لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة مناخية عابرة بالنسبة إلى المزارعين، بل تحوّلت إلى عامل يفرض إعادة تنظيم يوم العمل الزراعي وتغيير أساليب الإنتاج التي استقرت عليها المَزارع لعقود. ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تجعل العمل خلال ساعات النهار شاقاً أو مستحيلاً، يجد مزارعون أنفسهم مضطرين إلى بدء الحصاد في منتصف الليل أو قبل شروق الشمس، فيما يلجأ آخرون إلى تبريد حظائر الماشية، وتغطية المحاصيل بشبكات التظليل، وإعادة النظر في مواعيد الزراعة والحصاد.
وفي بعض المناطق، لم تعد المشكلة تقتصر على سلامة العمال أو راحتهم، وإنما باتت تؤثر مباشرة في جودة المحاصيل وكمياتها وتكاليف إنتاجها. وفيما تتكرر موجات الحر والجفاف بوتيرة متزايدة، تتسع قائمة الإجراءات التي يضطر المزارعون إلى اتخاذها للتكيف مع ظروف مناخية لم تعد تُشبه تلك التي اعتادوا عليها. وقد بدأت انعكاسات ذلك تظهر بالفعل في توقعات الإنتاج الزراعي في عدد من الدول الأوروبية.
الحصاد ليلاً لتجنب الحرارة وحماية المحاصيل
في تمام الساعة الثانية صباحاً، تُضيء الأضواء الكاشفة الآلات التي تتحرك في مزرعة عائلة إليانور جيلبرت في بيركشاير البريطانية. وتقوم الشابة، البالغة من العمر 24 عاماً، بحصاد المحصول في الظلام لالتقاط قطرات الندى الخفيفة التي تتساقط على بذور اللفت طوال الليل، إذ تُمثل هذه الطريقة الوسيلة الوحيدة لرفع نسبة رطوبة البذور إلى مستوى يكفي لقبولها من المشترين، حسب تقرير لصحيفة «فاينانشيال تايمز».
وبحلول الساعة العاشرة صباحاً تقريباً، تنتقل إليانور جيلبرت إلى حصاد القمح وتواصل العمل طوال اليوم. وبعد ساعتين أو ثلاث ساعات فقط من النوم، تعود المزارعة -التي تنتمي إلى الجيل السادس من عائلتها العاملة في الزراعة- إلى الحقول وتبدأ دورة العمل من جديد. وتقول إليانور جيلبرت: «الأمر أشبه باضطراب الرحلات الجوية الطويلة. لا يمكنك النوم في منتصف النهار، إنه أمر غير طبيعي».
وتجبر موجات الحر المزارعين في أنحاء أوروبا على تعديل أساليب عملهم ومواعيدها، بدءاً من الحصاد ليلاً، مروراً بتغطية الحقول بشبكات التظليل وتبريد حظائر الماشية، وصولاً إلى التخلي عن جداول الزراعة التي جرى تطويرها وتحسينها على مدى عقود.

وبدأت آثار هذه التغيرات تظهر بالفعل في توقعات المحاصيل. فقد أعلنت وزارة الزراعة الفرنسية، يوم الجمعة، أن إنتاج الذرة الصفراء من المتوقع أن ينخفض بنسبة 35 في المائة مقارنة بالعام الماضي، ليصل إلى 9 ملايين طن، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1980 على الأقل، نتيجة موجة الحر والجفاف التي أثرت على موسم النمو.
ولا يختلف الوضع بالنسبة إلى مزارعي المحاصيل الأخرى، فمزارعو البطاطس في المناطق المحيطة بمدريد يقطفون محاصيلهم بعد غروب الشمس، لأن اقتلاع البطاطس من التربة الساخنة قد يضر بجودتها.
وفي جنوب إيطاليا، بدأ بيترو سيفاريلي، وهو مزارع مخضرم يبلغ من العمر 60 عاماً، ويزرع الحبوب والبقوليات بالقرب من ألتامورا في منطقة بوليا، العمل تحت ضوء النجوم. ويقول: «من الساعة 11 صباحاً حتى السادسة أو السابعة مساءً، لا يمكنك فعل أي شيء. إذا لمست قطعة معدنية فستحرق يديك حرفياً».
ويشير سيفاريلي إلى أن محصول الحمص الأسود الأملس يجب حصاده بعد أن يبرد طوال الليل. ففي أثناء النهار، تصبح قرونه جافة وهشّة إلى درجة أن البذور تتناثر بمجرد لمس النباتات، ما يجعل الحصاد في ساعات الليل أكثر ملاءمة للحفاظ على المحصول.
وفي بيركشاير، كانت الرطوبة الزائدة تُشكل في السابق مشكلة لعائلة إليانور جيلبرت، التي اعتادت انتظار تبخر ندى الصباح قبل حصاد بذور اللفت الزيتية، لكن هذا العام، أصبح المحصول جافاً للغاية خلال النهار. وتوضح إليانور جيلبرت أن المشترين يستطيعون رفض الشحنات التي تقل نسبة رطوبتها عن 6 في المائة، في حين يسمح الحصاد في الساعة الثانية صباحاً لندى الليل برفع نسبة الرطوبة إلى نحو 7 في المائة، بما يجعل المحصول صالحاً للبيع.
ولا تقتصر فائدة الحصاد الليلي على الحفاظ على جودة المحاصيل، إذ يُسهم أيضاً في تقليل خطر اشتعال الحقول الجافة بسبب الآلات. وتستخدم عائلة إليانور جيلبرت الآن صهاريج مياه في الحقول، كما تُبقي محراثاً قريباً لاستخدامه في إنشاء حاجز ناري عند الضرورة. وخلال حريق اندلع مؤخراً، اجتاحت النيران بقايا المحاصيل في غضون ثوانٍ، ولم يفصلهم عن الحريق سوى أمتار قليلة حين كانوا يحاولون إنقاذ المحصول قبل وصول رجال الإطفاء.
وتقول إليانور جيلبرت إن الجفاف خفّض إنتاجية مزرعة عائلتها إلى ما يقارب نصف مستواها في العام السابق، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة إنتاج طن الحبوب من نحو 150 جنيهاً إسترلينياً في السنوات الجيدة إلى قرابة 200 جنيه، ونتيجة ذلك، بدأت العائلة التفكير فيما إذا كان لا يزال من الممكن تبرير امتلاك حصادة تبلغ قيمتها نحو 500 ألف جنيه إسترليني، أو ما إذا كان من الأفضل مشاركة الآلات مع أحد الجيران لتقليل التكاليف.

ساعات عمل جديدة وتكاليف إنتاج أعلى
وفي ديفون جنوب غربي إنجلترا، بدأت فرق الحصاد في شركة الخضراوات العضوية «ريفرفورد» عملها الآن عند الساعة الخامسة صباحاً، بهدف الانتهاء بحلول الواحدة أو الثانية ظهراً، وفقاً لمؤسس الشركة جاي سينغ واتسون. كما ينطلق السائقون في وقت مبكر لتوصيل صناديق الخضراوات ابتداءً من الساعة السادسة صباحاً، ويحملون معهم عبوات إضافية من الثلج للحفاظ على برودة المنتجات أثناء عمليات النقل.
وقال واتسون: «كنا نعلم نوعاً ما أن هذا سيحدث، لكننا كنا نعتقد دائماً أنها مشكلة سيواجهها أبناؤنا على الأرجح. لقد حدث ذلك بسرعة كبيرة جداً».
وتشهد أجزاء من آسيا تحولات مماثلة منذ عدة سنوات، ما يشير إلى أن تغيير مواعيد العمل الزراعي لم يعد استجابة مؤقتة لظروف استثنائية، بل أصبح في بعض المناطق جزءاً من عملية التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة.
لكن ارتفاع درجات الحرارة خلال الليل أيضاً بدأ يفرض تحديات جديدة، إذ تقلل الليالي الحارة بصورة متزايدة من فترة الراحة المتاحة لكل من المحاصيل والعمال، فحتى عندما ينجح المزارعون في نقل جزء من العمل إلى ساعات الليل، لا يحصل الحقل والعامل بالضرورة على فترة كافية للتعافي من حرارة النهار.
ولا تقتصر استجابة المزارعين للحرارة على تغيير ساعات العمل، بل تدفعهم الظروف الجديدة إلى الابتكار وتبني حلول أخرى لحماية الإنتاج.
تبريد الماشية والبحث عن حلول للتكيف
في منطقة لاتسيو الإيطالية، يكافح فرانشيسكو براشي للحفاظ على برودة أبقاره وضمان استمرار إنتاج الحليب. وتنتج الماشية طبيعياً كميات أقل من الحليب خلال الطقس الحار، لكن براشي يقول إن الوضع هذا العام كان أكثر صعوبة من المعتاد، مع معاناة الحيوانات بسبب تقلبات درجات الحرارة.
وحسب اتحاد «كولديريتي»، أكبر اتحاد للمزارعين في إيطاليا، انخفض إنتاج الحليب بنسبة تصل إلى 20 في المائة في بعض المزارع.
ويقول براشي: «في العام الماضي، قمت بتركيب نظام تهوية، ولكن مع ارتفاع درجات الحرارة حالياً، لم تعد المراوح كافية؛ لذا نحتاج إلى إضافة شيء آخر لدعمها. لقد اشتريت للتو نظاماً لرش الماء... يعمل الماء على خفض درجة الحرارة داخل حظيرة الماشية».
وتوضح تجربة براشي أن التكيف مع ارتفاع الحرارة يتطلب في كثير من الأحيان أكثر من مجرد تغيير مواعيد العمل، فالمزارعون أصبحوا مضطرين إلى الاستثمار في أنظمة تبريد وتهوية وري وحماية للمحاصيل، في وقت تؤدي فيه موجات الحر والجفاف في الوقت نفسه إلى خفض الإنتاج ورفع تكلفة إنتاج الطن الواحد.
وبذلك، يتحول تغير المناخ تدريجياً من عامل خارجي يؤثر في الزراعة إلى عنصر يُعيد تشكيل طريقة عمل المزارعين أنفسهم. فبينما كان الليل في السابق وقتاً للراحة، أصبح بالنسبة إلى كثير منهم امتداداً ليوم العمل، وأصبحت ساعات الفجر الباكر وساعات ما بعد غروب الشمس أكثر أهمية في حماية المحاصيل والماشية والعمال من ظروف حرارية باتت أشد قسوة وأسرع تغيراً.




