من عفو الحرب إلى عفو السجون... ماذا تغيّر في لبنان خلال 35 عاماً؟

طوى قانون 1991 صفحة الحرب الأهلية وفتح مرحلة سياسية جديدة

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

من عفو الحرب إلى عفو السجون... ماذا تغيّر في لبنان خلال 35 عاماً؟

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

أعاد إقرار مجلس النواب اللبناني قانون العفو، بعد 35 عاماً على عفو 1991، فتح النقاش حول اختلاف الظروف التي دفعت لبنان إلى اللجوء إلى العفو مرتين. فبينما أُقر الأول لطي صفحة الحرب الأهلية وفتح مرحلة سياسية جديدة، جاء قانون 2026 لمعالجة أوضاع الموقوفين والمحكومين والتوقيفات الطويلة وأزمة السجون، وسط اعتبارات سياسية رافقت إقراره.

النسيان العام

يعيد الوزير السابق رشيد درباس النقاش إلى فلسفة العفو نفسه، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «العفو العام الذي صدر عام 1991 جاء عقب الحرب الأهلية، وعلى أمل طيّ صفحتها والدخول في عصر جديد»، موضحاً أن «فلسفة العفو العام تقوم أساساً على تكريس النسيان العام، أي إقفال صفحة من الماضي وفتح صفحة جديدة».

وفي حديثه عن قانون العفو الحالي، يلفت درباس إلى أن «هناك ظلماً وقع على الناس أيضاً، إذ هل يُعقل أن يبقى شخص كل هذه المدة الطويلة من دون محاكمة؟ وهل يُعقل أن تطول بعض الاتهامات والقضايا إلى هذا الحد؟ لذلك كان لا بد من معالجة هذا الملف، لكن مع الأسف دخل في بازار سياسي من دون أن يرافقه نقاش راقٍ».

ويستشهد درباس بالسجال الذي رافق موقف وزير الدفاع ميشال منسى، قائلاً: «وصل الأمر، على سبيل المثال، إلى سجال حول ما إذا كان وزير الدفاع سيتكلم أم لا، ثم أُعطيت المسألة بعداً طائفياً، وكأن رئيس الحكومة المسلم يمنع وزير الدفاع المسيحي من الكلام. فكل هذه القضايا يجري استخدامها في السجالات السياسية والطائفية».

مبنى مجلس النواب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)

سياسي تصالحي

ويضع وزير العدل السابق إبراهيم نجار فارقاً قانونياً وسياسياً بين التجربتين، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك فرقاً كبيراً جداً بين قانون 26 أغسطس (آب) 1991 وقانون 12 أغسطس 2026، والفرق موجود في نواحٍ أساسية متعددة».

ويوضح أن «قانون العفو العام لعام 1991، من الناحية السياسية، كان الهدف منه طيّ صفحة الحرب وطيّ كل الملاحقات المرتبطة بصفحة الحرب، بدليل أنه شمل بصورة واسعة جداً الجرائم المرتكبة قبل 28 مارس (آذار) 1991، وبصورة خاصة الجرائم ذات الطابع السياسي المرتبطة بالحرب، مع بعض الاستثناءات المحددة».

ويضيف نجار أن «قانون 1991 كان له، إذاً، طابع سياسي تصالحي، أي إعادة حسن سير التعامل والتعايش والعيش في المستقبل، وهذا كان الهدف السياسي الأساسي منه». أما القانون الجديد، فيضعه نجار في إطار مختلف، قائلاً إن «قانون 2026 له أبعاد سياسية محددة في سوريا وفي لبنان، بالإضافة إلى أنه يتعلق بأوضاع السجون وكثرة الموقوفين والمحكومين».

«سجن رومية المركزي» (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

قانون جزائي اجتماعي

ويشدد نجار على أن «القانون الذي صدر الأربعاء ليس قانون عفو عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ محدد، لأنه يطال فئات وحالات محددة، وهو أقرب إلى قانون جزائي اجتماعي يُعنى بمعالجة أوضاع الموقوفين والمحكومين عن طريق تخفيض استثنائي لبعض العقوبات». ويلفت إلى أن «قانون 2026 استثنى الكثير من الجرائم والجنايات، ومنها جرائم قتل العسكريين، والجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد، وجرائم تبييض الأموال، والجرائم المالية، وجنايات المخدرات». معتبراً أن «هذا القانون اللبناني له أبعاد سورية واضحة، كما أفاد منه بعض اللبنانيين الذين كانوا قد لجأوا إلى إسرائيل».

تسوية سياسية

ويقرأ النائب والوزير السابق بطرس حرب القانون الحالي من زاوية تجمع السياسة بالاعتبارات الإنسانية، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «العفو الحالي في جزء منه، تسوية سياسية أكثر منه معالجة قضائية بحتة، وإن كان يتضمن جانباً إنسانياً لا يمكن تجاهله»، مشدداً في الوقت نفسه على أن معالجة أوضاع السجناء لا ينبغي أن تؤدي إلى «تجاوز حقوق الجيش اللبناني وضحاياه، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالذين خاضوا مواجهات معه»، موضحاً أن «هناك جانباً إنسانياً يجب أخذه في الاعتبار، لأن القضاء اللبناني تأثر في مراحل معينة ولم يمارس صلاحياته بالسرعة المطلوبة، سواء لجهة البت في القضايا أو إصدار الأحكام». لافتاً إلى أن «هناك أشخاصاً أمضوا في السجن فترات طويلة تجاوزت في بعض الحالات، العقوبة التي كان يمكن أن تصدر بحقهم لو جرت محاكمتهم ضمن المهل الطبيعية».

ويرى أن هذا الواقع «يفرض معالجة إنسانية وقانونية للمشكلة»، لكنه يشير إلى أن ملف العفو «تحول أيضاً إلى موضوع تجاذب ومزايدة على أساس طائفي بكل أسف، وخصوصاً فيما يتعلق بقضايا الإسلاميين الذين قاتلوا الجيش اللبناني ما أدى إلى سقوط ضحايا من الجيش نتيجة المواجهات معهم»، مضيفاً أن هذه القضية «كانت موضع أخذ ورد طويل، ووصلت اليوم إلى محاولة إيجاد حل لها عبر تسوية عنوانها العفو».

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

وينتقد حرب ما وصفه بـ«المزايدة على الجيش» في النقاش الدائر، قائلاً إن «بعض الذين يعلنون اليوم حرصهم على الجيش كانوا، للأسف، من القوى التي ساهمت في مراحل سابقة في إلحاق خسائر كبيرة به، سواء خلال الحرب اللبنانية أو في المواجهات التي شهدتها البلاد لاحقاً». ويضيف: «لذلك أتحفظ عن الدخول في حكم نهائي على المشروع قبل الاطلاع على تفاصيله وصيغته القانونية، لكن لا يجوز أن تتحول المسألة إلى مزايدات سياسية على حساب الجيش أو حقوق ضحاياه».

الفرق بين عفو 1991 والعفو الحالي

وعن المقارنة بين مشروع العفو الحالي والعفو العام الذي أُقر عام 1991 بعد انتهاء الحرب اللبنانية، يشدد حرب على أن «الظرفين مختلفان جذرياً»، موضحاً أن عفو عام 1991 بعد الحرب الأهلية جاء «في سياق سياسي استثنائي أعقب اتفاق الطائف وإنهاء مرحلة كاملة من الحرب والمواجهات العسكرية والمخالفات والجرائم التي رافقتها». عادّاً أنه «في ذلك الوقت، كان لبنان خارجاً من حرب طويلة، وكان لا بد من طي صفحة تلك المرحلة والدخول في مرحلة جديدة تسمح بإعادة بناء الدولة. لذلك كان العفو جزءاً من تسوية سياسية وطنية أوسع مرتبطة بإنهاء الحرب وتنفيذ اتفاق الطائف، أما اليوم، فالمشكلة مختلفة، وإن كان لها جانب سياسي، لأنها ترتبط بصورة أساسية بخلل قضائي وإنساني يجب معالجته». مضيفاً: «هذا الأمر كان يتطلب حلاً، لأنه مشكلة قضائية وإنسانية حقيقية، ولا يجوز أن يبقى أشخاص سنوات في السجن بسبب التأخير في المحاكمات أو عدم البت في ملفاتهم».


مقالات ذات صلة

لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

المشرق العربي جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)

لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

يفتح الإفراج عن خمسة محتجزين لدى إسرائيل، ثلاثة لبنانيين وسوريين، مرحلة جديدة في ملف الأسرى والمفقودين

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ما بعد «علي الطاهر»... ضغط سياسي إسرائيلي واحتمالات مفتوحة

يفتح إعلان إسرائيل تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على مرتفعات علي الطاهر مرحلة جديدة في جنوب لبنان، تتجاوز مصير الموقع نفسه إلى ما قد يليه عسكرياً.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

لبنان: عون يوقّع قانون العفو وسلام يعجّل بنشره

فتح توقيع الرئيس اللبناني جوزيف عون، قانون العفو العام، الباب أمام بدء تطبيق واحد من أكثر الملفات القانونية والاجتماعية انتظاراً في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

من تحرير الجنوب إلى منع الوصول لبيروت... «حزب الله» يبحث عن انتصار بديل

في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان وتدمير قرى بأكملها، تطرح مواقف مسؤولي «حزب الله» الأخيرة علامة استفهام حول تبدّل أولوياته.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)

الصليب الأحمر يعلن نقل أربعة أشخاص إلى لبنان أفرجت عنهم إسرائيل

أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الجمعة أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص إضافيين أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني.

«الشرق الأوسط» (بيروت )

الأمم المتحدة: إسرائيل ربما ارتكبت «تطهيراً عرقياً» في الضفة الغربية

سكان مخيم نور شمس يشاهدون منازلهم تُهدم عشية رأس السنة الميلادية على يد حفَّارة عسكرية إسرائيلية في المخيم شرق مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
سكان مخيم نور شمس يشاهدون منازلهم تُهدم عشية رأس السنة الميلادية على يد حفَّارة عسكرية إسرائيلية في المخيم شرق مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: إسرائيل ربما ارتكبت «تطهيراً عرقياً» في الضفة الغربية

سكان مخيم نور شمس يشاهدون منازلهم تُهدم عشية رأس السنة الميلادية على يد حفَّارة عسكرية إسرائيلية في المخيم شرق مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
سكان مخيم نور شمس يشاهدون منازلهم تُهدم عشية رأس السنة الميلادية على يد حفَّارة عسكرية إسرائيلية في المخيم شرق مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

اتهمت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إسرائيل، الجمعة، بتهجير أكثر من 33 ألف فلسطيني من 3 مخيمات في الضفة الغربية عام 2025، مشيرة إلى أن ذلك يثير مخاوف من «ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي».

رفضت إسرائيل هذه الاتهامات، ورأت بعثتها في جنيف أن المفوضية السامية تخلت «عن الحياد والاستقلالية والنزاهة لتصبح بؤرة نشاط بغيض».

وخلصت المفوضية، في تقرير جديد، إلى أن قوات الأمن الإسرائيلية هجّرت قسراً في إطار عملية «الجدار الحديدي» كل السكان في 3 مخيمات للاجئين بالضفة الغربية خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، وتواصل منع عودتهم «في انتهاك للقانون الدولي»، وفق ما قالت في بيان.

جندي إسرائيلي يوجه سلاحه في أثناء تركيب بوابة حديدية على مدخل مخيم جنين بالضفة الغربية (رويترز)

يشير التقرير، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، إلى مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ويرد فيه أن «التهجير واسع النطاق وطويل الأمد والمنهجي لأكثر من 33 ألف فلسطيني يثير مخاوف جدية بشأن (ارتكاب) جريمة ضد الإنسانية، وهي النقل القسري».

وقالت المفوضية إن «استخدام الغارات الجوية والجرافات المدرعة وعمليات التفجير المنظمة لجعل مخيمات بأكملها غير صالحة للسكن، وإجبار سكانها على النزوح ومنعهم من العودة، في غياب ضرورة عسكرية ملحة، غير مسموح به بموجب القانون الدولي، ويبدو أنه يشكل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، ويثير مخاوف بشأن احتمال حدوث تطهير عرقي».

في 23 فبراير 2025، أعلنت إسرائيل أن جيشها أخلى المخيمات الثلاثة الواقعة في شمال الضفة الغربية من سكانها، وأن الجنود تلقوا أوامر بمنعهم من العودة إلى منازلهم.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان: «تم بالفعل إجلاء 40 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم ونور شمس، وأصبحت هذه المخيمات الآن خالية من سكانها». وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967.

حفَّارة عسكرية إسرائيلية تهدم أحد المباني السكنية في مخيم نور شمس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وانطلقت عملية «الجدار الحديدي» في 21 يناير، أي بعد 48 ساعة من دخول وقف هشّ لإطلاق النار حيز التنفيذ في قطاع غزة عقب 15 شهراً من الحرب، التي اندلعت إثر هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وهذه المخيمات من بين مخيمات اللاجئين التسعة عشر في الضفة الغربية، وتديرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وفق مفوضية حقوق الإنسان.

وقال المفوض السامي، فولكر تورك، في البيان: «تشير الطريقة التي نُفذت بها (عملية الجدار الحديدي) إلى أنها تهدف إلى ترحيل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وإفساح المجال أمام مزيد من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، في انتهاك للقانون الدولي».


«حماس» تطالب الدول العربية والإسلامية بالتحرك لمواجهة «مخططات التهجير»

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

«حماس» تطالب الدول العربية والإسلامية بالتحرك لمواجهة «مخططات التهجير»

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)

دعت حركة «حماس» الفلسطينية، الجمعة، الدول العربية والإسلامية لمواجهة «مخططات الاحتلال لتهجير» الفلسطينيين من قطاع غزة، وذلك عقب تصريحات بهذا الشأن أدلى بها وزيران إسرائيليان هذا الأسبوع.

وقال الناطق باسم «حماس»، حازم قاسم، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «إن تصاعد تصريحات وزراء في حكومة الاحتلال بشأن استمرار تبني مخططات تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ويكشف عن أن الاحتلال لم يتخلَّ عن هذا المخطط»، داعياً «الدول العربية والإسلامية إلى التَّحرُّك الجاد والموحَّد لمواجهة هذه المخططات، واتخاذ مواقف وإجراءات فاعلة لإفشالها».

وطرح وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، الخميس، خطةً لإفراغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين وإبعادهم إلى الخارج.

ووضع بن غفير، الذي غالباً ما تلقى مواقفه المتشددة انتقادات غربية، هدفاً يتمثل في إبعاد 250 ألف فلسطيني من غزة خلال عام واحد، ثم مغادرة مَن تبقوا، أي مَن يقدَّر عددهم بنحو مليونَي نسمة، خلال السنوات الـ6 التالية.

وقال بن غفير، وهو أحد أبرز وجوه الائتلاف الحكومي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إن ما يطرحه «أمر واقعي»، مشيراً إلى أن دولاً عدة «مستعدة» لاستقبال سكان غزة، من دون أن يحددها.

وأضاف: «يجب أن نشجِّع هجرة سكان غزة»، عادّاً أن الخطة لا تعني «إرغام» الفلسطينيين على مغادرة أرضهم.

بدوره، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن لدى إسرائيل خططاً جاهزة لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة، لكنها تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه.

وقال كاتس: «لا يوجد في نهاية المطاف حل حقيقي لغزة من دون هذه الهجرة». وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية «منظمة ومستعدة لإخراجهم، عن طريق البحر، والجو، وبكل وسيلة ممكنة».

ويُعدُّ التهجير القسري للمدنيين في الأراضي المحتلة جريمة حرب بموجب اتفاقات جنيف.


«المناطق التجريبية»... من جنوب لبنان إلى غزة

الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
TT

«المناطق التجريبية»... من جنوب لبنان إلى غزة

الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

تثير الفكرة التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، وكلفا الجيش بإعداد تصور لتطبيقها، وتتعلق بنقل نموذج المناطق التجريبية في لبنان إلى قطاع غزة، جدلاً في تل أبيب بين من يعدُّها مقترحاً جدياً للتقدم في تطبيق خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبين من يشكك فيها ويراها ألعوبة جديدة لمزيد من المماطلة.

وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تقوم الفكرة على اختيار مناطق تقع خارج الخط الأصفر ولا ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي حالياً، على أن تدخل إليها قوات دولية للعمل على تفكيك البنى التحتية المسلحة وإقامة منظومة إدارة بديلة. ولكن، في المقابل، ستحتفظ إسرائيل بقدرتها على مراقبة هذه المناطق والسيطرة عليها أمنياً من خلال الاستخبارات والمراقبة الجوية والقدرة على تنفيذ ضربات عند الحاجة، من دون انتشار بري إسرائيلي دائم داخلها.

تفجير إسرائيلي في قرية الحنية جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

ووفقاً للصحيفة، تأتي الخطة في إطار محاولة إيجاد نموذج يسمح بإدارة مناطق من غزة بعيداً عن سيطرة «حماس» مع الاستفادة من تجربة جنوب لبنان. ولكن المشككين يؤكدون أن تطبيق النموذج في غزة يواجه تحديات أكبر، خصوصاً في ظل عدم وجود جهة فلسطينية متفق عليها لتولي الإدارة المدنية والأمنية. ولذلك فإن الحديث يدور حالياً عن تصور وخطة قيد الدراسة، وليس عن اتفاق نهائي أو بدء تنفيذ فعلي لها.

ويرى المشككون أن الحكومة الإسرائيلية تطرح هذه الفكرة لغرض المماطلة، وامتصاص الغضب الأميركي من العراقيل التي تضعها في طريق تطبيق خطة الرئيس ترمب. وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن جارد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، ونيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، ينتقدان حتى زميلهما آريه لايتستون، الذي كان البيت الأبيض قد عهد إليه حتى الآن بتنفيذ خطة ترمب المكونة من عشرين نقطة على أرض الواقع، ويعتبرونه «متساهلاً، وغير حازم، ولا يستطيع إدارة المفاوضات مع إسرائيل بالطريقة التي يريدها البيت الأبيض». وأضاف المصدر أن توني بلير، وهو عضو بارز آخر في مجلس السلام، قد أعرب في الأيام الأخيرة عن الاستياء من توجه لايتستون في هذه العملية.

الجيش الإسرائيلي رسم «الخط الأصفر» ليفصل بين المناطق التي يسيطر عليها في غزة والمناطق التي تسيطر عليها «حماس» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتؤكد الصحيفة أن الأميركيين يذكرون عدداً من الحوادث التي تبين عدم جدية إسرائيل واستمرارها في وضع العراقيل. ومنها:

الاتفاق بين إسرائيل وألمانيا والولايات المتحدة على تشغيل معبر بيت حانون (ايرز) ووضع جهاز فحص ألماني متطور، لضمان السرعة والنجاعة، ووضع جهاز مماثل عند ميناء أسدود، لمنع الازدحام المروري عند معبر كرم أبو سالم، وتسهيل نقل المساعدات إلى غزة بطرق مختلفة، وبالتالي، توسيع نطاقها.

وقد تغيرت الجداول الزمنية على مدار الأشهر ولكنها كانت معروفة للجميع، وربما تم الاتفاق عليها بين الأطراف. وفي 21 أغسطس (آب) الماضي، نشر السفير الألماني الجديد لدى إسرائيل ألكسندر لانديستورف تغريدة احتفالية مرفقة بصور من احتفال متواضع أقيم عند معبر إيرز، وكتب أن الجهاز الجديد الذي وضع هناك سيضمن «وصول المزيد من المساعدات إلى غزة، مع الحفاظ على أمن إسرائيل». ولكن بعد أسبوع تقريباً، أصدر نتنياهو وكاتس بياناً مشتركاً جاء فيه: «لا توجد أي توجيهات لفتح معبر إيرز للبضائع». ومنذ ذلك الحين، ينتظر الدبلوماسيون الدوليون الموجودون في مركز التنسيق في كريات غات، في حالة حيرة، الحل للغز المعبر.

دبابات إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان في 8 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

ومن الأمثلة الصارخة على جوهر هذا المأزق، منْع إسرائيل دخول قوات حفظ السلام إلى غزة. ففي نهاية شهر يوليو (تموز)، قبل زيارة نتنياهو إلى واشنطن، أصدر مكتب رئيس الحكومة بياناً من مصدر سياسي مجهول يفيد بأن مجلس الوزراء وافق على دخول 200 جندي «من أوغندا والمغرب». وفي نهاية شهر أغسطس، أصدر مكتب رئيس الحكومة بياناً ينفي ذلك، وقال: «خلافاً للتقارير، لم توافق القيادة السياسية على دخول القوات الدولية إلى قطاع غزة». في الواقع كان يجب على المكتب أن يبدأ هذا البيان بعبارة «خلافاً لتصريحاتنا السابقة».

ومن الأمثلة الأخرى على السياسة التي تتبعها حكومة نتنياهو، قيام إسرائيل بالوقوف في وجه آلاف الغزيين الذين جندتهم اللجنة الفنية لقوات الشرطة الجديدة في غزة، ومنعهم من مغادرة القطاع للتدرب في مصر. وحسب المصدر نفسه، يخشى المجلس من أنه حتى لو سمح للمجندين بالمغادرة فقد تمنعهم إسرائيل من العودة بعد انتهاء التدريب بذريعة الأمن.

وتقول الصحيفة إن المسألة ليست مسألة خلافات، بل قضية تخريب صريح، وفي أحسن الأحوال شيء محكوم بضغوط انتخابية.