ما الذي يحدث فعلياً داخل أدمغتنا عندما يكون الجوّ حارّاً؟ ولماذا يرتبط ارتفاع درجات الحرارة بتباطؤ قدرتنا على التفكير والشعور بالخمول، ممّا يجعل حتى المَهمّات اليومية البسيطة تبدو شاقة؟
كتب المحاضر الأول في كلية علم النفس وعلم الأعصاب بجامعة بريستول في إنجلترا، دان بومغاردت، أنّ الدماغ والجسم يتواصلان باستمرار. فعندما تتغيّر درجات الحرارة الخارجية، ترسل مستقبلات الحرارة الموجودة بالقرب من سطح الجلد إشارات إلى منطقة ما تحت المهاد، وهي مركز تنظيم درجة الحرارة في الدماغ.
وأضاف، في مقال نُشر على موقع «ميديكال إكسبريس»، الجمعة، نقلاً عن موقع «كونفيرزيشن»، أنه عندما يصبح الجوّ حارّاً جداً، تنسّق منطقة ما تحت المهاد سلسلة من الاستجابات لإعادة درجة حرارة الجسم إلى وضعها الطبيعي، أي نحو 37 درجة مئوية.
ويُعد الحفاظ على درجة حرارة الجسم الأساسية عند هذا المستوى أمراً شديد الأهمية لعمليات الأيض ونشاط الإنزيمات وعدد من وظائف الجسم الحيوية الأخرى.
وأوضح بومغاردت أنّ الدماغ، وهو المسؤول الأول عن تنظيم درجة الحرارة، ينشغل كثيراً عندما يكون عليه تنظيم حرارة الجسم باستمرار. ففي الطقس الحارّ، يفعّل الجسم آليات تسمح بتسريب الحرارة من سطحه، تشمل توجيه الدم إلى الجلد والتعرّق. وتتحكّم المسارات العصبية التي تربط الدماغ بالأوعية الدموية والغدد العرقية بهذه الاستجابات، ممّا يسمح له بتنظيم كمية الحرارة التي يفقدها الجسم بدقة. وأكد أنّ الجهد الإضافي الذي تفرضه عملية الحفاظ على برودة الجسم يُقلّل قدرة الدماغ على أداء المَهمّات الإدراكية التي تتطلّب تفكيراً وانتباهاً متواصلَيْن.
ووفق البحوث العلمية، تبدأ الخلايا العصبية أيضاً بالعمل بشكل مختلف مع ارتفاع درجة الحرارة؛ إذ تعتمد على تدفق التيارات الكهربائية وإطلاق النواقل العصبية الكيميائية لأداء وظائفها. وتعتمد هذه العمليات على الإنزيمات والبروتينات وحركة الأيونات المشحونة داخل الخلية العصبية وخارجها، وجميعها حسّاسة لدرجة الحرارة.
وأفاد بومغاردت بأنه رغم قدرة الدماغ، في الظروف الطبيعية، على التعويض ومواكبة هذه المتطلبات، فإنّ هذا التوازن الدقيق يختل عند تجاوز حد معين، ممّا يغيّر طريقة عمل الخلايا العصبية وتواصلها فيما بينها، وقد يؤثّر في عمليات حيوية مثل الذاكرة واتخاذ القرارات والتركيز.
ويُعدّ الجفاف، الذي يشيع في الطقس الحار نتيجة فقدان مزيد من السوائل عبر التعرّق، من المضاعفات المحتملة الأخرى التي يجب أخذها في الحسبان. ويؤدّي عدم تعويض السوائل المفقودة بشكل كافٍ إلى زيادة الضغط على الجهاز القلبي الوعائي في محاولته تزويد الجلد والأعضاء، بما فيها الدماغ، بالدم، وفق بومغاردت.
وكما هي الحال مع عدد من الأعضاء الأخرى، يتكوّن الدماغ من أكثر من 70 في المائة من الماء، حتى إنّ الجفاف البسيط قد يؤدّي إلى ضعف الانتباه وسرعة ردّ الفعل والذاكرة قصيرة المدى.
ويشدّد بومغاردت على أهمية الأخذ في الحسبان ليس فقط كيفية استجابة الدماغ والجسم للحرارة في اللحظة نفسها، وإنما أيضاً كيفية استراحتهما وتعافيهما بعدها، من خلال النوم.
وقد يسهم الطقس الحارّ في تعطيل النوم وتشويش الذهن؛ إذ تُضعف قلة النوم الانتباه والذاكرة والتفكير، ممّا يزيد تأثير الحرارة على الأداء الإدراكي.
ويرى بومغاردت أنه يمكن التخفيف من تشوّش الذهن في الصيف بالحفاظ على برودة الجسم قدر الإمكان، من خلال إجراءات بسيطة مثل ارتداء ملابس خفيفة، واستخدام فراش بارد، وأخذ فترات راحة منتظمة من التعرّض للحرارة.







