الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

خالد نذير جعفر ضحية الهوية والسياسة... الحكاية الكاملة للعربي الوحيد على متن الرحلة المشؤومة

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

في الحادي والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1988، لم يكن الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر يعلم أن صعوده إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، سيكون تذكرة بلا عودة، ليس فقط نحو الموت الإجباري فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية الهادئة، بل نحو دهاليز استخباراتية معقدة حولت جثته الفتية إلى محور لأكبر لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

في ذلك المساء الشتوي القارس، تفجرت الطائرة الجامبو (بوينغ 747) في السماء، مسفرة عن مقتل 270 شخصاً، ومع تناثر حطام الطائرة فوق التلال الاسكوتلندية، تناثرت معها حياة خالد جعفر لتتحول من قصة مهاجر شاب يحلم بمستقبل هادئ، إلى مادة دسمة لسيناريوهات المؤامرة، والاتهامات الجاهزة، وصفقات الأمن الدولي التي امتدت من بيروت إلى واشنطن مراراً وتكراراً.

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

مأساة لوكربي في عيون «نتفليكس»

عادت هذه التفاصيل والأسماء لتشغل الرأي العام مع إطلاق شبكة نتفليكس بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي . سي» للمسلسل الدرامي القصير «The Bombing of Pan Am 103» (تفجير بان آم 103).

المسلسل، الذي يضم نخبة من النجوم مثل باتريك جيه آدامز وبيتر مولان، لا يكتفي برصد الجوانب السياسية للمحاكمة الدولية، بل يغوص عميقاً في الجانب الإنساني للضحايا وعائلاتهم والتحقيقات الأولية على الأرض.

وفي هذا السياق الدرامي، يبرز اسم خالد جعفر وتفاصيل دراسته لهندسة العمارة وعلاقاته التشابكية كجزء من السيناريو الذي يعيد قراءة فخ «الاشتباه الأولي» القائم على الهوية، ليعيد للمشاهدين قصة الراكب صاحب المقعد 53K في الرحلة 103 الذي سُرق حلمه الهندسي في سماء لوكربي.

من زواريب البقاع إلى صقيع ديترويت

وُلد خالد نذير جعفر في بلدة بالبقاع اللبنانية، ونشأ في بيئة عائلية هاجرت كآلاف العائلات اللبنانية بحثاً عن الأمان والفرص في الولايات المتحدة الأميركية، مستقرة في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان.

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)

في سن العشرين، كان خالد يمثل مزيجاً بين الشاب العربي المرتبط بجذوره والمراهق الأميركي الذي يتلمس طريقه في الحياة.

في ريعان شبابه وقبل أن تمزق قنبلة الـ«سمتكس» أجساد ركاب الطائرة، كان جعفر يعيش حياة جامعية واعدة، حيث كان يدرس هندسة العمارة.

تميز الشاب بعشقه للتصميم وبناء الخطط الهندسية للمستقبل، وهي خطط كان يرجو تطبيقها بعد التخرج والاستقرار في ديترويت.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

غير أن رحلته الشتوية إلى لبنان عبر ألمانيا، التي كانت تهدف لزيارة عائلية قبل أعياد الميلاد، وضعت حداً فجائياً لمسيرته الأكاديمية. ولم يتبقَ من حلم «المهندس المعماري» الشاب سوى دفاتر تصاميمه وحقائب سفر تناثرت على بُعد أميال من موقع سقوط الطائرة، لتصبح تلك الممتلكات الشخصية لاحقاً دليلاً قاطعاً استخدمه المحققون الاسكوتلنديون لإثبات براءته، بعدما تبين خلوها من أي آثار تفحم داخلي.

شبهة الأصل العربي... الفخ الاستخباراتي الأول

فور وقوع الكارثة الكبرى فوق لوكربي وبدء التحقيقات المشتركة بين مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) وجهاز الأمن البريطاني، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية عربية، تطابق الاتهامات الفورية التي وُجهت للفصائل المسلحة.

هنا، برز اسم خالد جعفر كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية بسبب أصوله اللبنانية وبداية رحلته من فرانكفورت، خاصة أنه العربي الوحيد الذي كان على متن الرحلة.

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

انطلقت الفرضية الأولى تزعم أن الشاب ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً مغفلاً لقنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية، ما جعل عائلته في ديترويت تعيش كابوساً مزدوجاً: فاجعة فقدان ابنهم، ووصمة الإرهاب التي لاحقت اسمه في وسائل الإعلام العالمية لسنوات.

قناة دمشق-فرانكفورت وظلال المخابرات الأميركية

لم تتوقف الروايات عند حد الاشتباه العابر، بل تحول اسم خالد جعفر إلى حجر الزاوية في «الرواية البديلة» لحادث لوكربي، والتي تبنتها فرق دفاع لسنوات وصحافيون بارزون.

زعمت هذه النظرية أن جعفر، وبحكم تنقله بين لبنان وألمانيا، تم استغلاله أو توريطه في شبكة لتهريب المخدرات كانت تحظى بحماية وغطاء من وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) وإدارة مكافحة المخدرات (DEA)، كجزء من عملية سرية معقدة لتأمين إطلاق سراح الرهائن الأميركيين المحتجزين في بيروت حينها.

ووفقاً لهذا السيناريو، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة»، اخترقت هذه القناة الآمنة في مطار فرانكفورت، واستبدلت بحقيبة المخدرات الخاصة بجعفر حقيبة الراديو المفخخة بمادة «السمتكس»، لتنتقل الحقيبة عبر طائرة التغذية إلى مطار هيثرو في لندن وتوضع في أحشاء الطائرة الكبيرة دون تفتيش.

وترافق اسم جعفر في التقارير الأمنية والتحليلات الاستخباراتية المعقدة مع أسماء أخرى أثارت حيرة المحققين، ومن أبرزها اسم حسن الساعد (أو بدري حسن في بعض وثائق المحكمة الرسمية).

وكان حسن الساعد شخصية محورية ارتبطت بالخلايا والأنشطة الأمنية والتجارية المشبوهة في ألمانيا الغربية ومالطا خلال تلك الحقبة، وتحديداً من خلال علاقته بشركة الاتصالات السويسرية «ميبو» (MEBO) التي صنعت أجهزة التوقيت المستخدمة في التفجير.

تشير خيوط التحقيق والفرضيات البديلة إلى أن الساعد كان يمثل «حلقة الوصل» أو القناة التي حاولت أجهزة أمنية وفصائل مسلحة استخدامها لاختراق حركة الحقائب والمسافرين العرب عبر مطار فرانكفورت. هذه العلاقة الملتبسة بين دوائر جُعِل جعفر يدور في فلكها دون علمه، وبين شبكة الساعد، هي التي غذّت لسنوات نظرية «الحقيبة المستبدلة» وقناة تهريب المخدرات الآمنة التي جرى اختراقها لزرع القنبلة.

حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

براءة من بين الحطام وأحكام التاريخ

ظلت هذه النظريات تتدفق في كتب التحقيقات الاستقصائية حتى قادت الأدلة الجنائية القاطعة في المحكمة الاسكوتلندية الخاصة برئاسة القاضي لورد سذرلاند إلى مسار مختلف تماماً.

فقد أثبتت سجلات السفر الرسمية والتحقيقات اللاحقة أن خالد جعفر لم يشحن أي أمتعة في عنبر الشحن السفلي لطائرة البوينغ 747، بل اكتفى بحمل حقيبتين صغيرتين كأمتعة يدوية صعد بهما معه إلى مقصورة الركاب، من بينهما حقيبة قماشية أسطوانية.

وعقب الانفجار، عثر المحققون على هاتين الحقيبتين شبه سليمتين وبحالة جيدة في تلال منطقة «لانغهولم» على بُعد نحو 13 كيلومتراً تقريباً شرق بلدة لوكربي، وكانتا لا تزالان تحتويان على بطاقته الشخصية، ومحفظته، وبعض الأوراق النقدية.

وجاءت التقارير الفنية لتؤكد خلو الأمتعة اليدوية للشاب تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي، وهو ما شكل الدليل الفني القاطع على براءته، إذ أثبت أن القنبلة فُجِرت في حاوية الشحن الرئيسية بعيداً عن مقعده ومحيطه، مما دحض فرضية وجود المتفجرات بحوزته سواء بعلمه أو دون علمه.

بناءً على هذه المعطيات الدامغة، أعلنت المحكمة رسمياً براءة الشاب اللبناني من أي ضلوع أو استغلال في العملية، وثبّتت الحكم على ضابط الاستخبارات الليبي عبد الباسط المقرحي، مؤكدة أن الحقيبة المفخخة انطلقت من مالطا ولم تمر عبر قناة جعفر في فرانكفورت.

المتهم الرئيسي في تفجير الطائرة المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي (أرشيف - أ.ف.ب)

ورغم هذه التبرئة القضائية الشاملة، بقي اسم خالد جعفر راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.


مقالات ذات صلة

الرئيس النيجيري يأمر بفتح تحقيق في تحطم طائرة عسكرية

أفريقيا تحطم طائرة عام 2021 قُتل فيه رئيس أركان الجيش آنذاك إبراهيم أتاهيرو و10 آخرون (رويترز)

الرئيس النيجيري يأمر بفتح تحقيق في تحطم طائرة عسكرية

أمر الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، الاثنين، سلاح الجو بفتح «تحقيق شامل» في أسباب تحطم طائرة عسكرية ومقتل 32 شخصاً.

الشيخ محمد ( نواكشوط)
أفريقيا فرق الإنقاذ ومواطنون يتجمعون بالقرب من حطام طائرة بنيجيريا في فبراير 2021 (رويترز - أرشيفية)

مقتل 32 شخصاً بتحطم طائرة عسكرية في جنوب نيجيريا

أكد الرئيس النيجيري بولا تينوبو، مساء الاثنين، مقتل 32 شخصاً كانوا على متن طائرة تابعة للقوات الجوية تحطمت في جنوب غربي البلاد.

«الشرق الأوسط» (لاغوس)
تحليل إخباري صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)

تحليل إخباري أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

تم تعزيز أمن الطيران المدني عبر تحصين أبواب قمرة القيادة وإدخال آليات التحكم الرقمي بفتحها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.

كوثر وكيل (لندن)
تحليل إخباري صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا) p-circle

تحليل إخباري ماذا يعني تفعيل رموز الطوارئ 7700 و7600 و7500 في عالم الطيران؟

تُدير المراقبة الجوية أزمات الطيران السيادية والفنية لحماية الأجواء، وتتحول استراتيجيتها فوراً من الدعم الفني إلى الاستنفار العسكري عند تفعيل رموز الطوارئ.

كوثر وكيل (لندن)
أوروبا قاذفة قنابل استراتيجية روسية من طراز «تو - 95» خلال مناورات جوية عسكرية روسية صينية لتسيير دوريات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ... تحطمت طائرة عسكرية روسيا من الطراز نفسه اليوم في منطقة آمور في أقصى الشرق الروسي (رويترز - أرشيفية)

تحطّم طائرة عسكرية في شرق روسيا... ومقتل 6 من طاقمها

تحطمت طائرة عسكرية روسية، الثلاثاء، في منطقة آمور في أقصى الشرق الروسي؛ ما أسفر عن مقتل ستة من أفراد طاقمها وإصابة آخر، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
TT

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

نادراً ما يحتاج رامبرانت إلى تعريف. ومع ذلك، هناك أعمال عدة لهذا الفنان الذي ينتمي إلى العصر الذهبي الهولندي لم تُعرض قط أمام الجمهور الأميركي؛ وهو وضع سيتغير في العام المقبل بفضل معرض جديد في متحف «متروبوليتان» للفنون، يُنظَّم بالتعاون مع متحف «اللوفر»، وفقاً لما أعلنه متحف «متروبوليتان».

من اللوحات في المرعض (متحف المتروبوليتان)

سيضم المعرض - الذي يحمل عنوان «رامبرانت والعصور القديمة» (Rembrandt and the Ancients) ويُفتتح في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 - ثلاثة أعمال على الأقل لرامبرانت لم تُعرض من قبل في الولايات المتحدة، وهي: «بثشبع تحمل رسالة الملك داود»، و«قسم الباتافيين»، و«امرأة تستحم في جدول». وسينضم إليها أكثر من 120 لوحة ومطبوعة ورسماً، قادمة من أكثر من 40 جهة معيرة. ومن المقرر أن ينتقل المعرض بعد ذلك إلى متحف «اللوفر» في مارس 2028.

بين التقاليد والابتكار

وتتولى تنظيم المعرض جوانا شيرز سيدنشتاين، أمينة قسم الرسومات والمطبوعات الأوروبية في متحف «متروبوليتان»، بالتعاون مع بليز دوكوس، أمين قسم اللوحات الهولندية والفلمنكية في متحف «اللوفر». وفي مقابلة أجريت معها، أوضحت سيدنشتاين أن المعرض يستكشف شغف رامبرانت بالعصور القديمة، متتبعاً ما وصفته بـ«العلاقة بين التقاليد والابتكار، وفكرة النظر إلى الماضي كعدسة لفهم الحاضر».

وأضافت أن إحدى لوحات رامبرانت المفضلة لديها هي لوحة «بثشبع»، التي تجسد المعضلة الأخلاقية للشخصية الرئيسية وهي تتأمل استدعاءً تلقته من الملك. ووصفتها سايدنشتاين بأنها «تحفة فنية، وتُعد من أكثر أعمال الفنان تأثيراً في تصوير المشاعر والأبعاد النفسية الداخلية». كما استعار متحف المتروبوليتان من المتحف الروماني الوطني نقشاً بارزاً قديماً. وقد برز متحف اللوفر سريعاً كشريك طبيعي؛ إذ سبق أن أقيمت معارض مشتركة بين المؤسستين، مثل معرض «فالنتان دو بولوني: ما بعد كارافاجيو» ومعرض «مصبوب في البرونز: النحت الفرنسي من عصر النهضة إلى الثورة».

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

ويضم متحف المتروبوليتان في مجموعته 20 لوحة تُنسب إلى رامبرانت شخصياً، بالإضافة إلى 11 رسماً ومئات النسخ من أعماله المحفورة. وفي إطار معرض «رامبرانت والعصور القديمة»، سيشارك متحف المتروبوليتان بأربع لوحات وثلاثة رسومات و11 عملاً مطبوعاً، بينما سيقدم متحف اللوفر لوحتين ورسمين للفنان. ومن بين الأعمال التي سيشارك بها متحف المتروبوليتان لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي»، وهي لوحة لم تغادر المتحف منذ 56 عاماً. ورغم أن هذا المعرض يُعد الأكبر لأعمال رامبرانت في متحف المتروبوليتان منذ 20 عاماً، فإن الفن الهولندي ظل ركيزة أساسية في المتحف منذ تأسيسه عام 1870؛ تماماً كما ترتبط مدينة نيويورك — التي كانت في الأصل مستوطنة هولندية تُعرف باسم «أمستردام الجديدة» — بعلاقات عميقة مع هولندا. وهذا ما يجعل الحضور المستمر لهذا الفنان جزءاً من تاريخ ثقافي أوسع وأكثر امتداداً.

أعمال معاصرة

ستقدم أعمال فنانين معاصرين اثنين للجمهور الأميركي منظوراً جديداً في متحف المتروبوليتان للفنون (المت) العام المقبل، وذلك بالتزامن مع بدء العمل الفعلي في إنشاء «جناح تانغ» (Tang Wing) المخصص للفن الحديث والمعاصر. وقد أعلن المتحف يوم الخميس أن تكليف تصميم واجهته -وهو مشروع يدعو الفنانين لتحويل التجاويف الموجودة على طول الجادة الخامسة إلى مساحة عرض - قد أُسند إلى الفنان «دان فو»، وهو فنان من أصل فيتنامي يقيم ويعمل في برلين ومدينة مكسيكو. تعتمد أعمال «دان فو» على استخدام الأشياء للكشف عن التواريخ وهياكل القوة التي تحملها في طياتها. وفي عام 2018، أقام متحف «غوغنهايم» معرضاً شاملاً لأعماله بعنوان «دان فو: خذ أنفاسي» (Danh Vo: Take My Breath Away). يقول ديفيد بريسلين، أمين قسم الفن الحديث والمعاصر في متحف المتروبوليتان: «يُعدّ فو واحداً من أكثر المفكرين براعةً في تناول التاريخ وكيفية احتفاظ الأشياء بالتاريخ في داخلها، وهذا بالضبط ما يفعله متحف المتروبوليتان؛ فنحن نعيد وضع الأشياء والتواريخ في سياقات جديدة لجعلها ملموسة وحاضرة أمام جماهير جديدة».

تجلى هذا النهج في الممارسات النحتية للفنان «فو». ففي عمله «نحن الشعب» (We the People) عام 2014، أنشأ نسخة نحاسية من تمثال الحرية، مقسمة إلى 250 قطعة، ما يدعو المشاهدين إلى إعادة النظر في مُثُل الحرية. أما في عمله «القطعة رقم 20: كرسيان من غرفة اجتماعات مجلس وزراء إدارة كينيدي» (2013)، فقد نزع «فو» الغطاء الجلدي عن كرسيين أصليين كانا في غرفة اجتماعات مجلس وزراء جون إف كينيدي، كاشفاً عن المواد المكونة لهما في إطار نقدٍ لحرب فيتنام. ويشير بريسلين إلى أن متحف «المتروبوليتان» (The Met) - الذي يعرض حالياً أربعة أعمال نحتية للفنان المقيم في بكين «ليو وي» حتى 8 يونيو (حزيران) 2027 - يمنح الفنانين الذين يعملون على واجهته قدراً استثنائياً من الحرية الإبداعية؛ إذ يقول: «هناك نوع من الشجاعة في التخلي عن زمام الأمور وترك الخيار للفنان، قائلين له: الأمر متروك لك». وتُعد هذه الحرية جزءاً جوهرياً من إبداع «فو»؛ حيث صرح في إحدى المقابلات قائلاً: «كل ما يهمني هو أن أكون قادراً على فعل ما أريد». ولم يكشف «فو» بعد عن خططه لواجهة المتحف، التي من المقرر الكشف عنها في 16 سبتمبر (أيلول) 2027، حيث قال: «ليس لدي أي أفكار بعد؛ فالمساحة صعبة للغاية في التعامل معها». كما أعلن متحف «المتروبوليتان» أن الفنانة ساندرا موجينغا - التي وُلدت في غوما بالكونغو ونشأت في النرويج - ستكون هي صاحبة العمل الفني المخصص لـ«القاعة الكبرى» (Great Hall Commission) لعام 2027. وقد تنوعت أعمال «موجينغا» السابقة بين النحت، والنصوص، والأداء، والوسائط الرقمية، وغالباً ما تستكشف موضوعات سياسية. ومن المقرر عرض عملها الفني بدءاً من 4 نوفمبر 2027.

من خلال أعمال رامبرانت، وفو، وموجينغا، سيجمع موسم عام 2027 في متحف المتروبوليتان فنانين وأفكاراً من عصور وقارات متباعدة في حوارٍ متجدد، ما يدعو الجمهور إلى رؤية تواريخ مألوفة بطرق غير مألوفة. يقول بريسلين: «إذا بدأ جمهورنا يشعر بأنه يعرف ما سيحدث تالياً، فهذا يعني أنني - والمتحف أيضاً - لا نقوم بعملنا على الوجه المطلوب».

*خدمة «نيويورك تايمز»


المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

قال المخرج التركي إيلكر تشاتاك إن علاقته الفنية بالممثلة التركية أوزغو نامال بطلة فيلمه «رسائل صفراء» بدأت بذكرى تعود إلى سنوات مراهقته، حين شاهدها على خشبة المسرح في إسطنبول، برفقة والدته، وهو في الخامسة عشرة. واستعاد انبهاره بحضورها آنذاك، موضحاً أنها كانت ممثلة شابة، لكنها بدت له صاحبة الحضور الأكبر على الخشبة، حتى إنه ظل يتحدث مع والدته عن موهبتها بعد العرض، قبل أن يتابع صعودها لاحقاً إلى النجومية.

وأضاف تشاتاك، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن اسم نامال عاد إليه أثناء التحضير لفيلمه «رسائل صفراء»، بعدما اقترحتها مديرة اختيار الممثلين، لكنه اعتقد أنها ابتعدت عن التمثيل، مشيراً إلى أنها كانت تعيش في الريف، على مسافة بعيدة من إسطنبول، ومع ذلك جاءت للقائه ومناقشة المشروع، الذي تزامن مع رغبتها في العودة إلى العمل، ليجد نفسه أمام فرصة للتعاون مع ممثلة احتفظ بأثر أدائها طوال تلك السنوات.

ويتناول فيلم «رسائل صفراء»، المعروض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، حكاية «دريا» و«عزيز»، وهما زوجان يعملان بالفن في تركيا، تنقلب حياتهما عقب واقعة خلال افتتاح عرضهما المسرحي، ليصبحا مستهدفَين من الدولة. وبين التمسك بقناعاتهما وتدبير احتياجات الحياة، تتعرض علاقتهما الزوجية لضغوط متزايدة، في حين تجد ابنتهما المراهقة نفسها عالقة بين موقف الأب الرافض للتنازل ومحاولات الأم تأمين مستقبل الأسرة. وأوضح المخرج التركي أن «الخلفية المسرحية لنامال والممثل التركي تانسو بيتشر كانت عنصراً مهماً في اختيارهما»، وأوضح أن «بيتشر يدير مسرحاً صغيراً في إسطنبول، ويمتلك خبرة كبيرة على الخشبة».

يختار المخرج أفلاماً ذات طابع سياسي (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختبارات الأداء المشتركة أظهرت سريعاً التفاهم بينهما؛ إذ رأى في حضورهما معاً ما يحتاج إليه لتصديق العلاقة، وشعر بأن كلاً منهما يستطيع الاستجابة للآخر، بما يمنح المَشاهد الزوجية حياة تتجاوز الكلمات المكتوبة في السيناريو.

وتابع أنه منح بطلَيه حرية واسعة في صياغة الحوار، وسمح لهما باستبدال الكلمات واستخدام تعبيراتهما الخاصة؛ لأن خبرتهما جعلته مطمئناً إلى قدرتهما على الاحتفاظ بمعنى المشهد. وشبّه التعاون معهما بالتعاقد مع لاعب مثل ليونيل ميسي، موضحاً أن «امتلاك موهبة بهذا المستوى يفرض على المخرج توفير الظروف التي تسمح لها بالعمل والحرص على أجواء يستطيع فيها الجميع الكلام والاقتراح، من دون خوف من مخالفة تصور سابق».

وأشار إلى أن هذه الثقة أثرت في طريقته هو أيضاً، وجعلته أكثر استعداداً للاستماع والانفتاح على ما يأتي به الممثلان أثناء العمل، موضحاً أنه لا يحتاج إلى تفكيك الطريقة التي يصل بها الممثل إلى إحساسه، أو مطالبته بشرح أدواته، ما دام يرى نتيجة مقنعة أمام الكاميرا.

وأكد المخرج التركي أن بطلَيه أمضيا حياتهما في التمثيل، واكتسبا معرفة بالمهنة تستحق أن يمنحهما على أساسها مساحة حقيقية لاتخاذ قرارات تخص الأداء، لافتاً إلى أن حرية الممثل تبدأ، بالنسبة إليه، من وضوح الكتابة؛ فحين يعرف ما تدافع عنه الشخصية وما تسعى إليه، يصبح قادراً على التعبير بكلماته من دون الإخلال بالمشهد.

وعن الاستعانة بالنجوم، قال إنه لا يشترط وجود أسماء شهيرة في أفلامه، وإن كان يدرك أن حضورها يمنح العمل فرصة أكبر للانتشار والوصول إلى الجمهور، لافتاً إلى أن الجمهور في المجتمعات الغربية قد يعرف أسماء بعينها، في حين تغيب عنه مواهب كبيرة في بلدان أخرى، رغم ما قدّمته من أعمال وما كرّسته للمهنة من سنوات.

وعن ظروف تصوير الفيلم الحائز جائزة «الدبّ الذهبي» في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، أوضح المخرج التركي أنه بدأ التصوير بعد انتهاء حملة المنافسة على «الأوسكار» بفيلمه السابق «غرفة المعلمين»، وكان يشعر بأنه استنفد طاقته، في وقت يستعد فيه لخوض أكبر إنتاج في مسيرته.

المخرج التركي إيلكر تشاتاك (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «وجود نحو ستين ممثلاً يؤدون أدواراً حوارية فرض مسؤوليات تنظيمية واسعة، وجعلني مطالباً بمتابعة عدد كبير من التفاصيل»، في حين يحتاج في الوقت نفسه إلى «التركيز على المشاهد والشخصيات وما يجري أمام الكاميرا».

ولفت إلى أن العمل بين فريق ألماني وممثلين أتراك أضاف صعوبة أخرى؛ إذ كان واحداً من عدد محدود يتحدث اللغتين، فتحمّل جانباً كبيراً من الترجمة ونقل التعليمات.

واستعاد تشاتاك مرحلة سبقت إنجاز «غرفة المعلمين»، بدأ خلالها التفكير في الأفلام التي يريد أن تتشكل منها مسيرته، وما يرغب في رؤيته حين يعود إليها بعد سنوات، مشيراً إلى أن بعض الاختيارات قد تبدو موفقة لمُشاهد ومستفزة لآخر، ولا يستطيع صانع الفيلم معرفة النتيجة مسبقاً، لكنه يفضّل اختيار تقديم أفلام ذات موقف سياسي؛ لأنه يرى حاجة إلى الوعي في العالم الذي يعيش فيه، مع احترامه حق كل فنان في تحديد طبيعة أعماله.

وأوضح أنه يبحث عن هذه المساحة أثناء العمل، ويقبل أن يختلف الناس حول ما يقدمه؛ لأن تجربة فكرة جديدة تستلزم الاستعداد لاحتمال رفضها، مشيراً إلى أن رغبته في المجازفة كانت جزءاً من الدافع وراء قراراته الفنية في «رسائل صفراء».


أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
TT

أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)

باعت الممثلة الأميركية أنجلينا جولي قصرها في لوس أنجليس مقابل 24.75 مليون دولار، في صفقة أعادت تسليط الضوء على خططها للعيش خارج الولايات المتحدة، وهي رغبة سبق أن عبّرت عنها، من دون أن تعلن حتى الآن موعداً محدداً للانتقال أو وجهتها النهائية.

ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، اشترت جولي العقار عام 2017 مقابل 24.5 مليون دولار، قبل أن تعرضه للبيع في ربيع عام 2026 بسعر 29.85 مليون دولار. وانتهت الصفقة بسعر يقل بأكثر من 5 ملايين دولار عن السعر المطلوب، لكنه يزيد بنحو 250 ألف دولار على قيمة الشراء الأصلية.

ويمتد العقار على مساحة 2.1 فدان، وكان في السابق ملكاً للمخرج السينمائي سيسيل بي. ديميل، أحد الأسماء البارزة في تاريخ هوليوود. ويتميز بمساحته الواسعة وموقعه في لوس أنجليس، المدينة التي شكّلت محطة أساسية في حياة جولي الشخصية والمهنية.

الممثلة أنجلينا جولي تظهر برفقة أطفالها في أثناء حضورها العرض الأول لفيلم «ماليفيسنت: سيدة الشر» في لندن عام 2019 (رويترز)

رغبة في العيش خارج الولايات المتحدة

ويأتي البيع وسط تقارير إعلامية، من بينها ما نشره موقع «رادار أونلاين»، عن رغبة جولي في الانتقال إلى الخارج، في ظل عدم رضاها عن المناخ السياسي الأميركي.

وكانت الممثلة قد تحدثت في وقت سابق عن تطلعها إلى العيش خارج الولايات المتحدة، لكنها أوضحت أن التزاماتها العائلية تفرض عليها البقاء في كاليفورنيا إلى حين بلوغ أصغر أبنائها سن الرشد.

وبلغ التوأمان نوكس وفيفيان الثامنة عشرة في يوليو (تموز) 2026؛ ما يزيل أحد القيود الزمنية التي سبق أن أشارت إليها جولي عند حديثها عن خططها. ومع ذلك، لم تعلن الممثلة تفاصيل نهائية بشأن موعد انتقالها أو البلد الذي قد تختاره للإقامة.

وبينما تمثل صفقة البيع تغييراً ملموساً في ممتلكاتها العقارية، لا تكفي وحدها للجزم بأنها تستعد لمغادرة الولايات المتحدة نهائياً. أما خطوتها المقبلة، فستتضح مع أي تصريحات أو قرارات تعلنها بنفسها في شأن مكان إقامتها.