لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

فئات استفادت بشكل فوري وأخرى استثناها القانون أبرزها تجار المخدرات

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
TT

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

لم يكن قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني يوم الأربعاء، مجرد خطوة تشريعية لإطلاق آلاف السجناء أو إسقاط عقوبات، بل شكّل اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على التوفيق بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية من جهة، وعدم تحويل العفو إلى غطاء للإفلات من العقاب من جهة أخرى، خصوصاً بعد حالة الاعتراض التي أبدتها جهات سياسية ونيابية، وصفته بأنه «طائفي ومذهبي وغير متوازن».​

الاستثناءات... بين موقوفين ومحكومين

تكتسب الاستثناءات التي نص عليها القانون أهمية كبرى، لكونها ترسم حدّاً فاصلاً بين الجرائم التي لا تسمح الدولة بإسقاط الملاحقة أو العقوبة عن مرتكبيها، خصوصاً تجّار المخدرات وسارقي المال العام، وبين موقوفين ومحكومين طالهم الظلم وآن أوان إنصافهم، علماً بأن مراجع قانونية عليا لا تخفي «الالتباس الكبير بين جرائم شمل العفو العام مرتكبيها وسيعودون إلى الحريّة قريباً، وجرائم أخرى أدرجت في صلب الاستثناءات ومنع على الملاحقين بموجبها الاستفادة من هذا العفو».

وبقدر النتائج الإيجابية لشمول القانون جرائم استفاد منها مرتكبوها، وأسقط الدعوى العامة عنهم وحذف العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها، ثمّة أهمية كبرى للجرائم التي استثناها العفو العام وأبقى محاكمتهم سارية المفعول، وأبرزها: الجرائم المحالة على المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد والقصدي، وجرائم الإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية، وجرائم الخيانة والتجسس والتعامل غير المشروع مع العدو.

رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من النواب خلال الجلسة التشريعية (الشرق الأوسط)

جرائم المخدرات

يبرز في هذا السياق الاستثناء الأهم لجرائم المخدرات، لا سيما حالات التكرار، وهو استثناء يعكس تشدداً تشريعياً تجاه الجرائم التي ينظر إليها على أنها لا تمس فرداً أو مجموعة محددة فحسب، بل ترتبط بأمن المجتمع وصحة أفراده وبشبكات إجرامية عابرة للحدود، أدت في مرحلة من المراحل إلى وضع لبنان أمام عزلة عربية، وتسببت (الشبكات) في حظر الصادرات الصناعية والزراعية اللبنانية إلى دول الخليج العربي، التي استهدفتها بعدد كبير من شحنات «الكبتاغون».

هذا الاستثناء من أبرز النقاط التي أثارت تحفظات البعض، ومنهم نواب يمثلون منطقة بعلبك - الهرمل، بينهم عضو كتلة «التحرير والتنمية» النائب غازي زعيتر، الذي وصف القانون بـ«غير المتوازن والطائفي والمذهبي». وأبدى أسفه للاستثناءات التي تضمّنها، لأنها «غير عادلة ولا تنسجم مع الغاية الأساسية من إقرار قانون العفو»، داعياً للعودة إلى المادة 53 من الدستور.

واعتبر زعيتر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «فلسفة العفو العام تقوم على أن يكون شاملاً، بحيث يطوي صفحة من الماضي، ويفتح صفحة جديدة أمام جميع اللبنانيين». وقال: «نحن راعينا كل الأطراف الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الموقوفين الإسلاميين، وحتى بالنسبة للقانون الذي قُدّم عام 2011 لمن ذهبوا إلى إسرائيل، ووافقنا على أن يكون العفو شاملاً»، منتقداً ما وصفه بـ«إهمال الدولة اللبنانية لأبناء البقاع، منذ أكثر من 100 عام، حين دفعتهم للذهاب إلى موارد أخرى للرزق، حتى اضطر بعضهم إلى زراعة المخدرات».

وتشكّل دعاوى المخدرات ما نسبته 40 في المائة تقريباً من الملفات القضائية، وتظهر الأرقام أن العدد الأكبر منهم من منطقة البقاع اللبناني. وأكد النائب زعيتر أن «90 في المائة من الملاحقين في قضايا المخدرات هم من أبناء بعلبك والهرمل، وجزء كبير من هذه الملاحقات يستند إلى البيانات الموجودة على هواتف الأشخاص الذين يتم توقيفهم»، موضحاً أنه «لمجرد ورود اسم شخص أو التواصل معه عبر الهاتف، يؤدي ذلك حتماً إلى إدراجه في ملف الملاحقة».

وأضاف: «بعض المطلوبين، خوفاً من توقيفهم، يتخلفون عن الحضور إلى التحقيق، ما يؤدي لاحقاً إلى صدور قرارات قضائية ومذكرات توقيف وأحكام غيابية بحقهم، وهذه الآلية أدت إلى ظلم كبير بآلاف الملاحقين في قضايا المخدرات، وللأسف النسبة الكبرى منهم تنتمي إلى الفئة الاجتماعية والجغرافية نفسها في منطقة بعلبك والهرمل».

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

في المقابل، حافظ القانون على استثناءات أخرى بالغة الحساسية؛ بينها الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة وأملاك البلديات والمشاعات، والجرائم المرتبطة بالفساد والإثراء غير المشروع وتبديد الأموال وتمويل الإرهاب ومخالفة قانون النقد والتسليف، إضافة إلى الجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين. كما استثنى جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصر والتعذيب والإخفاء القسري.

«عدالة القانون»

هذه الاستثناءات تمنح القانون قدراً مهماً من العدالة، وفق تعبير مرجع قانوني، حيث رأى أنها «لا تجعل من العفو تسوية سياسية تمحو المسؤولية عن الجرائم الخطيرة». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذا القانون رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أنه يخلو من الثغرات أو يحقق العدالة الكاملة»، معتبراً أن «العفو العام يقوم بطبيعته على معيار تشريعي عام، قد لا يأخذ دائماً في الحسبان الفروق الدقيقة بين ظروف كل موقوف أو محكوم»، لافتاً إلى أن «وجود أوجه شبه في جرائم مشمولة بالعفو وأخرى مستثناة منه، خصوصاً في جرائم القتل والإرهاب والجرائم التي تقع على المال العام، وهذا سيرهق المحاكم التي تنظر فيها، وتتطلب اجتهادات قضائية لتفسيرها».

استفادة فورية

ثمة أسماء بارزة تستفيد من قانون العفو سواء بشكل فوري، أو تباعاً، وأولهم الشيخ أحمد الأسير، الذي استفاد من تخفيض العقوبة، غير أن الإفراج عنه لن يكون قبل منتصف شهر مايو (أيار) 2028، ونعيم عباس، الموقوف منذ عام 2014 والصادر بحقه حكم بالمؤبد في عام 2021، بجرائم قتل وتفخيخ سيارات معدّة للتفجير، والشيخ لؤي الترك، الذي ارتبط اسمه بملف اعتراض شاحنات المازوت التي كان يخرجها «حزب الله» لنظام بشار الأسد عبر الحدود اللبنانية - السورية إبان فرض عقوبات «قيصر» الأميركية، وحكم عليه بالأشغال الشاقة 15 عاماً، وحسن أبو علفة المتهم بالاشتراك في تفجير السفارة الإيرانية والموقوف في شهر فبراير (شباط) 2014، ولم يصدر حكم بحقه حتى الآن.

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)

أبرز الموقوفين غير المستفيدين

أما أبرز الموقوفين الذين لن يستفيدوا من قانون العفو، فهم: نوح زعيتر أحد أخطر تجار المخدرات في لبنان، الذي جرى توقيفه إثر العملية الأمنية التي نفذها الجيش اللبناني في العام الماضي، باعتبار أن توقيفه الاحتياطي لم يتجاوز السقف المطلوب للإفراج (وهو 12 سنة سجنية من دون محاكمة)، وعدم صدور أحكام بحقه قابلة للتخفيض، وحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الذي أوقف قبل أسبوعين، والملاحق بدعاوى تتصل باختلاس أموال عامة وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، والتسبب في حرمان المودعين من أموالهم، والمدانون بالعمالة والتجسس لصالح إسرائيل، الذين لن يشملهم أي تخفيض للعقوبة أو عفو عام مهما بلغت مدة محكوميتهم أو ظروف توقيفهم.

من هنا، فإن نجاح القانون لا يقاس بعدد المستفيدين منه أو من استثناهم، بل بقدر تحقيقه توازناً فعلياً بين رفع الظلم عن مستحقين، وحماية المجتمع، والحفاظ على هيبة القضاء، ومنع الإفلات من العقاب.


مقالات ذات صلة

ترحيب لبناني بإلغاء ترمب القيود على النقل الجوي مع بيروت

المشرق العربي إحدى طائرات «الميدل إيست» في مطار بيروت (شاترستوك)

ترحيب لبناني بإلغاء ترمب القيود على النقل الجوي مع بيروت

رحَّب لبنان بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاضي بإلغاء القرارات الرئاسية الأميركية التي تفرض قيوداً على النقل الجوي مع لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ب)

واشنطن تلاحق قنوات التمويل البديلة لـ«حزب الله»

تركّز الولايات المتحدة الأميركية في الوقت الراهن على ملاحقة قنوات التمويل البديلة التي لجأ إليها «حزب الله» في أعقاب تشديد العقوبات المالية المفروضة عليه.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

6 جرحى في هجوم إسرائيلي بشمال شرقي لبنان

أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن هجوماً إسرائيلياً وقع، الجمعة، في شمال شرقي البلاد، بالقرب من الحدود السورية، أسفر عن إصابة ستة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام: «إننا نعمل على مسارات مترابطة» تتمثل في «استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وإطلاق الإصلاحات»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آليات للجيش اللبناني في دورية مؤللة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

الجيش اللبناني يحبط محاولتي تهريب متفجرات من سوريا ومخدرات إليها

أحبط الجيش اللبناني عمليتين منفصلتين بين لبنان وسوريا لتهريب مخدرات وقذائف ومتفجرات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الحدَّاد توقَّع حرباً إسرائيلية لـ80 يوماً... وسعد طالب بوقفها

مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)
مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)
TT

الحدَّاد توقَّع حرباً إسرائيلية لـ80 يوماً... وسعد طالب بوقفها

مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)
مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)

لا يزال كثير من خفايا وكواليس هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تتكشف يوماً بعد يوم، على الرغم من أن كثيراً من الأسرار قد دُفنت مع أصحابها، الذين خططوا لذلك الهجوم ولاحقتهم إسرائيل حتى قتلتهم، خصوصاً يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة «حماس»، وشقيقه محمد، أحد أبرز قادة «كتائب القسام»، إلى جانب القائد العام لها محمد الضيف، وشخصيات أخرى.

وبينما كانت جهات استخباراتية إسرائيلية قد كشفت في يوليو (تموز) الماضي، عن مضامين رسالة ادَّعت أنها تعود للسنوار بعدما صودرت من مقرات «حماس» بغزة، وكان يتوقع فيها أن ترد إسرائيل بشكل كبير على ذلك الهجوم، وبما في ذلك إمكانية اللجوء لاستخدام السلاح النووي لقصف غزة، تتكشف فلسطينياً معلومات جديدة حول كواليس الهجوم وتوقعات الرد الإسرائيلي.

عز الدين الحدَّاد

يكشف مصدران من «حماس» بغزة لـ«الشرق الأوسط»، عن أن عز الدين الحدَّاد قائد «كتائب القسام»، الذي تولَّى المسؤولية عن الكتائب بعد اغتيال محمد الضيف ويحيى السنوار، كان قد توقع في رسالة وجهها أول أيام الحرب، أن تستمر لمدة 80 يوماً فقط، ثم يتم التوصل إلى اتفاق بموجبه يتم تبادل الأسرى وانسحاب إسرائيل من القطاع.

فلسطينيون في خان يونس يعتلون مركبة عسكرية إسرائيلية تم الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (أرشيفية - د.ب.أ)

وحسب أحد المصادر، فإن الحدَّاد، الذي يعد أحد المخططين والمشرفين على الهجوم، كان قد أسند إلى بعض القيادات الميدانية مهام دفاعية على ألا يتجاوزوا حدوداً معينة خلال مشاركتهم في الهجوم صبيحة ذلك اليوم، إلا أن سقوط وانهيار فرقة غزة بشكل مفاجئ، دفع المقاتلين من «القسام» إلى توسيع عملية الاقتحام والوصول إلى مناطق لم تكن قيادة الكتائب، التي أشرفت على العملية من عدة غرف عمليات، تتوقع أنهم سيصلون لهذه المسافات داخل مناطق غلاف غزة الإسرائيلية.

وقال المصدر إن بعض الوحدات أُسند إليها الوصول إلى أماكن عميقة وإرباك القوات الإسرائيلية، إلا أن بعض القوات كانت مهمتها محدودة والانسحاب لتكون في مهام دفاعية لاحقاً، إلا أن الخطة في كثير من مفاصلها لم تنجح بشكل دقيق نتيجة عوامل الانهيار الإسرائيلي.

فيما لفت مصدر آخر إلى أن سقوط عديد من القيادات الميدانية ومقتلهم خلال الاشتباكات أو القصف الإسرائيلي المجنون في الساعات الأولى للهجوم، أفشل الخطة الدفاعية التي تم التخطيط لها في بعض محافظة غزة التي كان الحدَّاد مسؤولاً عن لوائها حينها.

مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)

وبيَّن المصدر أن الحدَّاد من أكثر الشخصيات التي كان لها تأثير في تنفيذ هجوم السابع من أكتوبر، وكان يقف خلف مهمة تكثيف صناعة قاذف «الياسين 105» لاستخدامه في الخطط الدفاعية وليست الهجومية فقط، كما أنه هو من منح القيادات الميدانية الإذن ببدء العملية قبل ساعات من انطلاقه، حيث لم يكونوا على إطلاع بالخطة ولا معرفة بالهجوم الذي أوصى خلاله بأسر أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين لتبييض السجون من الأسرى الفلسطينيين.

الخطة الدفاعية

ويوضح المصدر أن الحدَّاد تولى مسؤولية الدفاع عن مدينة غزة وشمال القطاع، وقاد الخطة برفقة قيادات ميدانية، ولم يغادر المنطقة الشمالية للقطاع بعدما فصلتها إسرائيل عن وسط وجنوب القطاع، وبقي يتنقل بين مقاتليه في أكثر النقاط تقدماً التي تقع فيها اشتباكات مع القوات الإسرائيلية، فيما كان مشغولاً أيضاً بحماية المختطفين الإسرائيليين.

وتُظهر التقديرات داخل قيادة «حماس» و«القسام» لإمكانية استمرار الحرب لعدة أشهر، توقعاً أكثر إيجابية تجاه رد الفعل الإسرائيلي باعتبار أن هناك مختطفين لديها، إلا أن هذه التقديرات، كما يرى مراقبون، لم تكن على مستوى الحدث الذي وقع، خصوصاً بعد أن شعرت إسرائيل بأنها جُرحت في أمنها وكرامتها، وأنها قد تعرضت للإهانة، الأمر الذي دفعها إلى الانتقام بكل السبل والاستمرار بهذه الحرب حتى الآن.

يحيى السنوار في صورة أرشيفية بغزة تعود إلى 21 أكتوبر 2011 (أ.ب)

ويقول مصدر ثالث، إن انهيار الخطة الدفاعية دفع الحدَّاد لإيجاد بدائل سريعة من القيادات، إلا أن قلة الخبرة لدى بعضهم دفعت قائد «القسام» لتبني خطة تقوم على تنفيذ هجمات مباغتة والسماح للقوات الإسرائيلية بالدخول إلى عمق مناطق وجود كمائن المقاتلين، لتنفيذ هجمات توقع في صفوف الجيش الإسرائيلي خسائر بشرية لم يتوقعها، والتركيز على محاولة أسر جنود لإحباط الروح المعنوية لدى الجنود.

ويبدو أن ما لم يحسبه الحدَّاد في خطته الدفاعية للمنطقة الشمالية، هو قدرة إسرائيل السريعة على الوصول إلى بعض المواقع العسكرية ومخازن الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيَّرة. لكن في الوقت ذاته ترى المصادر أنه نجح، مع قيادات ميدانية بارزة، في كسر ما عُرفت باسم «خطة الجنرالات» التي كانت تهدف إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة جداً في مناطق شمال القطاع بعد فصلها عن وسطه وجنوبه، بتنفيذ هجمات بالتزامن جواً وبراً وبحراً، والسيطرة على مستشفيات ومراكز إيواء وغيرها، وقتل وجرح واعتقال المئات، ونقلهم إلى داخل إسرائيل، وتهجير السكان إلى المنطقة الجنوبية من القطاع، إلا أنه وبعد أكثر من 107 أيام فشلت الخطة وعادت إسرائيل للانسحاب من تلك المناطق على وقع الهجمات العنيفة المباغتة التي أوقعت عشرات القتلى من القوات الإسرائيلية.

رائد سعد

ومن بين ما تكشف عنه الكواليس بشأن الحرب، هو التباينات داخل «حماس» وقيادة «القسام» بشأن عروض وقف إطلاق النار. وحسب أحد المصادر، فإن القيادي البارز في الكتائب وعضو مجلسها العسكري، رائد سعد، كان قد طالب في بداية الأشهر الأولى بالعمل على وقف الحرب بأي ثمن.

لافتة لـ«حماس» تحمل شعار «نحن الطوفان... نحن اليوم التالي» خلال تسليم دفعة من الأسرى الإسرائيليين (أرشيفية - أ.ف.ب)

ووفقاً لعديد المصادر، فإن سعد من بين القيادات التي فوجئت بالهجوم صبيحة السابع من أكتوبر، ولم يكن يعلم بتوقيت التنفيذ رغم أنه أحد القيادات التي وضعت الخطة، التي تطلق عليها إسرائيل، وفق معلومات استخباراتية كانت قد حصلت عليها منذ سنوات «جدار أريحا»، حيث كان سعد حينها مسؤولاً عن ركن العمليات، ووضع الخطة منذ عام 2016، وتم تأجيل استخدامها أكثر من مرة بعد عدة سنوات.

وحسب المصدر الأول، فإن سعد كان قد أرسل لقيادة المجلس العسكري رسالة خطية في الأشهر الأربعة الأولى، طالب فيها بالعمل على التوصل إلى اتفاق وقبول وقف إطلاق النار. مؤكداً أن استمرار الحرب لا يخدم «حماس» والكتائب خصوصاً في ظل الأعداد الكبيرة من القتلى وإمكانية أن تزيد الأعداد مع مرور الوقت، إلا أن رفض إسرائيل المتكرر وإصرارها على استمرار الحرب أجهض تلك الأصوات، واستمرت الحرب حتى الآن. كما قال المصدر لـ «الشرق الأوسط».

فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وبيَّن المصدر أن سعد قاد خلال الحرب عديداً من الملفات والمهام التي حسَّنت قدرة «كتائب القسام» على الصمود في المعركة، وبقي مسانداً للقيادات الميدانية في المعارك، كما كان على اطّلاع وتواصل مستمرين مع عز الدين الحدَّاد وقيادات أخرى لتحديد مسارات العمل العسكري والتصدي للقوات الإسرائيلية، والحفاظ على الإسرائيليين بما يسهم في التوصل إلى صفقة تبادل أسرى.


عباس يدعو لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة في سبتمبر 2027

الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مؤتمر صحافي في برلين (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مؤتمر صحافي في برلين (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

عباس يدعو لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة في سبتمبر 2027

الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مؤتمر صحافي في برلين (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مؤتمر صحافي في برلين (أرشيفية - د.ب.أ)

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، اليوم السبت، مرسوماً رئاسياً يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في 11 سبتمبر (أيلول) 2027، وذلك بناءً على قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بعد إلغاء مرسوم لسنة 2026، بشأن الدعوة لإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر (شرين الثاني) المقبل.

ووفق وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، نص المرسوم الرئاسي الجديد على دعوة الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة للمشاركة في انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ومباشرة، لانتخاب رئيس دولة فلسطين وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني بشكل متزامن، وفقاً لأحكام القانون.

وجاء إصدار المرسوم بناءً على قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وفي ضوء المشاورات الوطنية مع الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، وما أسفرت عنه من توافق وطني بشأن المعوقات التي تفرضها الإجراءات الإسرائيلية على إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها السابق، وضرورة تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية المناسبة لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة.

كما يأتي القرار، وفق الوكالة، حرصاً على إتاحة الفرصة لإجراء حوار وطني فلسطيني شامل، يهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية ووحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني، ومعالجة القضايا والتحديات التي تواجه العملية الانتخابية، وتوفير مقومات نجاحها، بما يضمن مشاركة جميع أبناء شعبنا الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وصون حقوقهم السياسية والدستورية.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية برام الله يوم 25 أبريل 2026 (د.ب.أ)

ويأتي تعديل الموعد السابق للانتخابات التشريعية وتحديد موعد جديد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن، في ظل استمرار اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين والاقتحامات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وما يرافق ذلك من قيود على حرية الحركة والتنقل، واستمرار احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، الأمر الذي يفرض تحديات أمنية واقتصادية وإدارية أمام التحضير للعملية الانتخابية وإجرائها في موعدها السابق.

وفيما يتعلق بقطاع غزة، يأتي القرار في ظل استمرار الظروف الأمنية والإنسانية الاستثنائية، وعدم تنفيذ الترتيبات المتعلقة بنشر قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي، وعدم البدء بعملية إعادة الإعمار، وعدم استكمال انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وما يترتب على ذلك من معوقات أمنية وميدانية ولوجستية تحول دون تهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات.

كما تشمل المعوقات القيود الإسرائيلية المفروضة على وصول طواقم لجنة الانتخابات المركزية والمراقبين الدوليين إلى قطاع غزة والقدس الشرقية، وما يترتب عليها من صعوبات في استكمال التحضيرات والإجراءات الانتخابية، وضمان حرية عمل الجهات المختصة بالإشراف على الانتخابات ومراقبتها، وفقاً للمعايير القانونية والديمقراطية.

وتؤثر هذه الظروف مجتمعة على إمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة في الموعد السابق، بما يضمن سلامة المواطنين وممارسة حقوقهم الانتخابية بحرية وأمان، ويكفل مشاركة أبناء شعبنا الفلسطيني في جميع محافظات الوطن، بما فيها القدس الشرقية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من العملية الانتخابية الفلسطينية.

ويأتي تحديد الموعد الجديد للانتخابات الرئاسية والتشريعية تأكيداً على الالتزام بإجراء الانتخابات باعتبارها استحقاقاً وطنياً ودستورياً، وتجسيداً لحق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه بحرية وديمقراطية، وحرصاً على تجديد الشرعية الديمقراطية للمؤسسات الفلسطينية وتعزيز وحدة النظام السياسي الفلسطيني. وبموجب المرسوم، تتولى لجنة الانتخابات المركزية اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحضير للانتخابات الرئاسية والتشريعية وتنظيمها والإشراف عليها، وفقاً لأحكام قانون الانتخابات العامة النافذ، وبما يضمن إجراءها بصورة حرة ونزيهة وشفافة وشاملة في جميع الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية.


ترحيب لبناني بإلغاء ترمب القيود على النقل الجوي مع بيروت

إحدى طائرات «الميدل إيست» في مطار بيروت (شاترستوك)
إحدى طائرات «الميدل إيست» في مطار بيروت (شاترستوك)
TT

ترحيب لبناني بإلغاء ترمب القيود على النقل الجوي مع بيروت

إحدى طائرات «الميدل إيست» في مطار بيروت (شاترستوك)
إحدى طائرات «الميدل إيست» في مطار بيروت (شاترستوك)

رحب لبنان بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاضي بإلغاء القرارات الرئاسية الأميركية التي تفرض قيوداً على النقل الجوي مع لبنان، مما يفتح الطريق أمام الإجراءات والتراخيص اللازمة لتشغيل الرحلات، بعد إزالة العقبات الرئيسية.

وكان ترمب قد ألغى أربعة قرارات رئاسية شكّلت أساساً للقيود الأميركية على النقل الجوي مع لبنان. وبموجب القرار الرئاسي رقم 25-2026، الموقّع في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، المنشور في السجل الفيدرالي في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أُلغيت بالكامل القرارات الصادرة في أعوام 1985 و1992 و1998 و2007.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية - أ.ب)

وعدّ ترمب أن هذه القيود لم تعد ضرورية لحماية الطائرات المتجهة إلى لبنان أو المغادرة منه من الاستيلاء غير المشروع، موجّهاً وزير النقل الأميركي إلى تنفيذ القرار فوراً وإلغاء أي أنظمة أو أوامر تتعارض معه.

ترحيب لبناني

ورحّب الرئيس اللبناني جوزيف عون بقرار الرئيس الأميركي، عادّاً أن هذا القرار يشكّل مؤشراً إلى الثقة بالإجراءات التي تتخذها الدولة اللبنانية لضمان سلامة الطيران المدني وحماية حركة النقل الجوي من بيروت وإليها، وتعزيز أمن الرحلات الجوية التي تربط لبنان بدول العالم.

وشكر عون الرئيس ترمب على قراره والإجراءات التنفيذية التي ستتخذ بعدما كان قد تجاوب خلال اللقاء الذي جمعهما في البيت الأبيض في شهر يوليو (تموز) الماضي، مع طلبه رفع القيود على حركة النقل الجوي بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية، وأوعز في حينه إلى المسؤولين الأميركيين ضرورة إعادة الحركة الجوية بين البلدين، وأقرن ذلك ببيان فوري إلى شركات الطيران الأميركية بإعادة رحلاتها إلى بيروت.

كما شكر عون، وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو على متابعته الحثيثة لهذا الملف وجميع من عمل لإنجازه.

وأكد عون أن لبنان يولي سلامة الطيران المدني وأمن مطار رفيق الحريري الدولي وحركة الملاحة الجوية أهميةً قصوى، ويواصل اتخاذ التدابير اللازمة وفق المعايير الدولية المعتمدة، بما يحفظ سلامة المسافرين ويعزّز الثقة بلبنان ومؤسساته.

وأعرب الرئيس عون عن تقديره لهذه الخطوة، آملاً أن تسهم في تعزيز حركة النقل الجوي وتسهيل التواصل بين لبنان والعالم، وأن تشكّل مدخلاً لمزيد من التعاون بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية في مختلف المجالات.

إجراءات منتظرة

ويمثّل القرار إزالةً للأساس الرئاسي لهذه القيود، لكنه لا يعني بدء الرحلات تلقائياً، ولا يشكّل بحدّ ذاته إعلاناً عن اكتمال الموافقات التشغيلية والأمنية اللازمة. كما لا يتضمّن تحديد شركة طيران أو مسار أو موعد لبدء التشغيل، حسبما أفادت وسائل إعلام لبنانية، وأوضحت أنه بعد الخطوة الرئاسية، «تبقى الإجراءات والتراخيص اللازمة لتشغيل الرحلات».

وبعد حيازة التراخيص، يفترض أن تبدأ الناقلة الجوية الوطنية «طيران الشرق الأوسط» ترتيباتها لتسيير الرحلات بين لبنان والولايات المتحدة، كما يفترض أن تضيف شركات الطيران الأميركية هذه الرحلات إلى جداول طيرانها.

لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

ترحيب السفارة

ورحّبت سفارة لبنان في واشنطن بالقرار الرئاسي الأميركي، وقالت: «يأتي هذا القرار في أعقاب إعلان الرئيس ترمب بعد لقائه الرئيس عون في البيت الأبيض في 21 يوليو (تموز) 2026، واللقاء اللاحق الذي جمع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 28 سبتمبر (أيلول) 2026».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)

وأضافت: «يعكس القرار الثقة بالإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات اللبنانية، ويمثّل خطوة أولى مهمة نحو استعادة الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة».

ويحمل استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة رسائل أمنية واقتصادية، متصلة بتعزيز الثقة بسلامة مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، والثقة بالإجراءات الأمنية التي عززتها السلطات اللبنانية منذ تشكيل حكومة الرئيس نواف سلامة في فبراير (شباط) 2025.