وترصد واقعهم، ومجتمع أبناء الريف بصورة إيجابية، واحتفالية، كما رأينا عند شريفة فاضل وأغنيتها الشهيرة (فلاح كان فايت بيغني من جنب السور)، وغيرها من الأعمال المشابهة التي انتصرت للفلاح، ووضعته في صدارة المشهد»، ويضيف سعد الدين لـ«الشرق الأوسط»: لكن مع الوقت تراجع حضور الفلاح في الأعمال الفنية، وإن كان بدأ يظهر بشكل عابر، مثل أوبريت الليلة الكبيرة الذي تغنى للفلاحين، والصعايدة، ومثل بعض الأعمال القليلة في السينما، أو الدراما، لكنها لم ترصد تطورات صورة أبناء الريف، ولم تركز عليهم مثلما كان الأمر مع بدايات ثورة 1952».